White army

دور الصحة العامة في معادلة القوة الشاملة للدول بعد الجائحة

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

جاءت‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬لتؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬خاصة‭ ‬أنها‭ ‬أظهرت‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬منظومة‭ ‬صحية‭ ‬قوية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬الصحية‭ ‬الطارئة،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬بإمكانها‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬تماسكها‭ ‬واستقرارها‭ ‬الداخلي،‭ ‬بل‭ ‬وتترجم‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬وتأثير‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭. ‬

يشير‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬العناصر‭ ‬أو‭ ‬المحددات‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬موارد‭ ‬عامة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستخدمها‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قوتها،‭ ‬مثل‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافى،‭ ‬أو‭ ‬العامل‭ ‬البشري،‭ ‬والموارد‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والوزن‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي،‭ ‬والقوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬والإمكانات‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬هي‭ ‬حاصل‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬مجتمعة،‭ ‬وكيفية‭ ‬توظيفها‭ ‬بفاعلية‭ ‬وكفاءة‭ ‬تعزز‭ ‬من‭ ‬مكانتها‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭.‬

وقد‭ ‬شهد‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬تحولات‭ ‬جوهرية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬فخلال‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬كان‭ ‬التركيز‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬منصباً‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬باعتبارها‭ ‬جوهر‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬وأنه‭ ‬لكي‭ ‬تنجح‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬قوية‭ ‬وعوامل‭ ‬ردع‭ ‬كافية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خصومها،‭ ‬لكن‭ ‬ثبت‭ ‬خطأ‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬وظهرت‭ ‬نظريات‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬استراتيجي‭ ‬شامل‭ ‬يأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬الجوانب‭ ‬الأخرى‭ ‬للقوة،‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬ثم‭ ‬تطور‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬ليضيف‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬وإعلام‭ ‬والقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول‭. ‬

‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬والتحول‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة

ليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬المبالغة‭ ‬أن‭ ‬ظهور‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬ووهان‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬ديسمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬2019،‭ ‬وانتقاله‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬أجمع،‭ ‬شكل‭- ‬وما‭ ‬يزال‭ ‬–‭ ‬أخطر‭ ‬أزمة‭ ‬صحية‭ ‬تواجه‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر،‭ ‬فقد‭ ‬أثار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بمفهوم‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬معايير‭ ‬تقييمها،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أظهرت‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬ضعف‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وعجزها‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬لمواطنيها‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬الجائحة،‭ ‬بينما‭ ‬استطاعت‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ -‬لا‭ ‬تصنف‭ ‬ضمن‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭- ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬بكل‭ ‬فاعلية‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬مظلة‭ ‬من‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬المتقدمة‭ ‬لشعوبها،‭ ‬لأنها‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬توظف‭ ‬منظومتها‭ ‬الصحية‭ ‬بكفاءة‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬الفحوصات‭ ‬أومن‭ ‬خلال‭ ‬تطبيق‭ ‬الأنظمة‭ ‬المتطورة‭ ‬لتتبع‭ ‬الحالات‭ ‬وتطبيق‭ ‬العزل‭ ‬والحجر‭ ‬الصحي،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬احتواء‭ ‬الفيروس‭ ‬وتخفيف‭ ‬تداعياته‭ ‬المختلفة‭. ‬إن‭ ‬التداعيات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬دفعت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬وتقييم‭ ‬عوامل‭ ‬قوتها‭ ‬الشاملة،‭ ‬لتأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬الجوانب‭ ‬الصحية،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬صحية‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬مستشفيات‭ ‬متطورة،‭ ‬وقطاع‭ ‬طبي‭ ‬قوي،‭ ‬وكوادر‭ ‬بشرية‭ ‬مؤهلة‭ ‬من‭ ‬أطباء‭ ‬وممرضين،‭ ‬وتوافر‭ ‬المستلزمات‭ ‬الطبية،‭ ‬من‭ ‬كمامات‭ ‬وأجهزة‭ ‬تنفس‭ ‬صناعي‭ ‬وغيرها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أهم‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬بل‭ ‬وأصبح‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬الأبيض‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الأطقم‭ ‬الطبية‭ ‬والصحية‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬الخط‭ ‬الأمامي‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لهذه‭ ‬الجائحة،‭ ‬من‭ ‬المفاهميم‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬استثمار‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬البشري‭ ‬المعني‭ ‬بالقطاع‭ ‬الصحي‭.‬

لقد‭ ‬أكدت‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬أهمية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬للشعوب‭ ‬باعتبارها‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬واشنطن‭ ‬بوست‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬نشرت‭ ‬مقالاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أبريل‭ ‬2020‭ ‬خلصت‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تلاشي‭ ‬الافتراضات‭ ‬التقليدية‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬والتي‭ ‬سادت‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬وستؤسس‭ ‬لعصر‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬يعتمد‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬وقدرات‭ ‬نوعية‭ ‬جديدة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬الصحية‭ ‬الطارئة،‭ ‬فالدول‭ ‬وفقاً‭ ‬لمفهوم‭ ‬القوة‭ ‬الجديد‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سكان‭ ‬أصحاء،‭ ‬يستطيعون‭ ‬إدارة‭ ‬مواردها‭ ‬وتنمية‭ ‬ثرواتها‭ ‬وتعظيم‭ ‬مكانتها‮»‬‭. ‬ورأت‭ ‬الصحيفة‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تمتلك‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬وأقوى‭ ‬جيش‭ ‬وتحتفظ‭ ‬بالعملة‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ (‬الدولار‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬المرادف‭ ‬الموضوعي‭ ‬للقوة‭ ‬الصلبة‭- ‬الحشنة،‭ ‬لكن‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬أظهرت‭ ‬بوضوح‭ ‬أنها‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬القوة‭ ‬الأخرى،‭ ‬وتحديداً‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مؤشرات‭ ‬ديموغرافية‭ ‬عامة‭ ‬بالسكان،‭ ‬فنظام‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬التمويل،‭ ‬وضعف‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الإمكانيات،‭ ‬وعدم‭ ‬تغطية‭ ‬أنظمة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬لكل‭ ‬السكان،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬بدوره‭ ‬خطراً‭ ‬واضحاً‭ ‬وقائماً‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬علاج‭ ‬هذه‭ ‬المشكلات‭. ‬

أثر‭ ‬الجائحة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة

عززت‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬أهمية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬للشعوب،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬ضمن‭ ‬أهم‭ ‬معايير‭ ‬قياس‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬وانعكس‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬المظاهر‭ ‬التالية‭:‬

1‭ ‬ – التركيز‭ ‬على‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬الصحي‮»‬‭ ‬للشعوب،  ‬باعتباره‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬وأهم‭ ‬مرتكزات‭ ‬تحقيق‭ ‬أمنها،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تتبنى‭ ‬استراتيجيات‭ ‬واضحة‭ ‬لتطوير‭ ‬منظومتها‭ ‬الصحية؛‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬الدمار‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والبشرية‭ ‬العالمية‭ ‬كنتيجة‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬‮«‬كورونا‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬تتوقع‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تأثرت‭ ‬بالجائحة‭ ‬حساباتها‭ ‬مجدداً،‭ ‬لتضع‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬أجندة‭ ‬أولوياتها،‭ ‬وبدرجة‭ ‬الاهتمام‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بها‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والأمن‭ ‬الدفاعي،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أثبتت‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغنية‭ ‬عدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬الفوري‭ ‬والاحتوائي‭ ‬لجوائح‭ ‬مماثلة‭ ‬لكورونا‭.‬

وبالفعل‭ ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تولي‭ ‬اهتماماً‭ ‬استثنائياً‭ ‬بتطوير‭ ‬سياساتها‭ ‬الصحية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستثمار‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬الأبحاث‭ ‬العلمية‭ ‬لابتكار‭ ‬الأمصال‭ ‬واللقاحات‭ ‬للأمراض‭ ‬المختلفة،‭ ‬أو‭ ‬من‭  ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬نسبة‭ ‬الموازنات‭ ‬المخصصة‭ ‬لقطاع‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬الموازنات‭ ‬العامة؛‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬وتوفير‭ ‬المستشفيات‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالقطاع‭ ‬الطبى،‭ ‬باعتبارها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬الشامل‭ ‬للدول‭ ‬والمجتمعات‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬بات‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الأوبئة‭ ‬والفيروسات‭ ‬المتفشية‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬للدول‭. ‬وفي‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬الفيروسات‭ ‬والأوبئة‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬المجتمعات‭ ‬والدول،‭ ‬نشرت‭ ‬دورية‭ ‬‮«‬الشؤون‭ ‬الخارجية‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬مقالاً‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2020،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الأمراض‭ ‬الوبائية‭ ‬تهديد‭ ‬للأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وعلى‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬معها‭ ‬هكذا‮»‬‭.‬

2‭ ‬ – مهام‭ ‬جديدة‭ ‬لـ»الاستخبارات‭ ‬الصحية‮»‬‭:‬‭ ‬دفعت‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مهام‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬والاستخباراتية،‭ ‬لتأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬خلفته‭ ‬الجائحة،‭ ‬وبات‭ ‬الحديث‭ ‬يتصاعد‭ ‬بصورة‭ ‬لافتة‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬تأسيس‭ ‬‮«‬استخبارات‭ ‬صحية‮»‬‭ ‬متخصصة‭ ‬تكرس‭ ‬اهتمامها‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي‭ ‬للدول‭ ‬ولمواطنيها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحري‭ ‬الأوضاع‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬التهديدات‭ ‬البيولوجية،‭ ‬وتحليل‭ ‬كل‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬مصدرها‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬أو‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كلمات‭ ‬البحث‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الإنترنت‭ ‬وغيرها،‭ ‬وتحليل‭ ‬مضمونها‭ ‬باعتبارها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬وباء‭ ‬أو‭ ‬ظهور‭ ‬أزمة‭ ‬صحية‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تنبيه‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬والسلطات‭ ‬المسؤولة‭ ‬بها،‭ ‬لاتخاذ‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬استباقية‭ ‬للتعامل‭ ‬معها‭. 

الحديث‭ ‬المتصاعد‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬استخبارات‭ ‬صحية‮»‬‭ ‬متخصصة‭ ‬يرجع‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬نجاح‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الألمانية‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬مسبقة‭ ‬عن‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬انتشاره‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬ووهان‭ ‬الصينية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬لديها‭ ‬تقارير‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬انتشار‭ ‬الوباء‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الصينية،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬الفيروس‭ ‬وأعراضه‭ ‬وقامت‭ ‬بإبلاغ‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬قبل‭ ‬أسبوعين‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬انتشار‭ ‬الفيروس،‭ ‬لذلك‭ ‬سارعت‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬الاحترازية‭ ‬والوقائية‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬أعظم‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬مقارنة‭ ‬بدول‭ ‬أوروبية‭ ‬عديدة،‭ ‬تأثرت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭.‬

3‭ ‬ – إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬الأبيض‮»‬‭:‬‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬التسمية‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬على‭ ‬الفرق‭ ‬الطبية‭ ‬من‭ ‬أطباء‭ ‬وممرضين‭ ‬الذين‭ ‬تصدوا‭ ‬لجائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬باعتبارهم‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬الأبيض‮»‬،‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬وإنما‭ ‬نتيجة‭ ‬للجهود‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬التي‭ ‬بذلوها‭ -‬وما‭ ‬يزالون‭- ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬للعالم‭ ‬أجمع،‭ ‬فهم‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬يقودون‭ ‬معركة‭ ‬حقيقية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬في‭ ‬شراستها‭ ‬عن‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬يخوضوها‭ ‬الجنود‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬القتال،‭ ‬خاصة‭ ‬أنهم‭ ‬يواجهون‭ ‬فيروساً‭ ‬غير‭ ‬مرأي‭ ‬يتحور‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لآخر‭ ‬ويسبب‭ ‬إرباكاً‭ ‬متزايداً‭ ‬للعالم‭.‬

لقد‭ ‬أعادت‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬الأبيض‮»‬،‭ ‬وصارت‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الأطباء‭ ‬والممرضين،‭ ‬باعتبارهم‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬صحية‭ ‬متطورة‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأوبئة‭ ‬والفيروسات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬2020‭ ‬عن‭ ‬‮«‬تقديم‭ ‬تسهيلات‭ ‬بشأن‭ ‬تأشيرات‭ ‬العمل‭ ‬والزيارة‭ ‬لأراضيها،‭ ‬للأجانب‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي،‭ ‬وذلك‭ ‬ضمن‭ ‬جهودها‭ ‬لمواجهة‭ ‬تفشي‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد،‭ ‬وخصت‭ ‬السلطات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالذكر‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مكافحة‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭. ‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬الولايات‭ ‬الألمانية‭ ‬ناشدت‭ ‬الأطباء‭ ‬المهاجرين‭ ‬بسرعة‭ ‬‮«‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬إتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتسجيلهم‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الجائحة‮»‬‭.‬

4‭ ‬ – تزايد‭ ‬المطالب‭ ‬بالإنفاق‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭:‬‭ ‬أدت‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬المطالب‭ ‬بأهمية‭ ‬زيادة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬فقد‭ ‬دعا‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬تيدروس‭ ‬أدهانوم‮»‬‭ ‬بمناسبة‭ ‬يوم‭ ‬الصحة‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬2021‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬كمحرك‭ ‬للتنمية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية،‭ ‬وإزالة‭ ‬الحواجز‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬الوصول‭ ‬لتلك‭ ‬الخدمات،‭ ‬ليحظى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬بفرصة‭ ‬عيش‭ ‬حياة‭ ‬صحية‮»‬،‭ ‬وشدد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬‮«‬زيادة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬الأولية،‭ ‬حيث‭ ‬لازال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬الأساسية‮»‬‭.‬

وطالب‭ ‬‮«‬أدهانوم‮»‬،‭ ‬‮«‬بسد‭ ‬العجز‭ ‬العالمي‭ ‬البالغ‭ ‬18‭ ‬مليون‭ ‬عامل‭ ‬صحي‭ ‬مطلوب‭ ‬لتحقيق‭ ‬التغطية‭ ‬الصحية‭ ‬الشاملة‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2030،‭ ‬وخلق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬وظيفة‭ ‬إضافية‭ ‬بدوام‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬مستوي‭ ‬العالم،‭ ‬وبناء‭ ‬أحياء‭ ‬ومدن‭ ‬آمنة‭ ‬وصحية،‭ ‬عبر‭ ‬تحسين‭ ‬أنظمة‭ ‬النقل‭ ‬ومرافق‭ ‬المياه‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي‮»‬،‭ ‬وحث‭ ‬على‭ ‬‮«‬تعزيز‭ ‬نظم‭ ‬البيانات‭ ‬الصحية‭ ‬لتكون‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬عال‭ ‬من‭ ‬الجودة‭ ‬والمصنفة‭ ‬حسب‭ ‬معدلات‭ ‬التعليم‭ ‬والثروة‭ ‬والجنس‭ ‬والعرق‭ ‬ومكان‭ ‬الإقامة‭ ‬لمعرفة‭ ‬أماكن‭ ‬عدم‭ ‬المساواة‭ ‬ومعالجتها‮»‬‭. ‬إن‭ ‬تزايد‭ ‬المطالب‭ ‬بالإنفاق‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬أوجه‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬الشاملة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يمثل‭ ‬ضرورة‭ ‬فقط‭ ‬لمواجهة‭ ‬الفيروسات‭ ‬والأوبئة‭ ‬المتفشية،‭ ‬وإنما‭ ‬بات‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مردود‭ ‬تنموي‭ ‬واجتماعي‭ ‬كبير‭ ‬أيضاً،‭ ‬كونه‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬ويساعدها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬الصحية‭ ‬الطارئة‭ ‬بكل‭ ‬كفاءة‭ ‬وفاعلية‭.‬

5‭ ‬ – تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬الأزمات‭ ‬والإنذار‭ ‬الصحي‭ ‬المبكر‭:‬‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬تزايد‭ ‬المطالبات‭ ‬الخاصة‭ ‬بضرورة‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬الأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬لتكون‭ ‬قادرة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬والجوائح‭ ‬الصحية‭ ‬العالمية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها‭ ‬مسبقاً،‭ ‬والاستعداد‭ ‬الاستباقي‭ ‬في‭ ‬مواجهتها‭. ‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬تأسيس‭ ‬أنظمة‭ ‬الإنذار‭ ‬الصحي‭ ‬المبكر‭ ‬باتت‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحذيرات‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأن‭ ‬العالم‭ ‬ربما‭ ‬يشهد‭ ‬أزمات‭ ‬أو‭ ‬أمراض‭ ‬متفشية‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يقتضي‭ ‬الاستعداد‭ ‬الاستباقي‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الآن،‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬بتجميع‭ ‬المعلومات‭ ‬حول‭ ‬الأمراض‭ ‬والفيروسات‭ ‬المحتمل‭ ‬تطورها،‭ ‬وعرضها‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬المناسب‭ ‬على‭ ‬الأجهزة‭ ‬المعنية‭ ‬والسلطات‭ ‬الصحية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اتخاذ‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬لمواجهتها‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬آثارها‭. ‬إن‭ ‬أهمية‭ ‬وجود‭ ‬إنظمة‭ ‬إنذار‭ ‬صحي‭ ‬مبكر‭ ‬تكمن‭ ‬بالأساس‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬تقوم‭ ‬بدور‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬السريع‭ ‬لحالات‭ ‬انتشار‭ ‬الأوبئة،‭ ‬وتقديم‭ ‬الاستجابة‭ ‬المثلى‭ ‬للمسائل‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬تهديدًا‭ ‬للصحة‭ ‬العامة،‭ ‬وتنبيه‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬بضرورة‭ ‬اتخاذ‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬لمنع‭ ‬التفشي‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬الوباء،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬تقليل‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬لهذه‭ ‬الأوبئة‭.‬

أهم‭ ‬معايير‭ ‬تقييم‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة

‭ ‬كان‭ ‬الاتجاه‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬هو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمعادلة‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول‭ ‬وتراجع‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬أظهرت‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬فيها‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬تحقيق‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬للدول‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬وزنها‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬وتحولت‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬معيار‭ ‬رئيسي‭ ‬لحساب‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬دولاً‭ ‬عديدة‭ ‬أصبحت‭ ‬توظف‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ«الدبلوماسية‭ ‬الصحية‮»‬‭ ‬لتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬السياسي‭ ‬ومكانتها‭ ‬الدولية،‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬من‭ ‬نجاحات‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬طرحت‭ ‬نفسها‭ ‬باعتبارها‭ ‬نموذج‭ ‬يحتذى‭ ‬به‭ ‬سياسياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬واجتماعياً‭.  ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬دفعت‭ ‬الجائحة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬سياساتها‭ ‬الصحية‭ ‬لتواكب‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬كوفيد‭ ‬19،‭ ‬وباتت‭ ‬تدرج‭ ‬الجوانب‭ ‬الصحية‭ ‬ضمن‭ ‬سياساتها‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬إدراكها‭ ‬بأن‭ ‬تعزيز‭ ‬قوتها‭ ‬الشاملة،‭ ‬يتطلب‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬متوازية،‭ ‬عسكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وثقافية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وبيئية‭ ‬وصحية‭. ‬وأصبح‭ ‬هناك‭ ‬توجهاً‭ ‬دولياً‭ ‬متنامياً‭ ‬يدرك‭ ‬أهمية‭ ‬تطوير‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬للشعوب،‭ ‬باعتبارها‭ ‬تمثل‭ ‬استثماراً‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول‭ ‬وتحقيق‭ ‬أمنها‭ ‬القومي،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭ ‬فإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬‮«‬جو‭ ‬بايدن‮»‬‭ ‬وضعت‭ ‬تطوير‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬والتصدي‭ ‬لجائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬أولوياتها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أظهره‭ ‬الدليل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المؤقت‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2021‭ ‬وأكد‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬أن‭ ‬الجوائح‭ ‬الصحية‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬التهديدات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والعالم‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭. ‬وبالفعل‭ ‬أعلنت‭ ‬إدارة‭ ‬‮«‬بايدن‮»‬‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2021‭ ‬عن‭ ‬استثمار‭ ‬7‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتوظيف‭ ‬عاملين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬لمكافحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬والاستعداد‭ ‬لتحديات‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬المستقبلية‭. ‬

في‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬قامت‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بإلغاء‭ ‬هيئة‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬البريطانية،‭ ‬وهي‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬البريطانيون‭ ‬يتفاخرون‭ ‬بها‭ ‬باعتبارها‭ ‬المنظم‭ ‬الرئيسي‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الجوانب‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وتأسيس‭ ‬هيئة‭ ‬جديدة،‭ ‬يتركز‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬الوقائية‭ ‬الصحية،‭ ‬ومنع‭ ‬أي‭ ‬تهديدات‭ ‬صحية‭ ‬خارجية‭ ‬تستهدف‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭.‬

لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬أهمية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬للدول،‭ ‬وأن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬وتحسينها‭ ‬قد‭ ‬يفوق‭ ‬في‭ ‬مردوده‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬الجوانب‭ ‬الأخرى‭ ‬للقوة،‭ ‬لأن‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬بمؤشراتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬تمثل‭ ‬معياراً‭ ‬لقوة‭ ‬الدول،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تعظيم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬مواردها‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬الدولية،‭ ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التنافس‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬لقاحات‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭ ‬بات‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منه‭ ‬عن‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬والمكانة‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬‮«‬فلاديمير‭ ‬بوتين‮»‬،‭ ‬وصف‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ‬2021‭ ‬لقاح‭ ‬‮«‬سبوتنيك‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬مثل‭ ‬بنادق‭ ‬كلاشينكوف‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬حقبة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬‮«‬السابق‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مستخدمة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض