خالد الزعتر
كاتب ومحلل سياسي

الأزمة الأوكرانية والحساسية الأوروبية

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

في ظل حالة المتغيرات التي تشهدها بنية النظام الدولي، وحالة التلاشي لمرحلة التسعينات التي كانت فيها الولايات المتحدة هي القطب الأوحد المهيمن سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، قبل أن تبرز دول المعسكر الشرقي (الصين وروسيا) في الصعود لهرم النظام الدولي، فهذا الصعود يهدد مكانة الولايات المتحدة في القيادة العالمية، مع كل هذا تبرز نقطة في غاية الأهمية وهي أن التنافس ليس بين الكتلة الشرقية والغربية، بل هو أيضاً داخل الكتلة الغربية، مع بروز القطب المحتمل الثاني وهو دول الوحدة الأوروبية ككتلة سياسية واقتصادية واحدة، وهي التي تزايد تجاهها نظر المحللين الأكثر تفاؤلاً كقطب مواز وموازن لدور الولايات المتحدة في العالم.

صحيح أن العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية هي علاقات تاريخية واتفاقيات اقتصادية وسياسية وعسكرية، لكنها ترافقت على الدوام مع حساسيات أوروبية من الهيمنة الأمريكية الكاملة على شؤون القارة الأوروبية، علاقات يحكمها التجاذب والتنافر، صحيح أن المتابع يجد أنه كلما سعت الدول الأوروبية للفرار من الظل الأمريكي المهيمن على حلف “الناتو”، ترجع من جديد تحت ظل العباءة الأمريكية، والدرع الصاروخي الأمريكي الجديد، مثال صارخ على الهيمنة العسكرية الأمريكية على القارة الأوروبية في ظل حقائق أمنية لا تقبل النقاش بأن الأهداف المعلنة للدرع الصاروخي المزمع إنشاؤه لا تمت بصلة للأمن الأوروبي، ومع مخاطر إحياء نزعات الحرب الباردة، وإحياء خطوط التماس مع روسيا، إلا أن أوروبا عادت ورضخت لشروط الولايات المتحدة.

لكن جاءت الأزمة الروسية – الأوكرانية، ومع تصاعد أزمة الطاقة في الدول الأوروبية، لتضع يدها على مواقع الحساسية الأوروبية، حيث أظهرت الدول الأوروبية قراءة وتقييماً للأزمة الأوكرانية، حيث تخلت عن لغة التصعيد، وهو السائد في الخطاب الأمريكي، وترجمة الدول الأوروبية استراتيجيتها الجديدة عبر محاولة لعب دور الوساطة، من فرنسا إلى ألمانيا التي كانت لغة الحوار تتصدر خطابها السياسي وتوجهاتها تجاه الأزمة الروسية – الأوكرانية، وهو ما يعد نوعاً من التحدي للاستراتيجية الأمريكية التصعيدية، ولعل المتابع لأولويات واشنطن في التعامل مع تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية، يجدها مغايرة لأولويات الدول الأوروبية التي تهتم بمسألة أمن الطاقة، وهو ما ترى فيه أن الولايات المتحدة لا تشاركها هذه الأولويات، مما صعد من الحساسية الأوروبية تجاه واشنطن.

زيارة المستشار الألماني أولاف شولتز إلى الصين، وإعلانه عن استراتيجية جديدة للتعامل مع الصين في هذا التوقيت، لا شك أنها تحمل معها بوادر تغييرات جذرية في العلاقات داخل الكتلة الغربية بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ما يعني أن الحرب الروسية الأوكرانية وطريقة الأداء الأمريكي الذي لا يعطي أهمية للأولويات الأوروبية شكل خرقاً في الكتلة الغربية، حيث طفحت الحساسية الأوروبية على السطح بعد أن كان لسنوات طويلة تحت الرماد.

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض