خالد الزعتر
كاتب ومحلل سياسي

الصين.. وصعوبة البيئة الأمنية الدولية

كانت العقلية الصينية تحصر طريقة تفكيرها في عملية النهوض الاقتصادي، ما جعلها تكون بعيدة لعقود طويلة عن الخوض في التنافسات السياسية الدولية والتوترات على المستوى الإقليمي والدولي، ولكن النهوض الاقتصادي الصيني الذي ظل لفترة طويلة يتم العمل على بنائه على أدوات سلمية، فرض على الصين اليوم أن تعمل على تغيير طريقة تفكيرها، خاصة بعد أن خرجت من دائرتها الإقليمية، وأصبحت تبحث عن التنافس على مكانة صاعدة في النظام الدولي الجديد القائم على التعددية القطبية.

ولذلك كان على الصين أن تخرج من دائرة الانحصار في الفكر الاقتصادي إلى التوسع في السياسة الدولية، وأن تعيد بناء سياسة خارجية تتماشى مع توسعها الاقتصادي، ولذلك فإن الصين التي كانت غائبة لسنوات عن القضايا السياسية الدولية، وجدت نفسها مجبرة على إعادة صياغة سياسة خارجية تتماشى مع متطلبات المرحلة الصاعدة التي تعيشها، وهو ما يفسر حضور الصين المندفع في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية.

 ومثلما أن الصعود الاقتصادي للصين فرض عليها إعادة صياغة حضورها السياسي الدولي، كان له أيضاً تأثير على اتساع رقعة التهديدات والتحديات التي تواجهها من النزاعات الإقليمية المستمرة مع عدد من جيرانها، بما في ذلك اليابان، ونزاع بحر الصين الجنوبي الذي يعد ذات أولوية وأهم البؤر الساخنة في إقليم جنوب شرقي آسيا لکونها منطقة صراع حول بسط النفوذ على هذا الإقليم بين القوتين الصينية الأمريكية.

 هذه التهديدات، وهذه التحديات، جعلت الصين تنظر للقدرة العسكرية ذات أولوية، يمكن أن تساهم في تحصين صعودها الدولي، ولذلك فقد بدا واضحاً أن إدارة الرئيس شي جي بينغ أصبحت تنظر للقدرة النووية كإحدى أهم الأدوات لحماية صعودها الاقتصادي، بخاصة وأن ما يحدث بين روسيا وأوكرانيا أثار الكثير من المخاوف لدى الصينيين من انحراف الصراعات بحيث تقضي على النهوض الصيني. 

ولذلك، ففي فترة العام 2012، وهي التي تعد أوج مرحلة التشكيل في النظام الدولي الجديد الذي تراجعت فيه القوى الغربية مقابل الصعود الروسي والصيني، كان لدى الصين قناعة بأن السلاح النووي حاجة ملحَّة يجب العمل على إعطائها أولوية في ظل المتغيرات الدولية، حيث أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ، منذ توليه السلطة، الحاجة إلى قدرة نووية ضخمة لمواجهة الخصوم المحتملين، وهو ما يعني أن القدرة النووية كانت تنظر لها الإدارة الصينية الجديدة بأنها ذات أولوية. 

تعيش الصين في بيئة أمنية دولية صعبة، وهو ما يفسر إصرارها على تسريع وتيرة تعزيز قدراتها العسكرية بخاصة النووية، وهو ما يؤكد تضاعف حجم قدرتها النووية إلى نحو 500 رأس حربي، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 1500 رأس حربي بحلول 2035، وهذا التضاعف في حجم القدرة النووية لاشك سيؤدي إلى تعقيد أكثر للبيئة الأمنية الدولية التي تعيشها الصين، إذ سيكون له الكثير من التبعات على ازدياد الضغط الدولي على الصين، وهو ما يجعل الصين في مواجهة الكثير من التحديات والتهديدات التي تواجهها حالياً، لأن ذلك سيعطي للولايات المتحدة فرصة للعب بورقة الحد من الأسلحة النووية كجزء من تشديد الضغط على الصين. 

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض