القاتل الصامت.. الأدوار الدفاعية والهجومية لأسراب الطائرات الانتحارية المسيرة

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

بدأت الطائرات المسيرة «الانتحارية»، أو ما يعرف باسم «الذخيرة الجوالة» أو «الذخيرة المتسكعة» (Loitering munition) بالانتشار في مختلف دول العالم.

ويقصد بها تلك الطائرات المسيرة المجهزة برؤوس حربية مدمجة في جسم الطائرة نفسها، والتي تحوم فوق المنطقة المستهدفة، حتى يتم تحديد الهدف المراد تدميره بدقه، والتي لا تكون إحداثياته معروفة بدقة عند إطلاق الطائرة الانتحارية المسيرة.

تتمتع الطائرات الانتحارية المسيرة بمزايا يتمثل أبرزها في دقتها في إصابة الهدف، مقارنة بأنظمة المدفعية التقليدية، ما يقلل من فرص سقوط الضحايا من المدنيين. كما أنها تفوق القنابل غير الموجهة من حيث الدقة.

ولذا، فإن الطائرات المسيرة الانتحارية تعتبر سلاحاً هجومياً فعّالاً يتوقع أن يكون له تداعيات على ساحة المعارك المستقبلية، بشقيه الدفاعي والهجومي على حد سواء.

مزايا المسيرات الانتحارية

تجمع الطائرات المسيرة الانتحارية بين سمات الصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة التقليدية، وإن اختلفت عن كليهما. فهي وإن استخدمت نفس المحرك الموجود في الصواريخ المجنحة، فإنها تختلف عنها في كونها مصممة لكي «تجول» حول المنطقة المستهدفة لفترة طويلة نسبياً حتى تتمكن من تحديد الهدف المراد تدميره. بينما تختلف عن الطائرات المسيرة التقليدية في كون الرأس الحربي مدمجاً في جسم الطائرة، ولذا فهي مخصصة للاستخدام لمرة واحدة فقط. وبالأخذ في الاعتبار هذه الاختلافات، يمكن سرد عدد من المزايا التي تمنحها هذه المنظومات القتالية للقوات المتحاربة في أرض المعركة:

صعوبة الرصد والاستكشاف: تتمتع أسراب الطائرات المسيرة الانتحارية بمزايا عدة، أبرزها أنها خفيفة الحجم، ويصعب تعقبها، كما أن نشرها بأعداد كبيرة في صورة أسراب تجعل نظم الدفاع الجوي عاجزة عن إسقاط أغلبها، حتى وإن تمكنت من رصدها، وبالنظر إلى انخفاض تكلفة إنتاج الطائرات المسيرة الانتحارية، فإنها تحقق ميزة هجومية كبيرة للطرف المستخدم لها.

استجابة تكتيكية سريعة: تتيح الذخائر الجوالة المراقبة المستمرة لمنطقة واسعة، وكذلك الاشتباك السريع ضد الأهداف المخفية للعدو فور ظهورها، وإن لفترة قصيرة، بما يمنح للدولة المستخدمة لهذه التقنية السيطرة على ساحة المعركة السريعة. ولذلك يقارن البعض بينها وبين الصياد المتيقظ أثناء التجول، إذ أنه يراقب ويصبر وينتظر حتى يكشف الهدف عن نفسه، ثم ينقض عليه في الوقت المناسب.

أسراب موجهة: يمكن للطائرات المسيرة الانتحارية العمل في «أسراب» مكونة من عشرات الطائرات لمهاجمة هدف معين للتأكد من تدميره، أو اختراق نظم الدفاع الجوي المعادية، وتفجير الهدف الذي يتم حمايته. وتساعد نظم الذكاء الاصطناعي في توجيه هذه النظم، فبالنظر إلى أنها مكونة من أسراب تضم العشرات من الطائرات المسيّرة، فإنه لا يتم توجيهها جميعاً من قبل طيار أرضي بالضرورة، ولكن يتم الاعتماد على نظم الذكاء الاصطناعي في تحديد مواقع الوحدات العسكرية للخصم والارتطام بها وتدميرها.

أغراض هجومية ودفاعية

تساعد الطائرات المسيّرة الانتحارية على القيام بعدد من الوظائف الهجومية والدفاعية على حد سواء، وهو ما يتضح في التالي:

أدوار هجومية: تسعى بعض الدول إلى توظيف أسراب الطائرات المسيرة الانتحارية لتدمير نظم الدفاع الجوي المعادية للخصم. ففي العرض السنوي ليوم الجيش في العاصمة الهندية نيودلهي مطلع العام 2021، تم عرض سرب من الطائرات المسيرة الانتحارية، المكون من 75 طائرة مسيرة، وهي تقوم بكفاءة بقمع أو تدمير دفاعات العدو الجوية، والتي تعمل بشكل مستقل لتحديد الأهداف والارتطام بها بهدف تدميرها ويلاحظ أن هذه الطائرات المسيرة تجبر نظم الدفاع الجوي للعدو على تشغيل رادارات الدفاع الجوي الخاص به، مما يمكن هذه الطائرات المسيرة من تحديد مواقعها، والارتطام بها، حتى لو تمت خسارة بعض هذه الطائرات أثناء عملية تحديد مواقع هذه الرادارات
ولا يقتصر استخدام الطائرات الانتحارية على تدمير نظام الدفاع الجوي للعدو وحسب، بل تم استخدامها في مهاجمة خنادق القوات المعادية.

ففي أثناء الصراع الذي اندلع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناجورني كاراباخ في أكتوبر 2020، لجأت أرمينيا إلى استخدام الخنادق في منطقة ناجورني كاراباخ الجبلية الوعرة لوقف أي محاولات من جانب أذربيجان لاسترداد أراضيه المحتلة، وهو ما ساهم في منع أذربيجان في التسعينات من القرن الماضي من استردادها. غير أن أذربيجان لجأت إلى تسليح نفسها بالطائرات المسيرة الانتحارية إسرائيلية الصنع من طراز «هاروب» (Harop)، وطائرتي «أوربيتر 1 كيه» (Orbiter 1K) و»أوربيتر 3 كيه» (Orbiter 3K)، وقد استخدمها الجيش الآذاري في استهداف خنادق أرمينيا، وهو ما مكنه من استعادة بعض المناطق المحتلة خلال جولة المواجهات الأخيرة بين البلدين أواخر العام الماضي.

أدوار دفاعية: مثلت محاولة إسقاط الطائرات المسيرة إحدى التهديدات الناشئة التي فرضت تحديات كبيرة على الدول المختلفة. وكان أحد أساليب مواجهة هذه النوعية الجديدة من الطائرات هي الطائرات المسيّرة الانتحارية صغيرة الحجم.

فقد طوّرت شركة ريثيون الأمريكية «كيوت بلوك 1 بيه» (Coyote Block 1B)، والتي تحتوي على رؤوس حربية صغيرة مصممة خصيصاً لإسقاط طائرات مسيرة من نوع كوادكوبتر، أو أنواع أخرى من الطائرات المسيّرة من الفئة الأولى أو الثانية، وهي الطائرات المسيّرة التي يقل وزنها عن 55 رطلاً، ولا يمكن أن تطير لارتفاع يزيد على 3500 قدم، وبسرعة قصوى تقل عن 280 ميلاً في الساعة، وفقاً للتعريفات الرسمية للجيش الأمريكي ويتكون النظام الكامل التي طورتها شركة ريثيون من قاذفتين بأربعة أنابيب على ظهر شاحنة عسكرية ذات دفع سداسي، جنباً إلى جنب مع نظام التردد اللاسلكي «كيو باند» (Ku-band)، ومولد لتوفير الطاقة اللازمة. ويقوم رادار بإرشاد الطائرات بدون طيار لاعتراض أهدافها.

أبرز برامج التصنيع العسكري: امتلكت العديد من الدول برامج عسكرية لتصنيع الطائرات الانتحارية المسيرة، ويمكن الإشارة في هذا الإطار إلى أبرز الدول المنتجة لهذه المنظومات القتالية، وهي على النحو التالي:

الولايات المتحدة: تعاقد الجيش الأمريكي مع شركة «ريثيون» الأمريكية على إنتاج طائرات مسيرة انتحارية من طراز «كيوت بلوك 3» (Coyote Block 3 (CB3، والتي يمكن استخدامها في أسراب لتعزيز دفاعات الولايات المتحدة في وجه أي هجوم مضاد تستخدم فيه أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة الكبيرة والصغيرة الحجم، بالإضافة إلى استخدامها كوسيلة هجومية. ويلاحظ أن «كيوت بلوك 3» قادرة على توجيه ضربات دقيقة من المنصات البحرية، بالإضافة إلى قدرتها على القيام بأدوار الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR).

روسيا: أعلنت شركة الصناعات الدفاعية الروسية العريقة «كلاشينكوف»، الحكومية، قيامها بتصنيع طائرات مسيّرة انتحارية تحمل اسم «كيه واي بيه» (KYB)، والتي يتوقع أن تنهي فترة اختبارها خلال العام الجاري. ويتمثل الهدف الأساسي من وراء إنتاجها هو التسلل عبر دفاعات العدو واستهداف الأعداء بحمولة متفجرة تزن 3 كيلوجرامات فقط. وتعمل الطائرة الانتحارية بسرعة تتراوح بين 50 و80 ميلاً في الساعة مع القدرة على البقاء في الجو لمدة تصل إلى 30 دقيقة، ويمكنها مهاجمة الأهداف التي تم تسجيل إحداثياتها مسبقاً، أو على أساس صورة بسيطة يتم تنزيلها عبر النظام.

ويعني ما سبق أنه إذا ما أدخل المشغلون صورة مركبة «إم – آيه تيه فيه» (M-ATV) الأمريكية على سبيل المثال، فإن طائرة «كيه واي بيه» ستبحث عن وجود مركبة مماثلة في الميدان وتقوم باستهدافها على الفور فور رصدها.

ويبلغ طول الطائرة حوالي 3 أقدام، وهي صامتة تماماً ولا تصدر أي نوع من الصوت، كما يمكن إطلاقها من أي مركبة بسهولة، وتستطيع استهداف الهدف بسرعة ودقة عالية بغض النظر عن التضاريس أو ما إذا كان الهدف مخفي أو ظاهر، وسواء أكان على ارتفاعات منخفضة أو عالية، وهو ما يجعل من الصعب محاربته باستخدام أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.

الصين: كشفت الصين النقاب عن أحدث الأسلحة في ترسانتها العسكرية، وهو سرب من الطائرات المسيرة الانتحارية، والتي يمكنها التعاون معاً في الجو لتحديد وتدمير الأهداف على الأرض. ووفقاً لفيديو نشره الجيش الصيني، يمكن إطلاق سرب الطائرات المسيرة والمسماه «درون سوارم»، من مؤخرة شاحنة أو طائرة هليكوبتر. ليحلق ويتعاون في الجو ويضرب العدو بدقة هائلة

الإمارات: كشفت شركة «إيدج جروب» الإماراتية المتخصصة في الصناعات الدفاعية عن 4 أنواع من الطائرات المسيرة العسكرية الصغيرة تنتمي إلى عائلة «كيو إكس». وتصنف الطائرة المسيرة «كيو إكس» ضمن الطائرات الحوامة، ويوجد منها 3 أنواع تنتمي إلى الطائرات المسيرة الصغيرة جداً والمتوسطة وهي «كيو إكس – 1» و»كيو إكس – 2» و»كيو إكس – 3». أما النوع الرابع وهو «كيو إكس – 4» فتتميز بأجنحة ثابتة وقادرة على الإقلاع والهبوط عمودياً.

وتعتمد هذه الطائرة المسيرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تمكنها من الهبوط والإقلاع بدقة عالية كما تمكنها من تحديد الأهداف وضربها بكفاءة عالية.

وتصل دقة استهداف وضرب الأهداف إلى متوسطة متر واحد، وذلك بالنظر إلى اعتمادها على ذخائر تشبه الذخائر الليزرية الموجهة. ويمكن لتلك الطائرات المسيرة الصغيرة أن تعمل في جميع الأجواء والتضاريس الوعرة، وتتميز بخفة وزنها وقابلية حملها.

إسرائيل: تزعم بعض المصادر العسكرية أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا من أوائل الدول التي طوّرت أنظمة الصواريخ الجوالة. ولذا يعتبر البعض أن الطائرة المسيرة «هاربي» هي أولى الطائرات المتفجرة، التي ظهرت في السوق. وقامت بتطويرها شركة «الصناعات الجوية الإسرائيلية» (Israel Aerospace Industries)، والتي تهدف إلى تدمير نظم الدفاع الجوي المعادية. وقد أطلقت إسرائيل للمرة الأولى في عام 1989. وتبلغ المسافة بين جناحي «هاربي» مترين ويقدر حجمه عند الإطلاق بنحو 125 كجم. وقد زودت برأس حربي شديد الانفجار. وتتمكن من التحليق لمدة 3 ساعات.

 

نظم الدفاع الجوي المضادة

كما سبقت الإشارة، فإنه يمكن توظيف الطائرات المسيرة الانتحارية باعتبارها نظام دفاع جوي يقي من هجمات أسراب الطائرات المسيرة، إذ أن الجيش الأمريكي يدرس نشر هذه النظم لحماية نظم الدفاع الجوي الأمريكية من طراز باتريوت من الهجمات المضادة باستخدام

أسراب الطائرات المسيرة

وسعت الدول الأخرى إلى تطوير نظم دفاع جوي قادرة على استهداف الطائرات المسيرة الانتحارية. وتجئ ضمن هذه الجهود تطوير الصناعات العسكرية الروسية صاروخ صغير لإضافته إلى نظام «تور – إم 2» (Tor-M2) القياسي المضاد للطائرات، وذلك للتعامل مع هذه الأنواع من التهديدات. كما طورت الصناعات العسكرية الروسية كذلك نظام مدفعية الدفاع الجوي الجديد «ديريفاتسيا بيه فيه أوه» (Derivatsiya PVO) مقاس 57 ملم، والذي لا يزال قيد التجربة، غير أنه سوف يدخل الخدمة قريباً.

كما تتمثل أحد مشاريع البحث والتطوير الروسية الحالية، التي يتم تنفيذها بناءً على طلب قيادة القوات البرية، في إنشاء جيل جديد من المعدات القتالية التي تتضمن عناصر تعزز الحماية للأفراد، مثل الهياكل القتالية والهياكل الخارجية الخاصة، كما أنها تتمتع بالقدرة على التكامل مع الروبوتات القتالية، وكذلك الطائرات المسيرة الاستطلاعية والهجومية الصغيرة الحجم.

وفي الختام، يمكن القول إن الطائرات المسيرة الانتحارية باتت جزءاً من الحروب المستقبلية، والتي سيزداد الاعتماد عليها من جانب العديد من الدول، خاصة بعدما حققت نجاحاً في بعض الصراعات المسلحة. ولذا يتوقع أن تقبل الدول على اقتنائها، وتوظيفها ليس فقط كمنظومات قتالية هجومية، ولكن كذلك كنظم دفاع جوي مضادة لهجمات الطائرات المسيرة المعادية.

إعداد: الدكتور/ شادي محمد (باحث في الشؤون العسكرية)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض