ح

هل ينجح حزب الله في إعادة إنتاج حكومة دياب جديدة؟

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

تجرى حالياً مشاورات لتشكيل حكومة لبنانية جديدة. وعلى الرغم من أن استقالة حكومة رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب جاء تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية، بسبب تحميل الحكومة مسؤولية تفجير مرفأ بيروت، وتردي الأوضاع الاقتصادية، فإن مشاورات الحكومة الجديدة تكشف عن سعى حزب الله للهيمنة عليها من جديد.
ويقترن ذلك بوجود قلق إيراني من تراجع قبضة حزب الله على أي حكومة مستقبلية، كما وضح في زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى لبنان في 14 أغسطس 2020، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لتصعيد مستوى عقوباتها ضد الحزب وحلفائه في الداخل اللبناني من أجل إضعاف قبضة حزب الله على الحكومة اللبنانية، بينما تتبنى فرنسا موقفاً وسطاً يدعو لإشراك كافة الأحزاب السياسية في الحكومة الجديدة مع الاحتفاظ بدور لحزب الله.
وتجيء هذه التطورات في وقت يتدهور فيه الاقتصاد اللبناني جراء الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها في السنوات الأخيرة، فضلاً عن تداعيات أزمة كورونا، والعقوبات الأمريكية، وأخيراً تفجيرات ميناء بيروت، وهي الأزمات التي تنذر بانهيار الاقتصاد اللبناني، ما لم يحصل الأخير على دعم من صندوق النقد الدولي.
وسوف يرصد هذا التحليل مؤشرات على تداعي حكومة حزب الله اللبناني، قبل انفجار مرفأ بيروت، ثم بيان أبعاد السياسة الأمريكية ضد الحزب، والتي تسعى إلى تجفيف مصادره المالية، وأخيراً، سيتم تناول عدد من السيناريوهات المتعلقة بمستقبل الحكومة اللبنانية الجديدة.
تداعي حكومة حزب الله:
أجبر انفجار مرفأ بيروت حكومة حسن دياب، الموالية لحزب الله اللبناني، على الاستقالة، تحت ضغط احتجاجات الشارع اللبناني، إلا أن المتابع للمشهد السياسي اللبناني يجد أن هذه الحكومة كانت تواجه أزمات داخلية تنذر بانهيارها، حتى قبل انفجار مرفأ بيروت، ولعل من المؤشرات على ذلك:

1-تفكك الحكومة اللبنانية: استقال وزير الخارجية اللبناني، ناصيف حتي، في 3 أغسطس، والذي أكد في بيان استقالته أن “لبنان اليوم ينزلق للتحول إلى دولة فاشلة”، مبرراً استقالته بتعذر “أداء مهامه في هذه الظروف التاريخية المصيرية، ونظراً لغياب رؤية للبنان الذي يؤمن به، وفي غياب إرادة فاعلة في تحقيق الإصلاح الهيكلي الشامل المطلوب الذي يطالب به مجتمعنا الوطني ويدعونا المجتمع الدولي للقيام به”.
2-تدهور الوضع الاقتصادي: كانت الدولة اللبنانية تعاني بشدة جراء تدهور الوضع الاقتصادي، وأخفقت حكومة حسان دياب في تدارك الوضع، فقد أصبح أكثر من نصف الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وفقاً لتصريحات صادرة عن راوول نعمة، وزيرة الاقتصاد والتجارة في حكومة دياب، في يوليو 2020.وبلغت نسبة ديون البلاد إلى الناتج المحلي الإجمالي 152 % في أواخر 2019، وهو ما يجعلها في المركز الثالث بين الدول الأكثر مديونية في العالم، وتلتهم الفوائد على الديون نصف إيرادات الدولة تقريباً. وبلغ التضخم في البلاد في يونيو 90 %، بينما فقدت العملة المحلية أكثر من 80 % من قيمتها منذ شهر سبتمبر بسبب نقص الدولار، مما تسبب في اختفاء العديد من الأدوية في الصيدليات والمنتجات الاستهلاكية اليومية، بينما ترتفع أسعار المنتجات الأخرى، مثل اللحوم أو الحبوب، وارتفعت معدلات البطالة من حوالي 25 % في أكتوبر 2019 إلى حوالي 32 % بحلول أواخر مايو 2020. وفي ظل عجز كامل من جانب الحكومة في إدارة الملف الاقتصادي، انهارت شعبيتها، وتراجعت الآمال في قدرتها على إصلاح الوضع.
3-التردد في إصلاح الاقتصاد: سعت الحكومة اللبنانية للتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض يصل إلى 10 مليارات دولار، غير أن حزب الله رفض ذلك، مدعياً الحفاظ على السيادة، وذلك على الرغم من حضور ممثلين عن الحزب لاجتماع حكومته مع ممثلين من صندوق النقد الدولي، إذ أنه نظراً لتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتصاعد الاستياء الشعبي، لم يجد حزب الله من مفر، سوى القبول بالمفاوضات مع صندوق النقد، وواجهت الحكومة اللبنانية عقبة أساسية وهي اشتراط الصندوق قيام الحكومة اللبنانية بإجراء إصلاحات مالية وسياسية، وهو ما يخشاه حزب الله، نظراً لتورطه في أعمال فساد وغسيل أموال. ولاتزال حكومة دياب تماطل في تطبيق اشتراطات صندوق النقد، بسبب تردد حزب الله.
4-تداعيات العقوبات الأمريكية: عانى حزب الله بشدة مادياً نتيجة عدة عوامل، أبرزها تراجع الدعم الإيراني له، بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على طهران، والتي انعكست سلباً على أحوال الحزب، حيث كان الحرس الثوري الإيراني يمنحه حوالي 700 مليون دولار من عائدات النفط الإيراني. ولذلك لم يجد حزب الله أمام من خيار أمامه سوى تقليص ميزانيته، حيث خفض رواتب المقاتلين الاحتياطيين بحوالي 50 %، بل ورواتب المقاتلين الأساسيين، بما في ذلك الموجودون على جبهات القتال في سوريا في مؤشر على مدى تدهور أوضاعه المادية، كما أغلقت بعض المؤسسات الاجتماعية التابعة للحزب، والتي كانت تُقدّم خدمات للمقاتلين وعائلاتهم، كما أُلغي نظام التقاعد لقدامى مقاتلي الحزب.
استهداف واشنطن لحزب الله:
في إطار المساعي الأمريكية لتحجيم النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، ركزت واشنطن جهودها على إضعاف حزب الله اللبناني، باعتباره أحد أبرز وكلاء إيران الإقليميين، وعمدت طهران إلى تبني التدابير التالية:

1-فرض عقوبات ضد حزب الله: فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على 3 مسؤولين في حزب الله، ووصفتهم بـ”الإرهابيين العالميين”، فضلاً عن 12 هيئة مقرها لبنان مرتبطة بـ”مؤسسة الشهيد”، كجزء من شبكة تدعم الحزب. وتستهدف مثل هذه الإجراءات تجفيف مصادر التمويل المالي للحزب، بما يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها نتيجة لتراجع تمويله من إيران. كما قامت واشنطن بحملة دبلوماسية في أوروبا وعدة دول بأمريكا اللاتينية، تهدف إلى تصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً، وذلك لإعاقة حصوله على تمويل من خلال الجمعيات الخيرية التابعة له في الدول الأوروبية، أو لتحجيم قدرته على استغلال شبكاته الإجرامية في دول أمريكا اللاتينية، خاصة فنزويلا، بهدف الاتجار في المخدرات، خاصة الكوكايين، والتي تعد أحد مصادر الدخل الأساسية للحزب.
2-التفكير في معاقبة حلفاء حزب الله المسيحيين: تدرس إدارة الرئيس دونالد ترامب، في أعقاب استقالة حكومة حسان دياب، فرض عقوبات اقتصادية ضد سياسيين ورجال أعمال لبنانيين بارزين مرتبطين بحزب الله، بسبب دورهم في تمكين حزب الله اللبناني، وذلك لتحقيق هدفين. أولهما، التأثير على مسار تشكيل الحكومة اللبنانية. وإذا كان من المسلم به أن النظام السياسي اللبناني لا يدار إلا بالتوافق بين قادة الطوائف، فإنه من المسلم به كذلك أن أي حكومة لبنانية تستند إلى توافق إقليمي ودولي كذلك. ولعل حكومة حزب الله الأخيرة قد خالفت ذلك، إذ أنها جاءت مرتهنة بصورة أساسية بنفوذ حزب الله، ومنحازة لمحور طهران الإقليمي، بل وتسعى لفرض الوصاية الإيرانية عليه، وذلك على الرغم من معارضة العديد من القوى السياسية لذلك.
وتهدف الحكومة الأمريكية من هذه العقوبات التأثير على مسار تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، بعد استقالة حسان دياب، والتأكد من عدم سيطرة حزب الله عليها، وتتهم واشنطن مسؤولين في التيار الوطني الحر، خاصة الرئيس ميشال عون وصهره وزير الخارجية الأسبق جبران باسيل، بتمكين “حزب الله” من السيطرة السياسية المفرطة على لبنان، من خلال توفير غطاء مسيحي للميليشيا الشيعية الممولة من إيران.
وتسعى إدارة ترامب لتوظيف العقوبات كأداة مركزية، ليس فقط في حملة “الضغط الأقصى” ضد إيران، ولكن كذلك ضد أحد أبرز وكلائها المسلحين، ممثلاً في حزب الله اللبناني. ومن المتوقع أن تقترن تلك العقوبات بتجميد واشنطن حصول لبنان على أي دعم من صندوق النقد الدولي، حتى تتأكد من تراجع سيطرة حزب الله على الحكومة الجديدة. أما ثاني أهداف واشنطن من العقوبات، فتتمثل في الضغط على الحكومة اللبنانية لمكافحة الفساد، في محاولة لإضعاف نفوذ حزب الله، والذي يعتمد على الفساد لتبييض مصادر تمويله غير المشروعة من الخارج.
3-توظيف تورط حزب الله في تصفية رفيق الحريري: دانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، في 18 أغسطس، القيادي العسكري والسياسي في ميليشيا حزب الله سليم عياش في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005 بعد محاكمة استمرت 6 أعوام. وأكد رئيس المحكمة القاضي ديفيد راي أن عياش “مذنب، بما لا يرقى إليه الشك، بوصفه مشاركاً في تنفيذ القتل المتعمد لرفيق الحريري”.
وعلى الرغم من أن قضاة المحكمة الدولية الخاصة أكدوا أنه لا يوجد دليل على تورط قيادة جماعة “حزب الله” اللبنانية وسوريا “رغم وجود دوافع” لذلك، فإن ذلك يرتبط في جانب منه بحقيقة أن نظام المحكمة يقضي بالاكتفاء بإدانة الأفراد المسؤولين عن الجريمة، ولا يتناول الحزب كجمعية سياسية، كمالا يدين دولة أو رئيسها، ومن جهة ثانية، يستند هذا الحكم في تبرئة حزب الله إلى عدم توفر أدلة، بينما تشير كل القرائن إلى تورطه، فالتقدير السياسي لما تم يكشف عن استحالة أن يكون عياش قد نفذ العملية، دون توجيه من قيادة حزب الله اللبناني، نظراً لأن الأخير كان له مصلحة في اغتيال رفيق الحريري، كما أن الجريمة كانت إرهابية بخلفية سياسية، إذ لم تكن هناك مشكلات شخصية بين المتهمين والحريري، بحيث تدفع عياش إلى تصفيته. ومن المتوقع ألا يقدم حزب الله على تسليم عياش، وهو ما يمثل إدانة أكبر للحزب ويقدم دليلاً إضافياً على تورطه في تصفية رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. ويقدم هذا الوضع فرصة للولايات المتحدة لتوظيف هذا الملف كأداة إضافية للضغط على الحزب.
ومن شأن هذا الأمر أن يزيد من تراجع شعبية حزب الله اللبناني، خاصة مع توجيه اتهامات شعبية له بالمسؤولية وراء تفجير بيروت، خاصة أن معظم العمليات في الميناء تحت سيطرة غير معلنة لحزب الله؛ كما أن سلطة الجمارك الرسمية في الميناء ليس لديها السلطة لتفتيشها، الأمر الذي يجعل حزب الله المسؤول حتى في حال فرضية أن سبب الانفجار إهمال في عملية التخزين.

سيناريوهات الحكومة الجديدة
في ضوء الضغوط التي يتعرض لها حزب الله، تتمثل السيناريوهات المستقبلية لتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة في التالي:
1-إعادة إنتاج حكومة دياب: يتمثل هذا السيناريو في قيام الرئيس اللبناني ميشال عون وحزب الله بإعادة إنتاج نفس الحكومة السابقة، عبر تكليف شخص جديد لرئاسة الحكومة لا ينال التوافق الوطني، غير أن مثل هذا السيناريو يعد مستبعداً في ضوء استمرار تلويح الولايات المتحدة بالعقوبات، بالإضافة إلى حاجة لبنان للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، إلى جانب حاجاته إلى إعادة بناء الأجزاء المدمرة من بيروت، بعد تفجير مرفأ بيروت. ونظراً لعدم توفر أي مصادر مالية للحكومة، فإن مثل هذا الخيار سوف يكون كارثياً، إذ أنه ينذر بمزيد من الانهيار الاقتصادي، بما يستتبعه ذلك من انفجار غضب شعبي عابر للطائفية ضد مثل هذه الحكومة.
2-تعثر تشكيل حكومة جديدة: يتوقع في هذه الحالة أن تستمر حالة الجمود السياسي، وتراوح مفاوضات تشكيل الحكومة مكانها، وذلك ارتباطاً بصعوبة التوافق بين القوى اللبنانية المختلفة على حكومة تساهم في قيادة لبنان في ظل التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية، وتعيد التوازن لسياسة لبنان الخارجية، وتجنبه الدخول في صراعات المحاور الإقليمية، وإن كان مثل هذا السيناريو سوف يجعل من الصعب على لبنان التفاوض مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض لإخراج لبنان من أزمته الراهنة.
3-تشكيل حكومة مستقلة: يثار الحديث عن وجود اتجاه أمريكي – فرنسي – روسي لتشكيل حكومة كفاءات في لبنان برئاسة سعد الحريري، غير أن تشكيل حكومة برئاسة الحريري سوف يتطلب تقديم تنازلات من حزب الله، وأن يتخلى عن وضعه المسيطر على الحكومة اللبنانية. ويلاحظ ان تراجع وضع حزب الله اقتصادياً، وتراجع شعبيته سياسياً، خاصة بعد صدور حكم المحكمة الدولية بخصوص قتلة الحريري، يجعل هذا الاحتمال قائماً.
ولعل العائق الرئيسي أمام تشكل مثل هذه الحكومة هو توجيه سعد الحريري خطاباً في أعقاب صدور حكم المحكمة الدولية أكد فيه أن “ليس لأحد أن يتوقّع تضحيات أخرى منا، على حزب الله أن يقدّم التضحيات الآن بعدما صار واضحاً أن المتسبّبين من صفوفه”، مضيفاً “يعتقدون أنه لن ينفّذ فيهم القصاص ونقول لن نستكين حتى ينفذ القصاص”، وهو ما ينذر بإمكانية أن يمثل رفض حزب الله تسليم عياش سبباً محتملاً لإعاقة تشكيل الحكومة.

وفي الختام، تكشف مجمل التطورات السابقة أن التحديات التي تواجه الاقتصاد اللبناني ضخمة، ومن غير المتوقع أن تنجح أي حكومة لبنانية في مواجهتها بدون دعم من صندوق النقد الدولي، خاصة أن تداعيات كورونا، وتفجيرات مرفأ بيروت قد فاقمت من الأزمات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد اللبناني، وهو المدخل الذي تسعى واشنطن لاستغلاله بهدف منع حزب الله من الهيمنة على مفاصل الحكومة اللبنانية.

شادي محمد عبدالوهاب (خبير متخصص في الشؤون الأمنية)

IDEX
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض