592 Web Analysis Cover 2 A

القانون الدولي الإنساني: للحرب قواعدها

خضعت‭ ‬الحرب‭ ‬دوماً‭ ‬لبعض‭ ‬المبادئ‭ ‬والأعراف‭ ‬التي‭ ‬تستمد‭ ‬قواعدها‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬القديمة‭ ‬والديانات،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬البشر‭ ‬أول‭ ‬ضحايا‭ ‬الحروب،‭ ‬بما‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬مآسٍ‭ ‬وإصابات‭ ‬وإعاقات‭ ‬وأمراض‭ ‬ووفيات‭ ‬وهجرات‭ ‬قسرية‭ ‬وأضرار‭ ‬للبيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضرر‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وغير‭ ‬مباشر‭. ‬ولعل‭ ‬أكبر‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬خلفته‭ ‬الحربان‭ ‬العالميتان‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬وخيمة‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬والبيئة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬لاتزال‭ ‬آثارها‭ ‬ماثلة‭ ‬ليومنا‭ ‬هذا‭ ‬بسبب‭ ‬حجم‭ ‬ونوع‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الأسلحة‭ ‬التقليدية‭ ‬وغير‭ ‬التقليدية‭. ‬

فقد‭ ‬شهدت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الاولى‭ (‬1918-1914‭) ‬فظاعات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬وعدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ ‬ناهز‭ ‬تسعة‭ ‬ملايين،‭ ‬من‭ ‬ضمنهم‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لم‭ ‬يَستشعر‭ ‬خطر‭ ‬الحرب‭ ‬الداهم‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬خلفت‭ ‬ستين‭ ‬مليون‭ ‬قتيل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬5‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬يومها‭. ‬وكان‭ ‬واضحاً‭ ‬أنَّ‭ ‬التقدم‭ ‬التقني‭ ‬والعسكري‭ ‬يُنبئ‭ ‬بأنَّ‭ ‬ضحايا‭ ‬الحرب‭ ‬سيكونون‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يقول‭ ‬الفيزيائي‭ ‬الألماني‭ ‬الشهير،‭ ‬ألبرت‭ ‬أنشتين،‭ ‬إنَّه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬ستكون‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثالثة،‭ ‬لكنه‭ ‬يشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬سيعيشون‭ ‬بعدها‭ ‬ليشهدوا‭ ‬الحرب‭ ‬الرابعة‭.‬

من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬تداعى‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لتبني‭ ‬مبادرة‭ ‬دولية‭ ‬لحماية‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬اعتبارها‭ ‬المعاهدات‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬السابقة،‭ ‬وتجارب‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭. ‬فكان‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬المهمة‭. ‬يعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬فرعاً‭ ‬من‭ ‬فروع‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬العام،‭ ‬وظهر‭ ‬كمصطلح‭ ‬بديل‭ ‬لمصطلح‭ ‬قانون‭ ‬الحرب،‭ ‬تغير‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬مصطلح‭ ‬قانون‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وظل‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬شائع‭ ‬الاستعمال‭ ‬لفترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة،‭ ‬ليتم‭ ‬استبداله‭ ‬بمصطلح‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭. ‬وقد‭ ‬تعددت‭ ‬تعريفات‭ ‬هذا‭ ‬القانون،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬اتفقت‭ ‬جميعها‭ ‬على‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬ويلات‭ ‬الحرب‭.‬

ما‭ ‬هو‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني؟‭ ‬

القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬هو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬ترمي‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬لدوافع‭ ‬إنسانية‭. ‬فقد‭ ‬اتفق‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فعله‭ ‬أثناء‭ ‬النزاع‭ ‬المسلح،‭ ‬وتهدف‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وحماية‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يشاركون‭ ‬أو‭ ‬الذين‭ ‬يكفون‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية،‭ ‬وقد‭ ‬أطلق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬أو‭ ‬قانون‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬قانون‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭. ‬وهذا‭ ‬القانون‭ ‬يقيد‭ ‬وسائل‭ ‬وأساليب‭ ‬الحرب،‭ ‬والهدف‭ ‬الأسمى‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬تقديم‭ ‬الحماية‭ ‬للمدنيين،‭ ‬وضمان‭ ‬بقائهم‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وإنقاذ‭ ‬الأرواح،‭ ‬والتخفيف‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬الانسانية،‭ ‬وحماية‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬دونها‭ ‬تكون‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬مستحيلة‭.‬

وينبغي‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬سلوك‭ ‬الأطراف‭ ‬المنخرطة‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬‮«‬القانون‭ ‬في‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يكرسه‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والذي‭ ‬ينظم‭ ‬مدى‭ ‬قانونية‭ ‬لجوء‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬المسلحة‭ ‬ضد‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬شن‭ ‬الحرب‮»‬‭. ‬ويحظر‭ ‬الميثاق‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة،‭ ‬ولكنه‭ ‬يتضمن‭ ‬استثناءين‭ ‬هما‭: ‬الأول‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬ضد‭ ‬هجوم‭ ‬مسلح،‭ ‬والاستثناء‭ ‬الثاني‭ ‬عندما‭ ‬يخوّل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬المسلحة‭. ‬ولا‭ ‬يبحث‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬أسباب‭ ‬مشروعة‭ ‬وراء‭ ‬انطلاق‭ ‬شرارة‭ ‬النزاع‭ ‬من‭ ‬عدمه،‭ ‬وإنما‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬سلوك‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬فور‭ ‬اندلاعه‭.‬

أصول‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬

يعود‭ ‬أصل‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬إلى‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬فخلال‭ ‬معركة‭ ‬سلفرينو‭ (‬1859‭) ‬بين‭ ‬جيش‭ ‬نابليون‭ ‬الثالث‭ ‬والجيش‭ ‬النمساوي،‭ ‬وقف‭ ‬السويسري‭ ‬‮«‬هنري‭ ‬دوناند‮»‬‭ ‬على‭ ‬فظاعة‭ ‬الحرب،‭ ‬فقرر‭ ‬نقل‭ ‬الجرحى‭ ‬والقتلى‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مجاني‭ ‬من‭ ‬جبهات‭ ‬القتال‭ ‬ودون‭ ‬تمييز‭ ‬إلى‭ ‬البلدة‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬الحرب‭ ‬تلك،‭ ‬ونشر‭ ‬دوناند‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1862‭ ‬كتابا‭ ‬عنونه‭ ‬بــ‭ ‬‮«‬ذكريات‭ ‬من‭ ‬سلفرينو‮»‬‭ ‬ضمَّنهُ‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬الجنود‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬واقترح‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬الدول‭ ‬لمنظمات‭ ‬إنسانية‭ ‬محايدة‭ ‬بعلاج‭ ‬الجنود‭ ‬خلال‭ ‬الحروب‭.‬

بدأ‭ ‬تدوين‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتماد‭ ‬اتفاقية‭ ‬جنيف‭ ‬لعام‭ ‬1864‭ ‬لتحسين‭ ‬حالة‭ ‬المرضى‭ ‬والجرحى‭ ‬بالجيوش‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬وإعلان‭ ‬سان‭ ‬بطرسبورغ‭ ‬لعام‭ ‬1868‭ ‬الذي‭ ‬يحظر‭ ‬استعمال‭ ‬قذائف‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭. ‬ووضعت‭ ‬الدول‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬العملية‭ ‬لمواكبة‭ ‬تطور‭ ‬وسائل‭ ‬وأساليب‭ ‬الحرب‭ ‬ومواجهة‭ ‬العواقب‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تخلّفها‭. ‬وتحقق‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬توازناً‭ ‬دقيقاً‭ ‬بين‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمقتضيات‭ ‬العسكرية‭ ‬للدول‭ ‬والأطراف‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الدول‭ ‬المنخرطة‭ ‬في‭ ‬نزاع‭ ‬مسلح‭. ‬وهي‭ ‬تتناول‭ ‬مجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬تتضمن‭: ‬حماية‭ ‬الجرحى‭ ‬والمرضى‭ ‬والغرقى‭ ‬‮«‬المنكوبين‭ ‬في‭ ‬البحار‮»‬‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬ومعاملة‭ ‬أسرى‭ ‬الحرب‭ ‬والمحتجزين‭ ‬لأسباب‭ ‬تتعلق‭ ‬بنزاع‭ ‬مسلح،‭ ‬وحماية‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين،‭ ‬والقيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬أسلحة‭ ‬وأساليب‭ ‬معينة‭ ‬للقتال‭.‬

مصادر‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬

اتفاقيات‭ ‬جنيف‭ ‬وبروتوكولاتها‭ ‬الإضافية،‭ ‬معاهدات‭ ‬دولية‭ ‬تضم‭ ‬أكثر‭ ‬القواعد‭ ‬أهمية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬همجية‭ ‬الحروب‭. ‬وتوفر‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الحماية‭ ‬للأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭ ‬‮«‬المدنيون،‭ ‬وعمال‭ ‬الصحة،‭ ‬وعمال‭ ‬الإغاثة‮»‬‭ ‬والذين‭ ‬توقفوا‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭ ‬‮«‬الجرحى،‭ ‬والمرضى،‭ ‬وجنود‭ ‬السفن‭ ‬الغارقة،‭ ‬وأسرى‭ ‬الحرب‮»‬‭. ‬تقع‭ ‬اتفاقيات‭ ‬جنيف‭ ‬وبروتوكولاتها‭ ‬الإضافية‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وهي‭ ‬عصب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬السلوك‭ ‬أثناء‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تأثيراتها‭.‬

شكلت‭ ‬‮«‬اتفاقيات‭ ‬جنيف‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬والثالثة‭ ‬والرابعة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بتصديق‭ ‬عالمي،‭ ‬المبادئ‭ ‬الجوهرية‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭. ‬وقد‭ ‬استُكملت‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬عام‭ ‬1977‭ ‬بالبروتوكول‭ ‬الإضافي‭ ‬الأول‭ ‬المتعلق‭ ‬بحماية‭ ‬ضحايا‭ ‬المنازعات‭ ‬المسلحة‭ ‬والبروتوكول‭ ‬الاضافي‭ ‬الثاني‭ ‬المعني‭ ‬بحماية‭ ‬ضحايا‭ ‬المنازعات‭ ‬المسلحة‭ ‬غير‭ ‬الدولية‭. ‬وتوجد‭ ‬معاهدات‭ ‬دولية‭ ‬أخرى‭ ‬تحظر‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬وأساليب‭ ‬معينة‭ ‬للحرب‭ ‬وتحمي‭ ‬فئات‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬المعاهدات‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

‭ ‬بروتوكول‭ ‬عام‭ ‬1925‭ ‬الخاص‭ ‬بحظر‭ ‬الاستعمال‭ ‬الحربي‭ ‬للغازات‭ ‬الخانقة‭ ‬أو‭ ‬السامة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابهها‭.‬

•‭ ‬اتفاقية‭ ‬1954‭ ‬لحماية‭ ‬الممتلكات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬نزاع‭ ‬مسلح‭ ‬وبروتوكولاها‭ ‬لعام‭ ‬1954‭ ‬و1999‭.‬

•‭ ‬اتفاقية‭ ‬عام‭ ‬1972‭ ‬لحظر‭ ‬استحداث‭ ‬وإنتاج‭ ‬وتخزين‭ ‬الأسلحة‭ ‬البكتريولوجية‭ ‬‮«‬البيولوجية‮»‬‭ ‬والتكسينية‭ ‬وتدمير‭ ‬تلك‭ ‬الأسلحة‭.‬

•‭ ‬اتفاقية‭ ‬عام‭ ‬1976‭ ‬لحظر‭ ‬استخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬لأغراض‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬لأية‭ ‬أغراض‭ ‬عدائية‭ ‬أخرى‭.‬

•‭ ‬اتفاقية‭ ‬عام‭ ‬1980‭ ‬بشأن‭ ‬حظر‭ ‬أو‭ ‬تقييد‭ ‬استعمال‭ ‬أسلحة‭ ‬تقليدية‭ ‬معينة،‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬مفرطة‭ ‬الضرر،‭ ‬وبروتوكولاتها‭ ‬الخمسة‭ ‬لعام‭ ‬1980‭ ‬‮«‬البروتوكول‭ ‬الأول‭ ‬والثاني‭ ‬والثالث‮»‬،‭ ‬ولعام‭ ‬1995‭ ‬‮«‬البروتوكول‭ ‬الرابع‮»‬،‭ ‬ولعام‭ ‬2003‭ ‬‮«‬البروتوكول‭ ‬الخامس‮»‬‭.‬

•‭ ‬اتفاقية‭ ‬عام‭ ‬1993‭ ‬بشأن‭ ‬حظر‭ ‬استحداث‭ ‬وإنتاج‭ ‬وتخزين‭ ‬واستعمال‭ ‬الأسلحة‭ ‬الكيميائية‭ ‬وتدمير‭ ‬تلك‭ ‬الأسلحة‭. ‬

•‭ ‬اتفاقية‭ ‬عام‭ ‬1997‭ ‬بشأن‭ ‬حظر‭ ‬استعمال‭ ‬وتخزين‭ ‬وإنتاج‭ ‬ونقل‭ ‬الألغام‭ ‬المضادة‭ ‬للأفراد‭ ‬وتدمير‭ ‬تلك‭ ‬الألغام‭. ‬

•‭ ‬البروتوكول‭ ‬الاختياري‭ ‬لاتفاقية‭ ‬حقوق‭ ‬الأطفال‭ ‬لعام‭ ‬2000‭ ‬بشأن‭ ‬اشتراك‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭.‬

•‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الدولية‭ ‬لعام‭ ‬2006‭ ‬بشأن‭ ‬حماية‭ ‬جميع‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬الاختفاء‭ ‬القسري‭.‬

•‭ ‬اتفاقية‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬بشأن‭ ‬الذخائر‭ ‬العنقودية‭.‬

مبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني

1‭ ‬

التوازن‭ ‬بين‭ ‬الضرورتين‭ ‬العسكرية‭ ‬والإنسانية‭:‬‭ ‬يستند‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬إلى‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الضرورة‭ ‬العسكرية‭ ‬والإنسانية‭. ‬فهـو‭ ‬يقـر‭ ‬مـن‭ ‬ناحيـة‭ ‬أنـه‭ ‬للتغلـب‭ ‬علـى‭ ‬طـرف‭ ‬معـاد‭ ‬فـي‭ ‬زمـن‭ ‬الحـرب،‭ ‬قــد‭ ‬يكــون‭ ‬مــن‭ ‬الضــروري‭ ‬مــن‭ ‬الناحيــة‭ ‬العســكرية‭ ‬التســبب‭ ‬فــي‭ ‬الوفــاة‭ ‬والإصابة‭ ‬والتدميـر‭ ‬وفـرض‭ ‬تدابيـر‭ ‬أمنيـة‭ ‬أشـد‭ ‬ممـا‭ ‬يسـمح‭ ‬بـه‭ ‬فـي‭ ‬زمـن‭ ‬السـلم‭. ‬وهـو‭ ‬يوضـح‭ ‬مـن‭ ‬ناحيـة‭ ‬أخـرى‭ ‬أن‭ ‬الضـرورة‭ ‬العسـكرية‭ ‬لا‭ ‬تمنـح‭ ‬أطـراف‭ ‬النـزاع‭ ‬حقاً‭ ‬مطلقاً‭ ‬في‭ ‬شن‭ ‬حرب‭ ‬بلا‭ ‬قيود‭. ‬بـل‭ ‬تفـرض‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬حـدوداً‭ ‬معينـة‭ ‬علـى‭ ‬وسـائل‭ ‬وأســاليب‭ ‬القتــال،‭ ‬وتلــزم‭ ‬بمعاملــة‭ ‬مــن‭ ‬وقعــوا‭ ‬فــي‭ ‬قبضــة‭ ‬العــدو‭ ‬معاملــة‭ ‬إنســانية‭.‬

2‭ ‬

التمييز‭:‬‭ ‬يعـد‭ ‬مبـدأ‭ ‬التمييـز‭ ‬حجـر‭ ‬زاويـة‭ ‬القانـون‭ ‬الدولـي‭ ‬الإنساني‭. ‬وهـو‭ ‬يسـتند‭ ‬إلـى‭ ‬الإقرار‭ ‬بـأن‭ ‬الغـرض‭ ‬الشـرعي‭ ‬الوحيـد‭ ‬الـذي‭ ‬تسـتهدفه‭ ‬الـدول‭ ‬أثناء‭ ‬الحـرب‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬قـوات‭ ‬العدو‭ ‬العسكرية،‭ ‬فـي‭ ‬حيـن‭ ‬يتمتع‭ ‬السـكان‭ ‬المدنيون‭ ‬بحماية‭ ‬عامة‭ ‬ضد‭ ‬المخاطر‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬العمليات‭ ‬العسـكرية‭. ‬وبالتالـي‭ ‬يجـب‭ ‬علـى‭ ‬أطـراف‭ ‬النـزاع‭ ‬أن‭ ‬تميز‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الحالات‭ ‬بين‭ ‬السـكان‭ ‬المدنيين‭ ‬والمقاتلين‭ ‬وبين‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬توجه‭ ‬عملياتها‭ ‬ضد‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭.‬

3‭ ‬

التناسب‭:‬‭ ‬عندمـا‭ ‬لا‭ ‬يمكـن‭ ‬تفـادي‭ ‬إحـداث‭ ‬الضـرر‭ ‬بيـن‭ ‬المدنييـن،‭ ‬فـإن‭ ‬الأمـر‭ ‬يخضـع‭ ‬لمبـدأ‭ ‬التناسـب‭. ‬ومـن‭ ‬ثـم‭ ‬يتعيـن‭ ‬علـى‭ ‬مـن‭ ‬يخططـون‭ ‬أو‭ ‬يقـررون‭ ‬هجومـاً‭ ‬الامتنـاع‭ ‬عنـه‭ ‬أو‭ ‬يتعيـن‭ ‬عليهـم‭ ‬تعليـق‭ ‬الهجـوم‭ ‬الـذي‭ ‬يمكـن‭ ‬أن‭ ‬يتوقـع‭ ‬منـه‭ ‬أن‭ ‬يسـبب‭ ‬خسـارة‭ ‬فـي‭ ‬أرواح‭ ‬المدنييـن‭ ‬أو‭ ‬إصابتهـم‭ ‬أو‭ ‬اضـرار‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬المدنيـة،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يحـدث‭ ‬خليطـاً‭ ‬مـن‭ ‬هـذه‭ ‬الخسـائر‭ ‬والأضـرار،‭ ‬يفـرط‭ ‬فـي‭ ‬تجـاوز‭ ‬مـا‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬يسـفر‭ ‬عنه‭ ‬ذلك‭ ‬الهجوم‭ ‬من‭ ‬ميزة‭ ‬عسـكرية‭ ‬ملموسـة‭ ‬ومباشرة‭. ‬

4‭ ‬

المعاناة‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭: ‬لا‭ ‬يحمـي‭ ‬القانـون‭ ‬الدولـي‭ ‬الإنساني‭ ‬المدنييـن‭ ‬مـن‭ ‬آثـار‭ ‬العمليـات‭ ‬العدائيـة‭ ‬فحسـب،‭ ‬بـل‭ ‬يحظر‭ ‬أيضاً‭ ‬أو‭ ‬يقيـد‭ ‬وسـائل‭ ‬وأسـاليب‭ ‬القتـال‭ ‬التـي‭ ‬يعتبـر‭ ‬أنهـا‭ ‬تُحدث‭ ‬معاناة‭ ‬غير‭ ‬ضروريـة‭ ‬أو‭ ‬إصابـة‭ ‬مفرطـة‭ ‬بيـن‭ ‬الأطـراف‭ ‬المتحاربـة‭. ‬ومنـذ‭ ‬وقـت‭ ‬مبكـر‭ ‬يعـود‭ ‬إلـى‭ ‬عام‭ ‬1868،‭ ‬أقر‭ ‬إعلان‭ ‬سان‭ ‬بطرسبورغ‭ ‬أن‭ ‬الغرض‭ ‬الشرعي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬تستهدفه‭ ‬الدول‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية‭ ‬للعدو‭. ‬

القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬والتقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬

أسفرت‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬عن‭ ‬ظهور‭ ‬وسائل‭ ‬وأساليب‭ ‬جديدة‭ ‬للحرب،‭ ‬مثل‭ ‬الهجمات‭ ‬السيبرانية،‭ ‬والطائرات‭ ‬المُسيّرة‭ ‬بدون‭ ‬طيار،‭ ‬والروبوتات‭ ‬المسلحة،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬تحديات‭ ‬إنسانية‭ ‬وقانونية‭ ‬جديدة‭. ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬جداً‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬عند‭ ‬تطوير‭ ‬أو‭ ‬حيازة‭ ‬سلاح‭ ‬أو‭ ‬وسيلة‭ ‬أو‭ ‬أسلوب‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أساليب‭ ‬الحرب‭ ‬أن‭ ‬تقيّم‭ ‬امتثال‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة‭ ‬والأساليب‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تطبيق‭ ‬قواعد‭ ‬قانونية‭ ‬موجودة‭ ‬مسبقاً‭ ‬على‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬جديدة،‭ ‬قد‭ ‬يثير‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬كفاية‭ ‬وضوح‭ ‬هذه‭ ‬القواعد،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الخصائص‭ ‬المميزة‭ ‬لتلك‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬والأثر‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬التكهن‭ ‬به‭.‬

يواجه‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬تحديات‭ ‬مستمرة‭ ‬جراء‭ ‬تطور‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬المعاصرة‭ ‬وتطور‭ ‬أدواتها‭ ‬وأساليبها،‭ ‬ويعتمد‭ ‬تحقيق‭ ‬حماية‭ ‬أكبر‭ ‬للمدنيين‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬وتنفيذه‭ ‬وإنفاذه‭. ‬

يشكل‭ ‬المدنيون‭ ‬الضحايا‭ ‬الرئيسيين‭ ‬لانتهاكات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬الدول‭ ‬وأطراف‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬المعاصرة‭.‬‭ ‬وما‭ ‬فتئت‭ ‬طبيعة‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬المعاصرة‭ ‬تفرض‭ ‬تحديات‭ ‬حيال‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬واحترامه‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مجالات،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬تصنيف‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭. ‬وهناك‭ ‬حاجة‭ ‬لفهم‭ ‬تلك‭ ‬التحديات‭ ‬والاستجابة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬استمرار‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬مهمته‭ ‬بتوفير‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬النزاع‭ ‬المسلح‭.‬

دخل‭ ‬نسق‭ ‬متنوع‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬الحديثة،‭ ‬فقد‭ ‬أفسح‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكتروني‭ ‬المجال‭ ‬لإمكانية‭ ‬شن‭ ‬نوع‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الحروب،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ازداد‭ ‬استخدام‭ ‬أطراف‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬لمنظومات‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬يُتحكَّم‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬مثل‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭. ‬ويزداد‭ ‬استخدام‭ ‬منظومات‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأوتوماتيكية،‭ ‬وتُجرى‭ ‬دراسة‭ ‬أنظمة‭ ‬ذاتية‭ ‬بعينها‭ ‬مثل‭ ‬الروبوت‭ ‬المقاتل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬بالمستقبل‭. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬ثمة‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬انطباق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة‭ ‬الجديدة‭ ‬وعلى‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تطرح‭ ‬وسائل‭ ‬وأساليب‭ ‬الحرب‭ ‬الجديدة‭ ‬تلك،‭ ‬تحديات‭ ‬قانونية‭ ‬وعملية‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬ضمان‭ ‬استخدامها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يمتثل‭ ‬لقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬القائمة،‭ ‬وإيلاء‭ ‬الاعتبار‭ ‬الواجب‭ ‬للتداعيات‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتوقعة‭ ‬جراء‭ ‬استخدامها‭.‬

القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬والبيئة

يهدف‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين‭ ‬خلال‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬وضمان‭ ‬بقائهم‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭. ‬ومن‭ ‬ثمة،‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬دونها‭ ‬تكون‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬مستحيلة‭. ‬

يراعي‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬من‭ ‬ناحيتين‭:‬

الأولى‭: ‬بموجب‭ ‬أحكامه‭ ‬العامة‭.‬

الثانية‭: ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بعض‭ ‬الأحكام‭ ‬الإضافية‭ ‬الخاصة‭. ‬

وتنطبق‭ ‬الأحكام‭ ‬العامة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بسير‭ ‬العمليات‭ ‬العدائية‭ ‬على‭ ‬البيئة،‭ ‬إذ‭ ‬تكون‭ ‬البيئة‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬مدنية‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬بالتالي‭ ‬شن‭ ‬هجمات‭ ‬ضدها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تم‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬عسكري‭. ‬كما‭ ‬يتعيّن‭ ‬مراعاة‭ ‬التدمير‭ ‬الذي‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬البيئة‭ ‬عند‭ ‬تقييم‭ ‬مدى‭ ‬التناسب‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬أهداف‭ ‬عسكرية‭. ‬وقد‭ ‬أضاف‭ ‬البروتوكول‭ ‬الأول‭ ‬نصاً‭ ‬خاصاً‭ ‬لحظر‭ ‬‮«‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬أو‭ ‬أساليب‭ ‬للقتال،‭ ‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يتوقع‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تلحق‭ ‬بالبيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬أضراراً‭ ‬بالغة‭ ‬وواسعة‭ ‬الانتشار‭ ‬وطويلة‭ ‬الأمد‮»‬‭. ‬كما‭ ‬يحظر‭ ‬البروتوكول‭ ‬هجمات‭ ‬الردع‭ ‬التي‭ ‬تشن‭ ‬ضد‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الانتقام‭. ‬ويعتبر‭ ‬نظام‭ ‬روما‭ ‬الأساسي‭ ‬للمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬لعام‭ ‬1998‭ ‬جريمة‭ ‬حرب‭ ‬كل‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تلحق‭ ‬ضرراً‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬وطويل‭ ‬الأجل‭ ‬وشديداً‭ ‬بالبيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬وينتهك‭ ‬مبدأ‭ ‬التناسب‭. ‬وتحظر‭ ‬أحكام‭ ‬خاصة‭ ‬أخرى‭ ‬تدمير‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬ومرافق‭ ‬مياه‭ ‬الشرب‭ ‬بقصد‭ ‬إلحاق‭ ‬أضرار‭ ‬بالسكان‭ ‬المدنيين‭. ‬وهكذا،‭ ‬اعتمد‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬عام‭ ‬1977‭ ‬اتفاقية‭ ‬بشأن‭ ‬حظر‭ ‬استخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬لأغراض‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬لأية‭ ‬أغراض‭ ‬عدائية‭ ‬أخرى‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يشار‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬بمعاهدة‭ ‬‮«‬التغيير‭ ‬البيئي‮»‬‭. ‬وتشمل‭ ‬التقنيات‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الاتفاقية‭ ‬كل‭ ‬أسلوب‭ ‬يستخدَم‭ ‬لإحداث‭ ‬تغيير‭ ‬‮«‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التحكم‭ ‬عن‭ ‬بقصد‭ ‬بالعمليات‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬ديناميات‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬تركيبها‭ ‬أو‭ ‬بنيتها‮»‬‭. ‬وتعهدت‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬بعدم‭ ‬استخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬تحدث‭ ‬تغييراً‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬‮«‬تكون‭ ‬لها‭ ‬آثار‭ ‬واسعة‭ ‬الانتشار‭ ‬أو‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬أو‭ ‬شديدة،‭ ‬كوسيلة‭ ‬لإلحاق‭ ‬الدمار‭ ‬أو‭ ‬الخسائر‭ ‬أو‭ ‬الأضرار‭ ‬بأية‭ ‬دولة‭ ‬طرف‭ ‬أخرى‮»‬‭.‬

‮»‬‭ ‬العقيد‭ ‬المتقاعد‭ ‬المهندس‭ ‬خالد‭ ‬العنانزة

(مستشار‭ ‬ومدرب‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬والسلامة‭ ‬المهنية‭(

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض