Missiles

تأثير استراتيجية «منع الوصول والحرمان من الدخول» على الأمن العالمي

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬نقاش‭ ‬جوهري‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬قدرات‭ ‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‭  (‬A2‭/‬AD‭) ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬بيئة‭ ‬الأمن‭ ‬العالمية‭ ‬وكيفية‭ ‬ذلك‭. ‬إذ‭ ‬يختار‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬كوسيلة‭ ‬للوقوف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الخصوم‭ ‬الذين‭ ‬يُعتبرون‭ ‬عموماً‭ ‬متفوقين‭ ‬عسكرياً‭. ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬لوضعية‭ ‬دفاعية‭ ‬قوية‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬معينة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬الخصم‭ ‬المحتمل‭ ‬لن‭ ‬يحاول‭ ‬ذلك‭.‬

هذا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬أداة‭ ‬حرب‭ ‬مهمة‭ ‬للردع‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬شيء‭ ‬جديد‭ ‬حقاً،‭ ‬ولا‭ ‬رائع‭ ‬حقاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭.‬

على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ،‭ ‬حاولت‭ ‬القوى‭ ‬المتنافسة‭ ‬حرمان‭ ‬بعضها‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬والأصول‭ ‬الحيوية‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬حاضرة‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬الصدام‭ ‬بين‭ ‬أثينا‭ ‬وسيراكوز‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬25‭ ‬قرناً‭. ‬في‭ ‬مثال‭ ‬تاريخي‭ ‬آخر‭. ‬في‭ ‬عام‭ ‬1915،‭ ‬نشر‭ ‬العثمانيون‭ ‬ألغاماً‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬الدردنيل،‭ ‬ذات‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬نظراً‭ ‬لربطة‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا،‭ ‬وذلك‭ ‬لهزيمة‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬للمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭ ‬والنمسا‭ ‬وروسيا‭. ‬مثال‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬‮«‬جدار‭ ‬الصواريخ‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬نفذته‭ ‬سوريا‭ ‬ومصر‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬1973‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬المبادئ‭ ‬الكامنة‭ ‬وراء‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬موجودة‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬فإن‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والتغيرات‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬قد‭ ‬أحيت‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭. ‬لسوء‭ ‬الحظ،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬ككلمة‭ ‬طنانة‭ ‬دون‭ ‬توضيح‭ ‬أبعادها‭ ‬المهمة‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأبعاد‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬العسكريين‭ ‬وقادة‭ ‬العمليات‭. ‬تتناول‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬تحدي‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬الحالي،‭ ‬وتقيِّم‭ ‬الاختلافات‭ ‬الطفيفة‭ ‬بين‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وقدرات‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وتستخلص‭ ‬بعض‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬حول‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬العسكري‭ ‬والطريقة‭ ‬التي‭ ‬يواجهو‭ ‬بها‭ ‬الغرب‭ ‬هذة‭ ‬الاسترايجية‭.‬

زيادة‭ ‬تطور‭ ‬وانتشار‭ ‬قدرات A2/AD

المبدأ‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وراء‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬هو‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأزمنة،‭ ‬لكن‭ ‬ممارسته‭ ‬تغيرت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭. ‬حالياً،‭ ‬تحدث‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬على‭ ‬مستويين‭ ‬مهمين‭:‬

1‭ ‬

التطور‭ ‬المتزايد‭ ‬لقدرات‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬تميل‭ ‬الصواريخ‭ ‬إلى‭ ‬احتلال‭ ‬مركز‭ ‬الصدارة‭ ‬وتزداد‭ ‬سرعتها‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬وتنتقل‭ ‬بسرعة‭ ‬تفوق‭ ‬سرعة‭ ‬الصوت‭ ‬أي‭ ‬تبلغ‭ ‬سرعاتها‭ ‬5‭ ‬ماخ‭ (‬خمسة‭ ‬أضعاف‭ ‬سرعة‭ ‬الصوت‭) ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الصواريخ‭ ‬المجنحة‭ ‬تتمتع‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬إخفاء‭ ‬الهدف‭ ‬النهائي‭ ‬المرجو‭ ‬تدميره،‭ ‬نظراً‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تحلق‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬ثابت‭ ‬مثل‭ ‬القوس،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الصواريخ‭ ‬البالبيستية‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أصبحت‭ ‬الإصابات‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭. ‬كما‭ ‬تدخل‭ (‬أسراب‭) ‬الطائرات‭ ‬المسلحة‭ ‬بدون‭ ‬طيار‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬وتصبح‭ ‬أحد‭ ‬الأدوات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭. ‬يضيف‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني‭ ‬أيضًا‭ ‬قدرات‭ ‬إضافية‭ ‬لاستراتيجية‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭. ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬إعاقة‭ ‬الأجهزة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬والتشويش‭ ‬الكهرومغناطيسي‭ ‬له‭ ‬نفس‭ ‬التأثيرات‭ ‬الضارة‭ ‬مثل‭ ‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البيئات‭ ‬المادية‭.‬

2‭ ‬

انتشار‭ ‬قدرات‭  ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬‭:‬‭ ‬لعقود‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبعض‭ ‬شركائها‭ ‬في‭ ‬الناتو‭ ‬يعانون‭ ‬زيادة‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكنهم‭ ‬العمل‭ ‬دون‭ ‬عوائق‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ركن‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬العالم‭. ‬لكن‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬يكتسب‭ ‬قدرات‭ ‬مثل‭ ‬الذخيرة‭ ‬الموجهة‭ ‬بدقة‭ ‬والأسلحة‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬بهدف‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬دفاعية‭ ‬باستخدام‭ ‬وتطبيق‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬لعرقلة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬بحرية‭. ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬للأسلحة‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬يفسح‭ ‬المجال‭ ‬لسياق‭ ‬عسكري‭ ‬استراتيجي‭ ‬أكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للتوتر‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬ويساعد‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬توظيف‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬ويعد‭ ‬أهم‭ ‬مؤسسي‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬العسكري‭ ‬الجديد‭ ‬هما‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭.‬

الصين‭: ‬تنفيذ‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬لاستعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ

في‭ ‬أوائل‭ ‬التسعينيات،‭ ‬قررت‭ ‬الصين‭ ‬تسريع‭ ‬تحديث‭ ‬جيش‭ ‬التحرير‭ ‬الشعبي‭ (‬PLA‭) ‬والدفع‭ ‬نحو‭ ‬قدرات‭ ‬عسكرية‭ ‬متقدمة‭. ‬أصبحت‭ ‬قدرات‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭  ‬عنصراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التحديث‭. ‬والسبب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬كانت‭ ‬قلقة‭ ‬بشأن‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الثانية‭ ‬لعام‭ ‬‮١٩٩١‬‭. ‬كان‭ ‬هدف‭ ‬الصين‭ ‬أولاً‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقليص‭ ‬مجال‭ ‬مناورة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأمريكية‭ (‬وربما‭ ‬غيرها‭) ‬في‭ ‬المياه‭ ‬المحيطة‭ ‬بالصين‭. ‬أرادت‭ ‬الصين‭ ‬أن‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تعتبره‭ ‬حديقتها‭ ‬الخلفية‭.‬

وترتكز‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭  ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬المتصلة،‭ ‬أبرزها‭ ‬الصواريخ‭ ‬وأجهزة‭ ‬الاستشعار‭ ‬والجزر‭ ‬الاصطناعية‭ ‬المشيدة‭ ‬حديثاً‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بمثابة‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭. ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬بإنشاء‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬مختلفة‭ ‬الأغراض‭. ‬DF-41‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬تصميم‭ ‬DF-26‭ ‬بهدف‭ ‬تقليل‭ ‬فائدة‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬مثل‭ ‬GuamوOkinawa‭. ‬لذلك‭ ‬أطلق‭ ‬على‭ ‬الصاروخ‭ ‬لقب‭ ‬“قاتل‭ ‬غوام”‭. ‬وحصل‭ ‬الجيش‭ ‬الصيني‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬“قاتل‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات”‭ ‬المتمثل‭ ‬بمنصة‭ ‬صواريخ‭ ‬بالستية‭ ‬متوسطة‭ ‬المدى‭ ‬DF-21،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الواضح‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬اختبارها‭ ‬بالفعل‭ ‬ضد‭ ‬هدف‭ ‬متحرك‭. ‬وتعمل‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬النطاق‭ ‬الذي‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الجزر‭ ‬الاصطناعية‭ ‬والمنشآت‭ ‬العسكرية‭ ‬عليها‭. ‬تستثمر‭ ‬الصين‭ ‬أيضاً‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬وأجهزة‭ ‬الاستشعار‭ ‬الفضائية‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الرقابة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬المياه‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭ ‬وبناء‭ ‬صورة‭ ‬دقيقة‭ ‬لموقع‭ ‬الهدف‭.‬

روسيا‭: ‬قدرات‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭  ‬لتحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬الحاسم‭ ‬

روسيا،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلت‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬قوة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬تستثمر‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬قدرات‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ . ‬تنشرها‭ ‬حول‭ ‬دول‭ ‬البلطيق‭ ‬والبحر‭ ‬الأسود‭ ‬وشرق‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬​​والقطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬وهي‭ ‬مناطق‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لروسيا‭. ‬الهدف‭ ‬العسكري‭ ‬من‭ ‬سعي‭ ‬روسيا‭ ‬لامتلاك‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬يختلف‭ ‬قليلاً‭ ‬عن‭ ‬الهدف‭ ‬الصيني‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬إبعاد‭ ‬الأمريكيين‭. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬مفاجئاً‭ ‬أيضاً،‭ ‬لأن‭ ‬روسيا،‭ ‬أولاً‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬قوة‭ ‬برية‭ ‬قارية‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬جغرافي‭ ‬متميز‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬عن‭ ‬الصين‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬تتوقع‭ ‬روسيا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هي‭ ‬المعتدي،‭ ‬وأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لن‭ ‬تتوانى‭ ‬عن‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صراع‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬التصعيد‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬استراتيجية‭ ‬روسيا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب‭ ‬ستكون‭ ‬حاسمة‭. ‬وإن‭ ‬بناءها‭ ‬لقدرات‭ ‬A2‭/‬AD‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬ليست‭ ‬للمنع‭ (‬الحظر‭)‬،‭ ‬بقدر‭ ‬ماهي‭ ‬للدفاع‭ ‬والهجوم،‭ ‬ولنشر‭ ‬الفوضى‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الخصم‭ ‬والتسبب‭ ‬في‭ ‬استنزافه‭. ‬رئيس‭ ‬هيئة‭ ‬الأركان‭ ‬العامة‭ ‬الروسية،‭ ‬الجنرال‭ ‬فاليري‭ ‬جيراسيموف،‭ ‬يسمي‭ ‬هذه‭ ‬“استراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬النشط”،‭ ‬مؤكداً‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬عاملي‭ ‬المبادرة‭ ‬والاستباقية‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

نشرت‭ ‬روسيا‭ ‬طائرات‭ ‬وغواصات‭ ‬ونشرت‭ ‬صواريخ‭ ‬أرض‭ – ‬جو‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬كالينينجراد‭ ‬الروسي‭ ‬المجاور‭ ‬لدول‭ ‬البلطيق‭. ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم،‭ ‬أدخلت‭ ‬روسيا‭ ‬أنظمة‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬مثل‭ ‬نظام‭ ‬صواريخ‭ ‬أرض‭ ‬جو‭ ‬متوسطة‭ ‬وطويلة‭ ‬المدى‭ ‬من‭ ‬طراز‭  ‬أس‭ – ‬‮٤٠٠‬ ‬AlmazAntey S-400‭ ‬Triumf‭. ‬كما‭ ‬نشرت‭ ‬روسيا‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬صواريخ‭ ‬الدفاع‭ ‬الساحلي‭ ‬دون‭ ‬سرعة‭ ‬الصوت‭ ‬والصواريخ‭ ‬الأسرع‭ ‬من‭ ‬الصوت‭. ‬وفي‭ ‬طرطوس‭ ‬السورية،‭ ‬تنشر‭ ‬روسيا‭ ‬أسلحة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مثل‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬المتطور‭ ‬من‭ ‬طراز‭ (‬إس‭ ‬‮٣٠٠‬‭) ‬و‭ (‬بانتسير‭ ‬إس‭ ‬إيه‭ ‬‮٢٢‬‭)‬،‭ ‬وأنظمة‭ ‬الصواريخ‭ ‬المضادة‭ ‬للسفن‭ (‬ياخونت‭)‬،‭ ‬وصواريخ‭ ‬إسكندر‭ ‬البالستية‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى،‭ ‬وأنظمة‭ ‬الكشف‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬وأنظمة‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭. ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الطائرات‭ ‬الروسية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬ميناء‭ ‬طرطوس‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬‮«‬مظلة‮»‬‭ ‬جوية‭ ‬للبحرية‭ ‬الروسية‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭.‬

تغيير‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬والتكيف‭ ‬العسكري

تعتبر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والقدرات‭ ‬التي‭ ‬بنتها‭ ‬الصين‭ ‬كافية‭ ‬لردع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭. ‬لقد‭ ‬ألهم‭ ‬هذا‭ ‬“النجاح”‭ ‬دولاً‭ ‬أخرى‭ ‬أقل‭ ‬قوة‭ ‬حيث‭ ‬حاولت‭ ‬نسخ‭ ‬تكتيك‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭ ‬لكسب‭ ‬التأثير‭ ‬الإقليمي‭ ‬ولتقليل‭ ‬مساحة‭ ‬المناورة‭ ‬للآخرين‭. ‬يكتسب‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬قدرات‭ ‬أسرع‭ ‬وأكثر‭ ‬تدميراً‭ ‬وذات‭ ‬مديات‭ ‬أبعد‭. ‬يُضاف‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬المتزايد‭ ‬وانتشار‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬“الدفاعية‭ ‬إلى‭ ‬النموذج‭ ‬العسكري‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الجديد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬طرقاً‭ ‬جديدة‭ ‬للتفكير‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والعملياتية‭ ‬والتكتيكية‭. ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬تتجه‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬نمط‭ ‬الضربات‭ ‬الدقيقة‭ ‬ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬“القدرة‭ ‬على‭ ‬الإيذاء”‭ ‬هي‭ ‬النظرية‭ ‬الأكثر‭ ‬تطبيقاً‭ ‬لتحقيق‭ ‬الانتصار‭ ‬العسكري‭. ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العملياتي،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬سير‭ ‬عمليات‭ ‬الدخول‭ ‬القسري‭ ‬والمهام‭ ‬الاستكشافية‭. ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬التكتيكي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬الأنظمة‭ ‬المتكاملة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والأنظمة‭ ‬الفضائية‭.‬

التأثير‭ ‬النفسي‭ ‬المحتمل‭ ‬لدور‭ ‬روسيا

يدرك‭ ‬الناتو‭ ‬جيداً‭ ‬التأثير‭ ‬النفسي‭ ‬المحتمل‭ ‬لدور‭ ‬روسيا‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬أعضائه‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬البلطيق‭ ‬وأوروبا‭ ‬الشرقية‭. ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬يشكل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬الحرب‭ ‬الذي‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬التحالف‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬لدفاعه‭ ‬الجماعي‭. ‬ولتوفير‭ ‬الثقة‭ ‬اللازمة‭ ‬لمحيطه،‭ ‬قرر‭ ‬الناتو‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬نشر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالتواجد‭ ‬الأمامي‭ ‬المعزز‭ ‬Eenhanced Forward Presence،‭ ‬والذي‭ ‬يتألف‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬مجموعات‭ ‬قتالية‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬متمركزة‭ ‬في‭ ‬إستونيا‭ ‬ولاتفيا‭ ‬وليتوانيا‭ ‬وبولندا‭. ‬إن‭ ‬مجموعات‭ ‬القتال‭ ‬هذه،‭ ‬بقيادة‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭ ‬وألمانيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬ردع‭ ‬روسيا‭ ‬عبر‭ ‬إنذارها‭ ‬بأن‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭ ‬روسي‭ ‬سوف‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭. ‬كما‭ ‬أنشأ‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬أيضاً‭ ‬قوة‭ ‬واجب‭ ‬مشتركة‭ ‬عالية‭ ‬الاستعداد‭ (‬VJTF‭)‬،‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬5000‭ ‬جندي‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يحث‭ ‬الناتو‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬القدرات‭ ‬اللازمة‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬تطوير‭ ‬القدرات‭ (‬عملية‭ ‬التخطيط‭ ‬الدفاعي‭ ‬لحلف‭ ‬الناتو‭).‬

كيفية‭ ‬مواجة‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالصين،‭ ‬تتوقع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إمكانية‭ ‬الاضطرار‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬حملة‭ ‬‮«‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‮»‬‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو،‭ ‬يقل‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الناتو،‭ ‬الذي‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭. ‬تنص‭ ‬العقيدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬المشتركة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬“يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬والقتال‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬الجغرافية‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬قوات‭ ‬معادية‭ ‬لمصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة”‭. ‬تجري‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تدريبات‭ ‬لعمليات‭ ‬الدخول‭ ‬المشترك‭ ‬بالقوة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2020‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬تمرين‭ (‬حامي‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬‮٢٠‬‭)‬‭ ‬Defender Pacific 20‭. ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سيناريو‭ ‬التمرين‭ ‬متعلقاً‭ ‬بتصعيد‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين،‭ ‬بل‭ ‬يتعلق‭ ‬بصدام‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬ودولة‭ ‬آسيوية‭ ‬أصغر‭ ‬لديها‭ ‬معاهدة‭ ‬دفاع‭ ‬مشترك‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والتي‭ ‬أدت‭ ‬نتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬غير‭ ‬مقصودة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭.‬

»‬‭ ‬الدكتورة‭ ‬ساسكيا‭ ‬فان‭ ‬جنوجتن‭    
«زميلة‭ ‬أبحاث‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬الأمن‭ ‬والسلام‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا
التابع‭ ‬لأكاديمية‭ ‬الإمارات‭ ‬الدبلوماسية‭ (‬EDA‭) ‬في‭ ‬أبوظبي‭«‬

IDEX
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض