كتاب الجندي العدد 577

المثلث الدامي: أفغانستان وباكستان والهند

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

تتناول الدراسة العِداء بين الهند وباكستان، وتفاعلاته ضمن حرب أفغانستان، ويقول المؤلف إن معظم المراقبين الغربيين يرون النزاع الأفغاني معركةً بين الولايات المتحدة الأمريكية وقوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان (إيساف) بقيادة حلف الناتو من جهة، وتنظيم القاعدة وطالبان من جهة أخرى، ولكنَّ الحقيقة هي أنه منذ زمن طويل باتت القوات الغربية عالقةً في حرب معقَّدة شكَّلها نزاعان متداخلان وقديمان: الأول محلي داخلي، والثاني إقليمي.

وفي داخل أفغانستان يُنظر إلى الحرب بصفتها تمرّدَ البشتون على نظام حامد كرزاي، الرئيس الأفغاني، الذي مكَّن ثلاث مجموعات عِرقية أخرى هي: الطاجيك، والأوزبك، والهزارة التي تنتشر في شمال البلاد، إلى حد أنه أثار استياء البشتون، الذين أمسكوا بزمام الحكم في السياسة الأفغانية منذ أن وُضِعت حدود الدولة الحالية في ستينات القرن التاسع عشر. وبانحياز الولايات المتحدة إلى جانب الطاجيك في الأقاليم الشمالية ضد البشتون في الجنوب، فإنها وجدت نفسها تتعاون مع قوى العلمانية ضد حركات الإسلام المسلَّحة، ولكنها انحازت بغير قصد إلى أحد أطراف حرب أهلية معقَّدة دامت منذ سبعينات القرن العشرين حتى اليوم. ولأن البشتون يشعرون بأنهم خاضعون لحكم أعدائهم السابقين، فإن كثيراً منهم يدعمون حركة طالبان، أو يتعاطفون معها ولو قليلاً.

الصراع بين الهند وباكستان

وخلف هذا النزاع المتأصّل، يَلوح العداء الأخطر بين قوتين إقليميتَين نوويتَين هما الهند وباكستان، وقد يستعِر التنافس بينهما للاستحواذ على النفوذ في أفغانستان. ومقارنةً بذلك التنافس الطويل والدامي، فإن الولايات المتحدة وقوة “إيساف” لهما دور صغير نسبيّاً، ولكنهما، بعكس الهنود والباكستانيين، تتجهان نحو ترك النزاع.

ومنذ تقسيم شبه القارة الهندية في عام 1947 خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب آخرها في عام 1971، غير أنهما بَدَتا في أزمة عام 1999 على حافَة تصعيد نووي، عندما اجتازت قوات باكستانية خط الهدنة، واحتلَّت منطقة كبيرة من الشطر الهندي من كشمير حتى حدود الهيمالايا. وبتزايد التوتر اتخذت باكستان خطوات تتعلق بترسانتها النووية، وتوسَّط بيل كلينتون، الرئيس الأمريكي، للحل. وعقب مفاوضات مكثفة في واشنطن أقنع كلينتون نواز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، بأن يأمر قوات بلاده بالتراجع إلى الجانب الباكستاني من خط الهدنة، وكـلّـف ذلك التنازل نواز شريف منصبه، وكاد يُكلفه حياته.

مخططات باكستان الاستراتيجية

وطوّر المخططون الباكستانيون منذ زمنٍ مذهب “العمق الاستراتيجي” للدفاع عن أنفسهم، ويرجع ذلك، إلى حد كبير، إلى ضمان ملجأ آمن إذا نشبت حرب مستقبلية جديدة مع الهند. وتوفر الحدود الهشّة طريقاً يمكن للزعماء الباكستانيين والقوات الباكستانية والمنشآت القيّمة الأخرى، ومن ضمنها السلاح النووي، الانسحاب من خلاله إلى الشمال الغربي عند حدوث اجتياح هندي.

ولكي تنجح الفكرة يجب أن تكون الحكومة الأفغانية حليفاً مقرّباً من باكستان، ومستعدة للمساعدة على محاربة الهند. وعندما كانت حركة طالبان في الحكم، كانت تُعَدُّ الشريك المثالي للجيش الباكستاني، ومع أن الغرب كان يرى طالبان حركة من القرون الوسطى، إن لم تكن همجيَّة، فإن نظامها كان يحظى بأهمية في باكستان، نظراً إلى عدائه الشديد للهند، ومن ثَمّ استحق مساعدة باكستان وأسلحتها.

التحالف الأفغاني-الهندي

وبعد أن أطاحت الولايات المتحدة نظام طالبان عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 طرأ تحوّل استراتيجي، إذ تحالفت الحكومة الأفغانية مع الهند، محققة بذلك أسوأ مخاوف الباكستانيين، فرئيس أفغانستان بعد نهاية نظام طالبان، أي حامد كرزاي، كان يكره باكستان، لاعتقاده بدَوْر وكالة الاستخبارات الباكستانية في اغتيال والده عام 1999. وفي الوقت نفسه شعر برابط قوي مع الهند التي ارتاد إحدى جامعاتها بمدينة سيملا في الهيمالايا. وبوجود كرزاي في السلطة انتهزت الهند الفرصة لزيادة تأثيرها السياسي والاقتصادي في أفغانستان، وأعادت فتح سفارتها في كابول، وافتتحت أربع قنصليات إقليمية، ووفرت مساعدات أساسية لإعادة الإعمار تبلغ نحو 1.5 مليار دولار، إضافة إلى 500 مليون دولار وعدت بتقديمها خلال سنوات.

وتُعَدُّ الهند التهديد الأساسي من وجهة نظر الجيش الباكستاني الذي اعتمد على الحرب غير المتماثلة أو غير النظامية باستخدام جهاديين لمصالحه الخاصة. ومع أن الضغط الأمريكي أقنع الهند بعدم إرسال قوات إلى أفغانستان أو توفير الإمدادات العسكرية، فما زال الباكستانيون قلِقين من تزايد النفوذ الهندي في المنطقة، خاصة باقتناع كثيرين بأن الهند تستغل قنصلياتها في أفغانستان لتُحرّض على التمرد في بلوشستان الباكستانية.

إن استمرار الاشتباكات بين الهند وباكستان في أفغانستان وبشأنها، بعد انسحاب الولايات المتحدة، أمر خطِر على كل الدول الأخرى في المنطقة والعالم، ولا سيَّما بعد تقرير يتناول ولَع باكستان بتطوير أسلحة نووية تكتيكية لاستخدامها ميدانيّاً في نطاق أدنى من 40 ميلاً، مثل الصاروخ “حتف 9” الذي اختُبر حديثاً، ويبدو أن باكستان تختبر كذلك أجهزة نووية صغيرة محدودة الفوائد، مثل الألغام الأرضية المُصمّمة افتراضاً لتدمير تشكيلات الدبابات الهندية الكبيرة التي قد تتوغَّل في داخل الأراضي الباكستانية.

ويعتمد الكثير على قرار الهند، فليس واضحاً الآن هل كانت حكومتها ستختار توسعة دورها في أفغانستان بعد رحيل القوات الأمريكية، أما بعض صقور الجيش الهندي ووزارة الخارجية الهندية، فينصحون بذلك لكي تملأ الهند الفراغ الأمني الناجم عن الانسحاب الأمريكي، وتدعم مصالحها الإقليمية، وتُنافس الصينيين على النفوذ في أفغانستان، مع صدّ أعدائهم الباكستانيين في الوقت نفسه.

ويُجادل آخرون في نيودلهي بأن تأجيج ارتياب إسلام أباد سيدفعها إلى مواصلة الهجوم، وتقديم دعم غير مسبوق إلى حركة طالبان، ما يمثل خطراً على الهند وباكستان.

معلومات المؤلف:
وليام داريمبل: مؤرخ وكاتب بريطاني، متخصص بشؤون: الهند والشرق الأوسط والإسلام والمسيحية الشرقية

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية – سنة النشر: 2014

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض