Issue-563-A-1

“مفهوم العمليات المتكامل”تحوّل عسكري في الاستراتيجية العسكرية البريطانية

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

يشكل “مفهوم العمليات المتكامل” (IOC) نقلة نوعية في الفكر العسكري المعاصر. وكشف الستار عنه كل من وزير الدفاع البريطاني بن والاس ورئيس أركان الجيش الجنرال سير نيك كارتر نهاية سبتمبر الماضي، وتم نشره على موقع وزارة الدفاع البريطانية على الإنترنت. ويمثل هذا المفهوم “مقاربة جديدة لاستعمال القوات المسلحة في مرحلة تشهد منافسة حادة وتحوّلاً كبيراً لطبيعة الحرب”.
ولا ينبغي التقليل من أهمية طريقة التفكير الجديدة. فبالنسبة للمملكة المتحدة، فإن هذا المفهوم يشكل “أهم تغيير في الفكر العسكري البريطاني منذ عقود”. ومن شأن هذا المفهوم الجديد أن يتجاوز في تأثيره الحدود البريطانية، ويحدث إضافة نوعية في الفكر العسكري للقرن الواحد العشرين في العالم الغربي، بل وفي الدول الأخرى.
ومن نواحٍ عديدة، تشكل المقترحات التي أتى بها النظام الجديد تطوراً طبيعياً في الفكر الاستراتيجي داخل الدوائر العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة، حيث ظهرت مفاهيم مثل الحرب الهجينة والحرب غير المتماثلة والحرب غير المقيدة وحرب المعلومات وكلها مفاهيم طرحت تحديات على متخذي القرار العسكري في السنوات الماضية، خاصة في العالم الغربي.
وهكذا، فالخلاصات التي وضعتها المملكة المتحدة بخصوص الحاجة إلى تغيير عسكري جذري ليست غير منطقية أو مفاجئة، ولكنها ضرورية، غير أنها، في نفس الوقت، تحمل في طياتها أسئلة حول مدى كونها ناتجة عن دوافع اقتصادية، وليس اعتبارات جيوسياسية، كما أنها تطرح أسئلة أخرى حول ما تعنيه للدول الديمقراطية التي تحارب الأنظمة الاستبدادية، والأعداء من الجماعات من دون الدول.

ماهو مفهوم العمليات المتكامل؟
ينطلق مفهوم العمليات المتكامل من كون النزاعات والحروب أصبحت تجري في سياق تزداد ضبابيته وتنمحي فيه الحدود بين الحرب والسلم. وتجلى هذا بوضوح خلال القرن الواحد والعشرين، ما ينسجم مع مقولة “صن تزو”، الذي اعتبر أن أفضل طريقة للانتصار في الحرب تتمثل في تفادي الدخول في صراعات مفتوحة بشكل تام.
وتظهر التجارب العسكرية الحديثة هذا الأمر بجلاء، مثل ضم روسيا بقوة الأمر الواقع لمناطق في شرق أوكرانيا في ظل عجز الغرب عن مواجهة ذلك، ولو بإطلاق رصاصة واحدة، ومثل الحرب السيبرانية الواسعة الانتشار، واستعمال الاخبار الزائفة، إضافة إلى اتجاه بعض الفواعل إلى الاعتماد على التكنولوجيا الرخيصة وسهلة الاقتناء، كالطائرات المسيرة، وتوظيفها بصورة تساعد على تقليص الفارق الكبير مع الصواريخ والطائرات المقاتلة المتطورة. ودفعت كل هذا التطورات بالمفكرين العسكريين إلى التفكير في تغيير جذري. وفي ظل هذه التطورات، تراجعت فاعلية حلف الشمال الأطلسي ودوله الأعضاء الذين هيمنوا لمدة طويلة على المشهد العسكري العالمي، نظراً للاعتبارات السابقة.
وباختصار شديد، فإن الخصوم العسكريين للغرب، سواء كانوا دولاً ، أو جماعات إرهابية، لا يتبعون نفس القواعد التي تلتزم بها جيوش العالم الغربي وحلفاؤهم.
وكرد فعل على التطورات السابقة، يدعو “مفهوم العمليات المتكامل” إلى تفكير شامل يجمع بين سياسات محاربة الإرهاب، وبين تبني استراتيجيات شاملة، وأكثر مرونة للتصدي للتهديدات، وذلك بالعمل على أربع ركائز وهي: الحماية والانخراط والتقييد والحرب.
وبالإضافة إلى ذلك، يدعو المفهوم الجديد إلى تهيئة سلسلة من الخيارات الواسعة والمتكاملة للتهديدات العسكرية المستقبلية، ويشمل هذا توظيفاً أكبر وأشد كثافة للمعلومات والقدرات الإلكترونية بغرض التشويش، والنيل من سمعة الخصوم وإضعافهم. كما يشمل المفهوم الجديد العمل، وفق أساليب متعددة إلى جانب فاعلين وشركاء من جيوش أخرى، ومن مجالات أخرى خارج القنوات المعمول بها حالياً، بشكل يساعد على دمج القدرات العسكرية في مختلف المجالات بطريقة غير مسبوقة. ووصفت وزارة الدفاع هذا في ورقة صادرة عنها قائلة إنه يجب تجاوز “العمل المشترك” إلى “العمل المتكامل”.
وبعبارة أدق، يتطلب المفهوم الجديد عدداً من التحولات في القدرات العسكرية، بما فيها تطوير قدرات “أصغر وأسرع”، مثل تأسيس أساطيل ساحلية سريعة، واستثمار أكبر في تكنولوجيا التخفي عن الرادارات وتطوير خليط من القدرات المسيرة عن بعد، والمأهولة، بالإضافة إلى استغلال التفوق المعلوماتي إلى أبعد الحدود في المقاربات الدفاعية والهجومية على حد سواء.

النقاشات والتحديات
في حين يبدو أن كل ما ذكر منطقي إلى حد كبير، تبقى هناك مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة. وفي هذا الإطار، أشار الجنرال السير “نيك كارتر” أن الحرب لا تعتمد أبداً على “السياسات”، ولكنها تتمحور حول الاقتصاد، فكل المراجعات العسكرية في المملكة المتحدة في الفترة التالية على الحرب العالمية الثانية، بما فيها تلك التي أعدت في أوج الحرب الباردة، أبرزت ضرورة خفض موازنة الدفاع، خاصة في مجال المعدات الثقيلة المستعملة في الأرض والبحر والجو.
وباقتراح بريطانيا لاستراتيجية أكثر ديناميكية ومرونة في مقارباتها العسكرية، يحمل “مفهوم العمليات المتكامل” الجديد في طياته فرصاً لتقليل الاعتماد على المعدات العسكرية الباهظة الكلفة، والتي أصبحت غير مناسبة للوضع المالي الجديد التي تعيشه أغلب الدول. ونذكر في هذا الصدد مخططات تقليص قوات الدبابات الرئيسية، والقرار المرتقب لإلغاء تعاقد بريطانيا على طائرة “بوينغ وينغتايل” المخصصة للقيادة والسيطرة، وكلا الخطوتين تشيران إلى ضرورة تقليص النفقات ما أمكن. ومن جانب آخر، يقترح مفهوم العمليات الجديد محفزات كبيرة لتعزيز الصناعة العسكرية البريطانية في مجالات الإلكترونيات من الجيل الجديد، والقدرات السيبرانية. ومن شأن هذا المفهوم الجديد، الذي جاء قبل شهر من صدور التقرير الشامل للدفاع في بريطانيا، أن يعطي صورة للحكومة حول المجالات التي يمكن استهدافها لتقليص النفقات.
ويطرح المفهوم الجديد أسئلة حول إمكانية وضع حد لتقسيم الخدمات العسكرية، كما عهدناها في السابق، أي التمييز بين سلاح القوات البرية والبحرية والجوية، بالإضافة إلى إلحاق تغييرات على الهياكل البيروقراطية في الأقسام العسكرية المختلفة، والتي تقاوم التغيير بطبيعتها، وسيكون مثيراً للاهتمام تقييم مدى نجاح النظام الجديد في ذلك.
ويتساءل المرء كذلك ما إذا كانت التغييرات الجديدة تحركها تخوفات المملكة المتحدة من فقدان تأثيرها في العالم بعد مغادرتها للاتحاد الأوروبي في خضم ما يعيشه حلف شمال الأطلسي من مشاكل في ظل القيادة الأمريكية لإدارة الرئيس دونالد ترامب.
وتنعكس مثل هذه التخوفات في المرحلة التالية للخروج من الاتحاد الأوروبي في إعادة توجيه عسكري واستراتيجي وصناعي تقوم به بريطانيا في اتجاه الحفاظ على شركاء أكثر تنوعاً. ومن المثير للانتباه أن مفهوم العمليات المتكاملة الجديد يقترح الحفاظ على قدرات الردع النووية البحرية، والذي يعد من بين أبرز مخلفات مرحلة الحرب الباردة، وكان يهدف، بصورة أساسية، إلى تعويض بريطانيا عن تراجع تأثيرها العسكري والسياسي العالمي.
ومن الأهمية الإشارة إلى أن الفكرة الرئيسية للمفهوم الجديد تبرز دور “تصاعد التنافس الدولي”، خاصة مع خصوم عسكريين غير ديمقراطيين بشكل يوحي بأن الجيوش مطالبة بتبني نوع من المقاربات والسياسات تجاه الأعداء. فقد انتقلت فكرة الحرب الشاملة الهجينة، التي تربط المعلومات بالنشاط السياسي والدبلوماسي، بالإضافة إلى العمليات العسكرية، انتقلت من كونها خطراً ينبغي التصدي له إلى أحد مكونات مفهوم العمليات المتكاملة الجديد.
وفي الدول الديمقراطية على وجه التحديد، هناك تخوفات مبررة حول مدى ضرورة مثل هذه التحولات، فمقاربات الحرب الهجينة التي تتبعها الجماعات الإرهابية وجيوش الدول الاستبدادية تهدد بطرق عدة النسيج الديمقراطي من خلال استغلال انفتاح هذا الأخير، وجعله يبدو أكثر ضعفاً في اللحظات المفصلية، وذلك بسبب طبيعة عقيدته العسكرية المتقيدة بالالتزامات القانونية. ولذلك ربما حان الوقت لكي تقوم الديمقراطيات بالرد بطرق أكثر نجاعة.
وفي المقابل، فإن تحرك الدول الغربية لتبني مقاربات تعتمد على الأنشطة السرية واسعة النطاق والخفية، تثير مخاوف وسط مجموعات المجتمع المدني المدافعة عن الحريات المدنية، والتي ترى أن الغرب عبر اعتماده على هذه الأساليب يقوض قيمه.
وفي هذا الإطار، يدعو المفهوم الجديد إلى تبني مواقف عسكرية أكثر حسماً، وتطوير أحكام أقل جزماً حول طبيعة الخطر، حتى لا تعيق التحرك الفعال ضده. وفي هذا الإطار، تكتسب القوات الخاصة أهمية بالغة، وكذلك الضربات العسكرية التي توظف المركبات المسيرة عن بعد، والهجومات السيبرانية.
ويلاحظ أن مثل هذه المقاربات قد لا تنسجم مع أحكام القانون الدولي، وقد تضر بسمعة الذين يأمرون بتنفيذها، ليس فقط في الدول الغربية، بل في مجموع الدول المتقدمة. فمثلاً تسبب مقتل ثلاثة مقاتلين مشتبه فيهم في العراق في عام 2017 باستعمال طائرة مسيرة تابعة للقوات الجوية البريطانية في إطلاق لجنة تقصي حقائق في البرلمان البريطاني. ويبدو أن الحكومة البريطانية لا تريد التورط في مزاعم حول إقدامها على توظيف”الحرب عن بعد” كي تزيغ عن التزاماتها الأخلاقية والقانونية.

آفاق مستقبلية
يعتمد مفهوم العمليات المتكامل الجديد لغة مألوفة في الفكر العسكري لما بعد الحرب الباردة، وتشعر المملكة المتحدة بضرورة إدخال هذا التحول الكبير الآن بالنظر إلى المخاوف المرتبطة بانحسار مستوى تأثيرها في المنتظم الدولي بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي وعلاقتها المعقدة مع البيت الأبيض.
وكما هو الحال دائماً، تبقى الاعتبارات الاقتصادية حاضرة بقوة، خاصة بعد الصدمة المالية والاستراتيجية التي سببها وباء كورونا، بالإضافة إلى ضرورة التخلي عن القدرات العسكرية المكلفة والمعقدة التي طالما اعتمدت عليها الجيوش الغربية وحلفاؤها لتحقيق تفوقهم العسكري. وفي هذه الظروف، من الضروري بالنسبة لبلد مثل بريطانيا محاولة الاستفادة من الاستثمارات في آخر صيحات التكنولوجيا والصناعة العسكرية، والتي تركز على متطلبات عصر المعلومات.
وبشكل عام، هناك دول عديدة تستعد لتحذو حذو بريطانيا، ومن المثير للانتباه أن مفهوم العمليات المتكامل الجديد، الذي نشرته وزارة الدفاع البريطانية على الإنترنت في 30 سبتمبر تميز بمقدمة كتبهاالجنرال المتقاعد ديفيد بيترايوس الذي قاد استراتيجية مكافحة التمرد في العراق وأفغانستان، حيث أشاد بالمفهوم الجديد ومضامينه، التي قال إنها تعكس ضرورة التبني الفوري للنظام الجديد من جانب حلف شمال الأطلسي خاصة بعد الأحداث التي شهدتها أوكرانيا وسوريا وليبيا، وذلك في الجانب المتعلق بالرد على الهجمات الإرهابية التي تستهدف الغرب.
وسيكون لنتائج الانتخابات الأمريكية وموقف الرئيس الأمريكي الجديد من حلف شمال الأطلسي تأثير كبير على اتجاه التحول العسكري الحادث في الاستراتيجية البريطانية. وكما يقترح مفهوم العمليات المتكامل بوضوح، قد تكون الاستراتيجية العسكرية حالياً “أمام نقطة مفصلية بين عصر الصناعة وعصر المعلومات”.
قد تكون الاستراتيجية العسكرية حالياً “أمام نقطة مفصلية بين عصر الصناعة وعصر المعلومات”

البروفيسور جوليان ريتشارد
مركز الدراسات الأمنية والاستخباراتية (BUCSIS)، جامعة باكنجهام

IDEX
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض