د

الولايات المتحدة تطارد تسليح إيران

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

أصدر مجلس الأمن القرار (2231) عام 2015 للتصديق على الاتفاق النووي المبرم بين إيران ومجموعة (5+1) الدول الخمس دائمة العضوية فيه بالإضافة إلى ألمانيا، وهو الاتفاق الذي يهدف لمنع طهران من تطوير أسلحة نووية مقابل تخفيف العقوبات. ويضع القرار تواريخ زمنية محددة لمتابعة تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها، ومن هذه الالتزامات ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني، خاصة إنتاجها للصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية؛ حيث يقر الاتفاق “تجميد إيران تطوير واختبار الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية لمدة 8 سنوات”. كذلك يحدد الاتفاق شهر أكتوبر2020 موعداً لمراجعة مدى التزام إيران بالاتفاق النووي ليتم تحديد ما إذا كان سيتم تمديد “تخفيف العقوبات الدولية”، أم يُعاد فرضها إذا ثبت إخلال إيران بالتزاماتها في الاتفاق. ومن هنا يمكن تعريف الموقف الحالي بالسؤال التالي: هل تلتزم إيران فعليا بما ألزمت نفسها به في الاتفاق النووي عام 2015؟

لماذا تريد الولايات المتحدة إعادة فرض العقوبات على إيران؟
اتخذت الإدارة الأمريكية الحالية (إدارة ترامب) موقفاً واضحًا تجاه الاتفاق النووي المبرم مع إيران منذ بداية توليها المسؤولية، اتسم برفض الاتفاق واعتباره عاجزاً عن منع التهديد الذي تمثله إيران في الشرق الأوسط، فهو لا يمنع قدرتها على امتلاك سلاح نووي، إنما يؤجل هذه القدرة، كما أن تخفيف العقوبات عن إيران وفر لها موارد أنفقتها في دعم وكلائها في المنطقة لتثير التوتر وتغذي الصراعات وتدعم الإرهاب بها. ووفقاً لهذا الموقف، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في الثامن من مايو 2018، واتبعت “استراتيجية للضغوط القصوى” من خلال فرض عقوبات أمريكية شديدة على إيران، بهدف إرغام طهران على القبول بالتفاوض حول اتفاق نووي جديد، وكذلك حول برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي يهدد أمن الحلفاء الأمريكيين في الشرق الأوسط، بجانب تعديل السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة.
لم تستطع الولايات المتحدة إقناع الدول الخمس الأخرى بالانسحاب من الاتفاق، واستمرت في عقوباتها منفردة على إيران. ورغم نجاح هذه العقوبات في إضعاف القدرة الاقتصادية لإيران بصورة واضحة نسبياً، فإنها لم تحقق الهدف الأمريكي منها، إذ لم تقدم إيران على إعادة التفاوض، بل اتجهت إلى مزيد من التصعيد، وتخلت عن بعض التزاماتها في الاتفاق النووي، وزادت ترسانتها الصاروخية في تحدٍّ واضح للإدارة الأمريكية بل وللمجتمع الدولي كله، ومؤخراً قامت بخطوة استفزازية واختبرت صواريخ كروز ذات مدايات قريبة وبعيدة أثناء مناورات في مياه بحر عُمان وشمال المحيط الهندي في يونيو 2020.
وإزاء هذا الموقف الإيراني المتعنت، ومع اقتراب موعد التمديد التلقائي لتخفيف العقوبات الدولية على إيران، سعت الولايات المتحدة إلى منع هذا التمديد من خلال مجلس الأمن في 14 أغسطس 2020، لكن تم رفض هذا المنع. ولذلك قدمت واشنطن يوم الخميس الموافق 20 أغسطس طلباً رسمياً إلى مجلس الأمن لتفعيل آلية الزناد، أي الإعادة التلقائية للعقوبات الشاملة على إيران لعدم التزامها بالاتفاق النووي والقرار 2231. وهذه الآلية تتيح للدول الأعضاء إعادة تطبيق جميع العقوبات الدولية على إيران من جانب واحد بعد أن تم رفعها كجزء من الاتفاق النووي.
إن لدى الولايات المتحدة العديد من الدوافع لإعادة فرض العقوبات على إيران، من أهمها: إنجاح استراتيجيتها للضغط على إيران وإجبارها على الإعلان عن قبول إعادة التفاوض حول برنامجيها النووي والصاروخي لتحقيق إنجاز يُحسب لإدارة ترامب قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة بغض النظر عن تنفيذ التفاوض من عدمه؛ لأن الانجاز هو إعلان إيران عن قبول التفاوض وليس تنفيذه. ويرتبط بذلك مراعاة وضمان أمن إسرائيل – الخصم الإقليمي لإيران – الذي سيجتذب أصوات اليهود الأمريكيين لترامب. ومن الدوافع الأمريكية أيضاً تأكيد التحالف مع دول الخليج العربي، خاصة السعودية والإمارات والبحرين، حيث تتعرض مصالحها الأمنية والاقتصادية للتهديد نتيجة تحركات إيران وسياساتها تجاه الخليج. كما أن إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة – إذا حصلت – ستُلزم طهران بتعليق كل الأنشطة النووية المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، ومنها الأبحاث والتطوير، وتفرض كذلك حظر استيراد أي مواد قد تسهم في تلك الأنشطة، كما يعيد الإجراء فرض حظر الأسلحة ويمنع إيران من تطوير أسلحة باليستية قادرة على حمل أسلحة نووية، بالإضافة إلى ذلك، تعيد آلية “سناب باك” عقوبات محددة على عشرات الأفراد والكيانات.
لماذا لم يدعم الشركاء موقف الولايات المتحدة؟
لم تعوِّل الولايات المتحدة كثيراً على دعم روسيا والصين لتحركاتها الأخيرة لتجديد العقوبات الدولية على إيران؛ وهذا أمر منطقي في ظل التنافس معهما وغلبة التوتر على علاقات واشنطن بالبلدين في العديد من القضايا والمناطق. ويضاف إلى ما سبق اتجاه إيران نحو مزيد من التقارب مع روسيا والصين يُنذر بوجود تكتل ثلاثي مضاد للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. بل إن المعاهدة الاستراتيجية الممتدة إلى 25 عامًا بين إيران والصين والتي تم توقيعها مؤخراً، والمعروفة إعلامياً باسم “ميثاق الأسد والتنين”، مؤشر على قوة العلاقة بين الصين وإيران. وتشير التقديرات إلى اتجاه إيران لعقد اتفاق مشابه مع روسيا، ولذلك أرادت روسيا احتواء موقف الولايات المتحدة فدعت لاجتماع علني لمجلس الأمن بشأن إيران، لكن لم يتم الاستجابة لهذه الدعوة.
أما الموقف الأوروبي فقد جاء صادماً للولايات المتحدة، وقد وصفه وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، بقوله إن من المؤسف أن الأعضاء الأوروبيين في مجلس الأمن امتنعوا عن دعم المساعي الأمريكية لتمديد حظر الأسلحة، وإن تلك الخطوة “تجعل الأوروبيين أقل أماناً… فلا توجد دولة سوى الولايات المتحدة الأمريكية امتلكت الشجاعة والقناعة لتقديم مشروع قرار مماثل، فالأوروبيون اختاروا الانحياز إلى طهران.. إن أصدقاءنا في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا قالوا لي في مجالس خاصة إنهم لا يريدون لحظر السلاح (المفروض على إيران) أن يُرفع”!
وقد أصدرت الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) بياناً مشتركاً رافضاً للموقف الأمريكي، رداً على طلبها تفعيل ما يسمى آلية «سناب باك»، بل وعارضت المسعى الأمريكي داخل مجلس الأمن.
وفي البيان أجملت الدول الثلاث دوافعها لرفض الموقف الأمريكي في ثلاثة أسباب أساسية، هي:
إن واشنطن – أحد الأطراف الستة المشاركة في التوقيع على الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ – قد انسحبت منه عام 2018، وبالتالي فإنها «فقدت صفة الطرف المشارك»، وفقدت «أهلية» تفعيل آلية “سناب باك”. فلم تقبل الدول الأوروبية التفسير القانوني الأمريكي الذي يفصل بين صفة الدولة «المشاركة» المنصوص عليها في القرار الدولي رقم (2231)، وهي دائمة، وبين الانسحاب من الاتفاق. ويرى الطرف الأمريكي أن منطوق الفقرة ذات الصلة لا تقول إن الانسحاب من الاتفاق يُفقد الولايات المتحدة صفة الطرف «المشارك».
المبادرة الأمريكية «لا تتجانس» مع جهود الدول الثلاث الراهنة للمحافظة على «خطة العمل الشاملة»؛ أي الاتفاق النووي على الرغم من تخلي طهران عن كثير من بنوده إلى حد أنها أفرغته من محتواه. ففي مقابل استراتيجية «الضغوط القصوى» الأمريكية، يطرح الأوروبيون استراتيجية «الحوار بين جميع المشاركين في إطار اللجنة المشتركة، وفي آلية فض النزاعات».
الرغبة في المحافظة على المسارات والمؤسسات التي تشكل أسس التعددية، وتحديداً المحافظة على وحدة وسلامة وهيبة مجلس الأمن الدولي.
إن الدول الأوروبية تدرك التهديد الذي تمثله إيران إذا ما استمرت في تخليها عن التزاماتها في الاتفاق النووي، وقد طالبت مجلس الأمن سابقا بحث إيران على الحفاظ على التزاماتها في الاتفاق، ولعل فرنسا كانت الأكثر تقديما لهذه المطالبات، بل ومطالبة إيران ذاتها بالالتزام سابقاً وحتى في هذا البيان، ورغم هذا لم تدعم الدول الثلاث الموقف الأمريكي لتقويض التهديد الإيراني، ولم تُقدِّم بديلاً فعالاً للسياسة الامريكية لهذا الغرض، وقد تطالها عقوبات الولايات المتحدة الأحادية التي تتمسك بها في مواجهة إيران.
ونتيجة لهذا الإدراك سوف تعقد اللجنة المشتركة للاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني اجتماعاً في أول سبتمبر في فيينا، وفق ما أعلنت الدوائر الخارجية للاتحاد الأوروبي في 21 أغسطس، برئاسة الاتحاد الأوروبي، على أن تضم ممثلين للصين وفرنسا وألمانيا وروسيا وبريطانيا وإيران. ولذلك يفسر بعض المحللين الموقف الأوروبي بأنه يستهدف إحراج إدارة ترامب ومنعها من تحقيق إنجاز يحسب لها، رداً على مواقف هذه الإدارة تجاه أوروبا للضغط على دولها في العديد من القضايا.
ماذا يمكن الولايات المتحدة الأمريكية أن تفعل؟
من الناحية القانونية فإن لدى الولايات المتحدة بعض الإجراءات التي يمكنها اتخاذها، من أهمها:
استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي محاولة لتمديد الإعفاء من العقوبات.
ينص قرار مجلس الأمن لعام 2015 الذي يقر الاتفاق النووي على “أنه إذا لم يقدم أي عضو في المجلس مشروع قرار لتمديد تخفيف العقوبات على إيران في غضون 10 أيام من شكوى عدم الامتثال، فيجب على رئيس المجلس القيام بذلك في غضون الأيام العشرين المتبقية”. وينص قرار 2015 أيضا على أن المجلس “سيأخذ في الاعتبار آراء الدول المعنية”. وفي ضوء المعارضة القوية، لن يضطر رئيس مجلس الأمن لتقديم مشروع القرار. وهنا يمكن أن تضغط الولايات المتحدة على رئيس المجلس (إندونيسيا ثم النيجر من أول سبتمبر) لتقديم مشروع قرار يتم التصويت عليه، وربما تغير بعض الدول موقفها التصويتي، وهو ما ألمح إليه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومبعوث الولايات المتحدة بشأن إيران برايان هوك، بقولهما إن واشنطن تتوقع أن تطرح إندونيسيا أو النيجر نصا للتصويت.
يمكن للولايات المتحدة أن تقدم مشروع قرار بنفسها أو أن تطالب جمهورية الدومينيكان بذلك، باعتبارها الدولة الوحيدة التي لم تعارض طلب تفعيل آلية “سناب باك”.
أما من الناحية السياسية، فيمكن للولايات المتحدة أن تفعل ما يلي:
الاستمرار في العقوبات الأمريكية على إيران والمزيد من تشديدها في التطبيق، وهو ما أكده المبعوث الأمريكي المستقيل الخاص بإيران برايان هوك بقوله إن “واشنطن ليست بحاجة لإذن من أحد لتفعيل عقوبات إيران، ولا نهتم لمعارضة أي جهة لفرض العقوبات، فإيران تنتهك التزاماتها في الاتفاق النووي”. وأشار هوك إلى أن شروط تفعيل عقوبات إيران “سناب باك” متوافرة”.
تدرك الولايات المتحدة أن موقف الدول الشركاء في الاتفاق من مساعيها في مجلس الأمن هو نتاج علاقتها بالأطراف الدولية الأخرى، على خلفية توتراتها مع حلفائها الأوروبيين، فضلاً عن الخلاف مع روسيا والصين. وربما يمكنها الوصول لنقطة توافق على الأقل مع الشركاء الأوربيين لتفعيل الضغوط على إيران، وهذا ليس عبر مجلس الأمن؛ إذ يصعب على الدول الأوروبية المعنية تغيير موقفها الذي سارعت بإعلانه في بيانها المشترك، لكن ربما عبر توافقها على صيغة جديدة لمشروع قرار يتم تقديمه في مجلس الأمن أو بقرارات ثنائية.
اتخاذ سياسات يكون من شأنها إبطاء عملية بيع روسيا والصين أسلحة لإيران، فالمعروف أن روسيا والصين المورّدان الرئيسان للأسلحة لإيران، ومن ثم فإن لديهما رغبة في تأمين عقود جديدة معها، ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى الاتفاق الأخير طويل الأمد بين طهران وبكين للتعاون الاقتصادي والعسكري الذي تستهدف الأخيرة في جزء منه الانخراط في الشرق الأوسط.
يمكن للولايات المتحدة أن تركز إعلامياً على تشدد إيران لتأكيد التهديد الذي تمثله، حيث قامت مجموعة من النواب المتشدّدين في مجلس الشورى الإيراني بصياغة قانون من شأنه أن يلزم حكومة الرئيس روحاني الانسحاب من الاتفاق النووي، ووقع بالفعل حوالى 49 نائباً على مشروع القانون المُسمّى بـ“الانسحاب التلقائي”، الذي يستوجب انسحاب إيران من الاتفاقية في غضون 72 ساعة بعد إعادة فرض قرارات مجلس الأمن الخاصة بالعقوبات ضدها في حال تفعيل آلية “سناباك”.
خاتمة
لا تزال البدائل أمام الولايات المتحدة كثيرة من أجل تحقيق هدفها في تمديد حظر التسلح المفروض على إيران. وسوف تزيد أوراق القوة التي تملكها واشنطن من الضغوط المفروضة على إيران، خاصة مع استمرار طهران في محاولاتها فرض الهيمنة، وتسليح الميليشيات والجماعات الإرهابية التابعة لها، وإثارة القلاقل والمشكلات في محيطها الإقليمي، وما تمثله صواريخها البالستية من تهديد. كذلك فإن الشكوك التي لا تزال تكتنف الأغراض الحقيقية للبرنامج النووي الإيراني تجعل إيران مصدراً للقلق إقليمياً وعالمياً. وسوف تكون المصاعب السياسية والاقتصادية التي تواجهها إيران، وخاصة مع تبعات انتشار “كوفيد – 19” مصدراً آخر لضعف موقف إران أمام محاولات الولايات المتحدة كبح جماح إيران، والحد من قدرتها على تحدي المصالح الأمريكية في المنطقة.

» د. دلال محمود (باحثة متخصصة في الشؤون السياسية)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض