صراع النفوذ الدولي في منطقة الشرق الأوسط (8)

سباق النفوذ الدولي في الشرق الأوسط الأسباب والمظاهر والمآلات

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القطب الدولي المهيمن على العالم وتفاعلاته بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، خاصة إن روسيا، وريث الاتحاد السوفييتي، كانت تعاني من مشاكل داخلية معقدة على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي جعلتها مشغولة في ترتيب بيتها الداخلي، أما الصين فلم تكن قد حققت من النمو الاقتصادي ما يؤهلها أو يدفعها للعب دور دولي مؤثر، فيما الاتحاد الأوروبي يدور في الفلك الأمريكي وينخرط مع الولايات المتحدة الأمريكية في تيار العولمة الرأسمالية، بجوانبها الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها، التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة فيما أسماه عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما بـ “نهاية التاريخ”.1
لكن هذه الحقبة من الهيمنة الأمريكية على العالم بدأت تتعرض إلى الاهتزاز منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر في عام 2001، التي استهدفت قلب أميركا وأصابتها في كبريائها ورمز قوتها التجارية (برجي التجارة العالمية) من ناحية، وسببت، في مرحلة لاحقة، شرخاً في العلاقات الأمريكية- الأوربية من ناحية أخرى، في ضوء الخلافات التي نتجت عن سياسة الرد الأمريكي على هذه الهجمات وأسفرت عن احتلال دولتين إسلاميتين وهما أفغانستان والعراق.
وقد أدى التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق إلى تحمل الولايات المتحدة لتكاليف كبيرة على المستويات الاقتصادية والعسكرية والبشرية، دفعت إلى ظهور تيار أو تيارات داخلها تدعو إلى الانكفاء على الداخل والتخلص من أعباء القيادة العالمية أو التخفف منها، خاصة بعد الأزمة المالية التي ضربتها وضربت العالم معها في عام 2008.2 هذا في الوقت الذي كانت فيه روسيا والصين تتعافيان وتتوسع قوتيهما ويتسع نفوذهما على الساحتين الإقليمية والدولية بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، ويزاحمان واشنطن النفوذ في هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم. ومن ثم غدت منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والمنطقة العربية على وجه الخصوص ساحة لهذا الصراع على النفوذ بين كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، بينما تراجع تأثير أوربا المنقسمة على نفسها والتي تعاني من مشاكل داخلية وأخرى ضمن هيكل الاتحاد الأوروبي (انسحاب بريطانيا من الاتحاد مثال على ذلك).
أولا: أسباب صراع النفوذ الدولي في منطقة الشرق الاوسط:
ضمن هذا السياق يمكن القول أن هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء هذا الصراع على النفوذ في المنطقة بين واشنطن وموسكو وبكين لعل أهمها:
1. الانسحاب الأمريكي تدريجيا من المنطقة، في ضوء تجربتي العراق وأفغانستان، وهو الانسحاب الذي ترك فراغاً استراتيجياً سعت روسيا، على وجه الخصوص، إلى التمدد فيه. وعلى الرغم من أن الرئيس الامريكي دونالد ترامب يبدو أكثر وضوحا في الحديث عن تراجع أهمية منطقة الشرق الأوسط، وخاصة منطقة الخليج العربي، بالنسبة إلى بلاده، منذ أن جاء الى السلطة،3 فإن هذا المسار، أي مسار الانسحاب من المنطقة، قد بدأ فعليا مع عهد باراك أوباما (2009-2017)، الذي أبدى اهتماماً كبيرا بـ”الخطر الصيني” ومن ثم ركز اهتمامه على الحضور في آسيا بالقرب من الصين على حساب الحضور في منطقة الشرق الاوسط، وهو ما عبر عن نفسه في وثيقة الاستراتيجية الجديدة للجيش الأمريكي، التي تم الكشف عنها في يناير 2012 وتدعو إلى وجود عسكري أمريكي أكبر في آسيا، وتقليص حجم القوات الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط.4
كما عبرت سياسة الانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط عن نفسها في عهد أوباما في مبدأ “القيادة من الخلف” الذي تبناه أوباما في التعامل مع أزمات المنطقة بعد عام 2011، وظهر تطبيقياً في التعامل مع الثورة في ليبيا ضد معمر القذافي عام 2011؛ حيث تولى حلف “الناتو” المهمة الأمامية في التدخل العسكري في ليبيا للاطاحة بالقذافي فيما كانت الولايات المتحدة تقدم الدعم من الخلف.5
2. التغير الذي لحق بالسياسة الخارجية لروسيا والصين. فعلى المستوى الروسي، استطاعت روسيا بعد سنوات من الاضطراب والضعف على إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، من التعافي والنهوض، ومن ثم تبني سياسات خارجية مختلفة خاصة بعد تولي فلاديمير بوتين للرئاسة في عام 2000، وهو الرجل القوي الذي أستطاع أن يخرج روسيا من أزماتها ويعيد تأثيرها على الساحة الدولية، ويدخل مع الولايات المتحدة والغرب في تنافس على النفوذ، خاصة إنه اعتبر أن بلاده قد تعرضت إلى الإهانة من قبل الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولذلك سعى إلى إعادة هيبتها ومناطق نفوذها التي سلبت منها، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وبشكل خاص في إيران وسوريا وليبيا وغيرها.6
أما بالنسبة إلى الصين، فإنها بعد سنوات طويلة من الابتعاد عن صراع النفوذ في الشرق الأوسط والاكتفاء بتعزيز روابطها الاقتصادية فقط مع دول المنطقة، بدأت تتجه إلى لعب دور سياسي في المنطقة، لعدة أسباب: أولها أن الصين تستورد نحو 55% من نفطها من منطقة الخليج العربي، وقد أدى تراجع الاهتمام الأمريكي بضمان الأمن في منطقة الخليج العربي وخاصة إمدادات النفط، والذي بدأ في عهد أوباما ثم تعزز في عهد دونالد ترامب الذي طالب الصين بتحمل تكلفة حماية شحنات النفط الخليجية اليها، أدى كل ذلك إلى التفكير الجدي من قبل الصين في لعب دور سياسي-أمني-عسكري في المنطقة لحماية مصالحها.7 وثانيها مشروع مبادرة “الحزام والطريق” وتسمى أيضا “طريق الحرير” التي اطلقت في عام 2013، ولمنطقة الشرق الأوسط دور مهم فيها.8 وهذا دفع الصين إلى تعزيز حضورها السياسي في المنطقة لحماية مصالحها الاقتصادية المتضمنة في هذه المبادرة الكبرى التي تتطلع الصين إلى إشراك 65 دولة فيها تمثل 5.4 مليارات نسمة (70 بالمائة من سكان العالم)، وتستأثر بـ55 بالمائة من الناتج الخام في العالم.9 وثالثهما أن تحرك الولايات المتحدة الأمريكية ضد الصين في قضية التجارة وسعيها إلى الحضور العسكري في المنطقة القريبة منها في آسيا، قد دفع بكين إلى محاولة التمدد في الشرق الأوسط وأفريقيا وغيرهما من مناطق العالم في محاولة لتخفيف الضغط الأمريكي من ناحية، والرد على السياسة الامريكية من ناحية أخرى، وذلك من خلال التواجد في مناطق نفوذ تقليدية لواشنطن في الخليج العربي والشرق الاوسط.
3. سعي روسيا والصين للرد على تمدد واشنطن في مناطق نفوذهما: فعلى المستوى الروسي، نظرت موسكو بقلق كبير إلى تمدد الولايات المتحدة وحلف الناتو بالقرب منها وعلى حدودها، ومن ثم سعت الى الرد من خلال التمدد في مناطق النفوذ التقليدية لواشنطن في الشرق الأوسط والخليج العربي، والأمر نفسه ينطبق على الصين.
4. الاضطرابات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط: حيث تصاعدت هذه الاضطرابات بعد عام 2011، في ظل عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على التعامل الفاعل معها، وضعف الدور الأوروبي وعدم وجود سياسة أوروبية موحدة تجاه المنطقة. هذا الوضع شجع روسيا، بشكل خاص، على التحرك لاستعادة مناطق نفوذها التقليدية في المنطقة، ومن ثم جاء تدخلها في سوريا لحماية نظام الأسد من السقوط، وموقفها القوي في الدفاع عن إيران، وتحركها تجاه مصر ومنطقة الخليج العربي وليبيا وغيرها.
5. استدعاء بعض دول المنطقة للدور الروسي: في ضوء التحولات التي لحقت بالمنطقة بعد عام 2011، والتحفظات التي أبدتها بعض الدول العربية على طريقة تعامل واشنطن في عهد باراك أوباما مع أحداث “الربيع العربي”، خاصة تخليها عن حلفائها في العديد من دول المنطقة، وقبولها التعاون مع الإخوان المسلمين، فضلاً عن مبدأ “القيادة من الخلف” الذي اتبعته في سياستها تجاه المنطقة، في ضوء كل ذلك لجأت العديد من دول المنطقة إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا، التي كانت بدورها مستعدة ومتأهبة للتمدد في المنطقة، ومن ثم عرفت علاقات موسكو مع العديد من الدول العربية خاصة مصر بعد 2013 والعديد من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تطورات استراتيجية كبيرة على المستويات المختلفة.
والأمر نفسه ينطبق على الصين، التي سعت دول عربية عديدة إلى تعزيز العلاقة معها في إطار سعيها لتنويع تحالفاتها وتوسيع خياراتها على الساحة الدولية، في إطار التحولات التي لحقت بسياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة سواء في عهد أوباما أو في عهد دونالد ترامب.
ثانياً: مظاهر صراع النفوذ الدولي في الشرق الأوسط:
ضمن السياق السابق يمكن الإشارة إلى أهم جوانب ومظاهر التنافس الدولي على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط في الاتي:
1. الاهتمام الكبير الذي تبديه روسيا بمنطقة الشرق الأوسط وتعزيز نفوذها فيه في مواجهة النفوذ الأمريكي. حيث وقفت موسكو إلى جانب بشار الأسد في سوريا ومنعت سقوطه في مواجهة الانتفاضة الشعبية عليه، وأقامت لها قواعد طويلة الأمد للنفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي على الأرض السورية. كما عززت روسيا علاقاتها مع تركيا، الحليف التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية وعضو حلف الناتو، واستطاعت أن تبيعها منظومة صواريخ إس 400، على الرغم من اعتراضات واشنطن والناتو، وأصبح لها وجود عسكري مؤثر في الجبهة الجنوبية لحلف الناتو. وتطورت العلاقات الروسية-المصرية بشكل ملحوظ بعد عام 2013، خاصة بعد الموقف الأمريكي المنتقد للإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، في عهد أوباما. وفي هذا السياق تعززت علاقات القاهرة مع موسكو على المستوى العسكري، كما إن روسيا هي التي تبني البرنامج النووي المصري للأغراض السلمية. وأخيراً تدخلت روسيا في الصراع على الساحة الليبية دعماً للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر،10 في إطار سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستعادة نفوذ روسيا على الساحة الليبية الذي تلاشى بسقوط نظام القذافي، وتعزيز الحضور الروسي في جنوب وشرق البحرالمتوسط رداً على تمدد حلف الناتو بالقرب من حدود روسيا.11
3. على المستوى الصيني، تطورت علاقات بكين بشكل كبير مع دول الخليج العربية، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية،12 كما تعززت علاقاتها مع دول شمال إفريقيا خاصة مصر والجزائر والمغرب، حيث أنشأت شراكات استراتيجية شاملة مع الجزائر ومصر وشراكة استراتيجية مع المغرب، ووقّعت مذكرات تفاهم حول مبادرة الحزام والطريق مع ليبيا وتونس.13 فضلاً عن ذلك فقد قامت بكين ببناء قاعدة عسكرية في جيبوتي في إطار رغبتها في تعزيز نفوذها في المنطقة من ناحية وحماية إمدادات الطاقة القادمة إليها عبر باب المندب من ناحية أخرى، خاصة أن 50% من واردات النفط إلى الصين تصلها من المملكة العربية السعودية والعراق وجنوب السودان عبر باب المندب.14 كما إن الصين هي الشريك التنفيذي والممول الرئيسي لمشروع ميناء “جوادر” في باكستان، ما عزز من علاقاتها الاستراتيجية مع باكستان،15 في مواجهة روسيا والولايات المتحدة.
في مواجهة التمدد الروسي والصيني في منطقة الشرق الأوسط، على حساب الولايات المتحدة الأمريكية وفي مناطق نفوذها التقليدية، بدأت واشنطن تلتفت إلى خطورة هذا التمدد ومن ثم بدأت العمل على مواجهته من خلال العديد من الآليات. حيث بدات تعبر عن قلقها تجاه الدور الروسي على الساحة الليبية، متهمة موسكو بتأجيج الصراع هناك وإرسال مرتزقة للقتال إلى جانب الجيش الوطني الليبي.16 كما مارست وتمارس ضغوطاً شديدة على تركيا لكي تخفف من علاقاتها مع روسيا خاصة على المستوى العسكري، وأخرجتها من برنامج الطائرة إف 35 الأمريكية المتقدمة عقاباً لها على شراء منظومة الصواريخ الروسية إس 400. كما أقدمت الولايات المتحدة على إصدار “قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة” المعروف اختصاراً بـ CAATSA، في 2 أغسطس 2017، ووقعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ليصبح نافذا منذ بداية 2018، ويقوم على معاقبة الأفراد والشركات والدول، في حال إبرام صفقات سلاح وتعاون عسكري مع كل من موسكو وطهران وبيونغيانغ.17
ثالثا: مآلات صراع النفوذ الدولي في الشرق الأوسط
1. على الرغم من التوجهات التي عبر عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تراجع أهمية منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بالنسبة الى المصالح الأمريكية، خاصة في مجال النفط، فإنه يتوقع أن تعود واشنطن الى زيادة اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليج العربي بوجه خاص، وتعزيز حضورها فيها وذلك رداً على اتساع النفوذ الصيني، بشكل أساسي، في المنطقة، بالنظر إلى إن صانعي السياسة الامريكية ينظرون إلى الصين باعتبارها التهديد الأكبر والخطر الأساسي على النفوذ الأمريكي في العالم. لكن واشنطن ستواجه مشكلتين في هذا السياق: المشكلة الاولى هي إنها في حاجة إلى بناء الثقة بينها وبين دول المنطقة أو بعضها، بعد فترة من اهتزاز هذه الثقة منذ عهد أوباما على وجه الخصوص. والمشكلة الثانية هي إن الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة في المنطقة تمددت فيه روسيا والصين بالفعل وأسستا قواعد مهمة لمصالحهما مع العديد من دول المنطقة.
2. بالنسبة إلى الصين فإنها تركز خلال هذه المرحلة على الأهداف الاقتصادية ولا تريد المنافسة مع الولايات المتحدة، لكن لا يُستبعد أن تعمل على تعزيز حضورها العسكري في المنطقة خلال السنوات القادمة لحماية مصالحها الاقتصادية، خاصة إذا استمرت الولايات المتحدة في سياستها بخصوص عدم تحملها وحدها مسؤولية ضمان إمدادات النفط من الخليج العربي.
3. على الرغم مما يبدو من توترات ظاهرة بين روسيا والولايات المتحدة على الساحة الدولية وفي منطقة الشرق الأوسط، فإن ما يهم واشنطن ويمثل هاجساً رئيسياً لها هو الصين في المقام الأول وليس روسيا، لأنها تعتبرها الخطر الأكبر عليها، كما سبقت الإشارة، بل إن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، قد طالب بالتعاون الأمريكي-الروسي في مواجهة الصين.18
رغم التمدد الروسي والصيني في منطقة الشرق الأوسط، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة النفوذ الأكبر في المنطقة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، وسوف تظل واشنطن هي صاحبة التأثير الأساسي والأكبر في تفاعلات المنطقة لعقود طويلة قادمة.

>> إعداد : أحمد عبد العزيز (باحث في الشؤون الاستراتيجية )

IDEX
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض