586 Web Analysis A2

السلاح الجيوفيزيائي .. شكل جديد للحروب

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

اختلفت أسباب ومجريات الحروب منذ الأزل وحتى يومنا هذا.. فبعد أن كانت تنشب الحروب بين القبائل بسبب ناقة سبقت أخرى.. أو بسبب بيت من الشِّعر هجا به شاعر قبيلة ما، أصبحت معظم الحروب تُشنُّ اليوم للاستيلاء على أراضي وخيرات بلاد أخرى، أو بسبب موقعها الاستراتيجي.. وبعد أن كانت بالسيف والرمح، ومن ثمَّ بالمنجنيق، أصبحت تُشنُّ اليوم بأعقد أنواع أسلحة الدمار الشامل وأشدها فتكاً.

نتيجة لتطور العلوم المدنية والعسكرية، أصبح الإنسان يحاول السيطرة على الظواهر الطبيعية، فاستمطر السماء، وغزا الفضاء، وما زال يحاول ويحاول الوصول إلى ربما ما يعجز العقل البشري عن تصوره، حتى أصبح الخيال العلمي واقعاً حقيقياً أما ناظريه..
هل تمكنت الدول الكبرى بالفعل من التحكم في المناخ ؟
هل يوجد بالفعل حروب مناخية خفية؟
ما هو هو هذا السلاح الرهيب ؟
ما هي إمكانيات الحصول عليه من الناحية التقنية؟
مجلة «الجندي» تحاول الإجابة.
الطبيعة الثائرة إرادياً
تتمثل الفكرة الأساسية لهذا السلاح في تعديل التوازن الطبيعي لمناخ الأرض، واستغلال الظواهر الطبيعية بعد تعديلها والسيطرة عليها، وتطويع الطاقات الكامنة في باطن الكرة الأرضية بغية التأثير على بلاد الخصم، وتدمير ما عليها من انسان وحيوان ونبات. ومن المؤكد أن العلماء لم يتوصلوا حتى الآن إلى فهم كل أسرار الطبيعة، ولم يتوصلوا إلى السيطرة على جميع الظواهر الطبيعية. ولكن تطور العلوم الجيوفيزيائية (علم الزلازل، الأرصاد الجوية، علم المياه، المغناطيسية الأرضية… إلخ)، والخطوات السريعة الواسعة المحققة في هذا المجال، دفعت العلماء إلى الاعتقاد بأن العالم يقف على عتبة امتلاك طاقات جديدة جبارة والسيطرة عليها، تماماً، كما كان العالم في الثلاثينات على عتبة امتلاك ناصية الطاقة النووية.
ولقد وجد العلماء أن خير وسيلة لتفجير الطاقة الكامنة في الأرض منذ ملايين السنين، أو الطاقة التي تتولد خلال فترة قصيرة، هي اكتشاف أوضاع طبيعية غير مستقرة ترتفع منها الطاقة المخزونة إلى مستوى أعلى من المتوسط، ودفع هذه الطاقة إلى الانفلات تحت تأثير دفع عنيف (انفجارات نووية) أو بواسطة مواد مثيرة تخلق التبدلات التي تحرر الطاقة من عقالها.
المطر كسلاح
تكون السحب الباردة عادة في حالة غير مستقرة، ولكنها تبقى في حالتها هذه، إلا إذا تخللها بلورات جليدية دقيقة تتجمد حولها. ويؤدي هذا التجمد إلى انطلاق طاقة محلية تنتج عنها حرارة تثير تيارات هوائية صاعدة تتشكل من جرائها قطرات ماء تهطل أمطاراً. وهناك تجارب تُجرى الآن في عدة بلدان لتأمين هطول الأمطار اصطناعياً في المناطق الجافة. وتعتمد هذه التجارب على استخدام الطائرات لنشر بلورات «بودور الفضة» التي تشبه بلورات الجليد، بغية تكثيف بخار الماء في الغيوم وتحويله إلى أمطار. ولكن العديد من الصعوبات الفنية جعلت العملية غير مجدية حتى الآن.
لقد حاول الأمريكيون استخدام هذه الوسيلة في فيتنام، وصرف البنتاغون 22 مليون دولار في فترة 1967– 1972، لزيادة معدل الأمطار فوق «طريق هوشي منه» بغية جعل هذه الطريق غير صالحة لمرور قوافل الثوار الفيتناميين المخصصة للإمداد والتموين. ولم تكن النتائج المحققه مشجعة. وهذا ما دفع الأمريكيين إلى استخدام مواد خاصة (حوامض) تضاف إلى الغيوم، لجعل ماء المطر قادراً على إصابة معدات الثوار وأسلحتهم بالصدأ، أو استخدام مادة تزيد إمكانية انزلاق الرجال والعربات على الوحل الناجم عن المطر.
وكانت هذه المحاولات الأولى لاستخدام المطر كسلاح تجمع بين تقليد الظواهر الطبيعية وتعديلها.
وعلى هذا الأساس يمكن استخدام الأمطار الغزيرة على المستوى العملياتي لإيقاف تقدم قوات الخصم وعرقلة حركة ارتاله، كما يمكن استخدامها استراتيجياً لخلق الفياضانات، وإفساد المحاصيل الزراعية، وتعريض الشعب المعادي للمجاعة، وإجباره على الاستسلام.
تعديل المناخ والقتل الجماعي
إن تكثيف بخار الماء فوق أرض العدو يؤدي إلى الفيضان. ولكن تكثيف الغيوم القادمة من البحر قبل وصولها إلى سماء العدو يؤدي إلى تناقص معدل الأمطار في بلاده، وتخريب جوه، وحرمانه من الرطوبة، وتعريض أراضيه للقحط. ويمكن تعديل المناخ عن طريق نشر مادة في طبقات الجو العلوية تعمل على امتصاص نور الشمس الساقط على الأرض، مما يخفض درجة حرارة سطحها، أو امتصاص الحرارة التي تشعها الأرض بشكل يرفع درجة حرارة الجو ويجعل الحياة متعذرة.
ولتعديل المناخ في منطقة محددة أكثر من وسيلة، ومنها: إحراق هذه المنطقة بالأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس، عن طريق خلق ثغرة في طبقة غاز «الأوزون» التي تحيط بالأرض على ارتفاع 15 – 50 كلم، والتي تمتص الأشعة الضارة فوق البنفسجية، أو استخدام عشرات القنابل النووية لتفجير حقول الجليد في المناطق القطبية وخلق انهيارات جليدية تؤدي إلى حدوث أمواج في البحار والمحيطات تؤثر على شواطىء الخصم، أو قصف سطح الشمس بصواريخ تحدث انفجارات قوية وهيجانات شمسية اصطناعية تنتج عنها اضطرابات في مناخ الأرض. أو تسويد سطح المناطق القطبية بشكل يجعلها تمتص كمية أكثر من الحرارة التي تذيب الجليد، وترفع منسوب مياه البحار، وتغرق مناطق واسعة من العالم، وتزيل جزراً من الخارطة.
استخدام الأعاصير
تدغدغ فكرة استخدام الأعاصير مخيلة أنصار السلاح الجيوفيزيائي، لأن كل إعصار من الأعاصير التي تنطلق من المناطق الإستوائية، يحمل قوة تدميرية تعادل قوة مئات القنابل الذرية، وهو يحدث في العادة تخريباً لا يقل عن مليارات الدولارات. ولا يزال العلماء حتى اليوم عاجزين عن خلق الأعاصير، ولكنهم يأملون في التوصل إلى السيطرة عليها وتوجيهها. وهم يملكون الآن الوسائل الكفيلة بتهدئتها جزئياً في بعض المناطق، ولا يُستبعد أن يتمكنوا في المستقبل من خنقها بصواريخ تجر خلفها أسلاكاً مكهربة، أو إثارتها أو تحويل مسارها نحو بلاد الخصم.
والمشكلة في استخدام الإعصار، هي أنه ينطلق في أوقات معينة قد لا تتناسب مع اللحظة الحرجة التي ينبغي فيها استخدامه ضد الخصم. لذا فإن استخدامه على المستوى العملياتي في زمان محدد أمر متعذر، إلا إذا تطابق زمن العمليات مع فترة الإعصار. ولكن إمكانية استخدامه استراتيجياً تبقى قائمة، لأن بالإمكان توجيه الأعاصير نحو بلاد الخصم لتدميرها وإضعافها اقتصادياً بشكل مسبق قبل بدء العمليات العسكرية، وقد يكون التدمير كاملاً إلى الحد الذي يجعل العمليات العسكرية نفسها غير ضرورية لإخضاع إرادة الخصم.
التدمير بالزلازل والبراكين والأمواج
تختلف درجة حرارة القشرة الأرضية اليابسة عن حرارة الأرض تحت البحار والمحيطات، ولذا فإن قشرة اليابسة تشع طاقة حرارية تفوق ما تشعه الأرض المغمورة بالماء. وتولد هذه التعبيرات الحرارية توتراً في القشرة الأرضية يصل إلى أقصى درجاته في مناطق التغيرات الحرارية المفاجئة. ويجد هذا التوتر متنفساً عندما يجد شقوقاً طبيعية، فتنطلق طاقته إلى الخارج على صورة زلازل. وتقدر الطاقة التي تحرر من الأرض بهذا الشكل كل عام بحوالي 200 ميغا طن.
وعلى هذا الأساس، فإن من الممكن نظرياً الإفادة من توتر القشرة الأرضية، وإثارة هذا التوتر دفعه واحدة أو على دفعات، بعد إيجاد شقوق اصطناعية في المكان المناسب (فوق شبكة التوترات الأرضية)، الأمر الذي ينجم عنه زلازل اصطناعية محسوبة في مناطق محددة.
وبفضل الانفجارات النووية العميقة، يمكن خرق القشرة الأرضية في بلاد العدو أو إضعافها، بحيث يندفع جزء من الكرة السائلة الموجودة في باطن الأرض على شكل بركان مدمر. كما أن بالإمكان استخدام الانفجارات النووية لتأمين انهيار كتلة ضخمة من الشاطىء إلى داخل البحر. ويؤدي هذا الانهيار إلى تحرير طاقة ضخمة تتحول إلى أمواج تجتاح الشاطىء المقابل وتدمره.
حقيقة أم خيال
هل سلاح المناخ ممكن من الناحية النظرية؟
تُجرى حالياً أبحاث التحكم في المناخ في العديد من البلدان حول العالم، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وتوجد المنشآت الروسية بالقرب من نيجني لوفغورود SURA «سورا» ومرفق «هارب» HAARP الأمريكية الموجودة في الأسكا.
ولا يمكن تجاهل مجمع «سورا» SURA ومجمع «هارب» HAARP، وهذان المجمعان وفقاً لبعض الخبراء هما أسلحة مناخية يمكنها تغيير الطقس على نطاق عالمي، مما يؤثر على العمليات في الغلاف الجوي المتأين.
مجمع HAARP الأمريكي
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ببناء هذا المجمع على شكل منشأة ضخمة في ألاسكا على موقع مساحته 13 هتكاراً، به هوائيات. وقد تم بناء المرفق رسمياً لدراسة الغلاف الجوي المتأين لكوكبنا.
وقد وُضع تصماميم هذا المرفق بناء على تصاميم وضعها «قسم الدراسات المتقدمة» DARPA بالإضافة إلى مجموعة من العلماء. وقد شارك في هذا المشروع البحرية الأمريكية والقوات الجوية.
مجمع SURA الروسي
وفي روسيا تعمل منشأة «سورا» SURA في أعمال مماثلة، وهي ذات حجم أكثر تواضعاً، وهي تعمل وتدرس الكهرومغناطيسية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي داخل الأراضي الروسية، وهناك العديد من المجمعات المماثلة التي تجري العديد من الأبحاث حول تغيير الطقس، والتسبب بالزلازل وإسقاط الأقمار الاصطناعية والرؤوس الحربية.
كلمة لا بد منها
إن سلاح الدمار الشامل الجيوفيزيائي اليوم حقيقة واقعة، لكن استخدامه يتطلب موارد كبيرة جداً، إنه سلاح فتاك لم تعرف له البشرية مثيلاً، إنه الطبيعة العمياء الثائرة بكل عنفها ورهبتها وآثارها المدمرة التي لا يمكن تجنبها. ولعل أخطر ما في هذا السلاح هو إمكانية استخدامه بشكل خفي حتى لا يثير ردود فعل الخصم، إذ إنه من المتعذر على بلد من البلدان أن يشن الحرب على جيرانه لأن زلزالاً أصابه، أو قحطاً قتل زرعه وضرعه، أو بركاناً ثار عنده بشكل مفاجئ.
ولكن مالك هذا السلاح لا يضمن ما يملكه، ولا يستطيع السيطرة عليه بشكل مطلق. فالطبيعة تملك كمية هائلة من القوى المخزونة. وليس هناك من يستطيع القول، حتى في المستقبل البعيد، إن بوسع الإنسان التحكم بهذه القوى بعد تحريرها. وهذا ما يجعل استخدام السلاح الجيوفيزيائي نوعاً من القتل الذي يحمل إمكانية الانتحار. فاذا ما أضفنا إلى هذا السبب ضخامة الأخطار الناجمة عن هذه الحرب الجيوفيزيائية، ليس على بلد الخصم فحسب بل على الكرة الأرضية كلها، والخوف من امكانية حصول الخصم على سلاح مماثل، عرفنا السبب الذي جعل مؤتمر نزع السلاح يتخذ القرار الحاسم والسريع للحد من استخدام البيئة لأغراض عسكرية.

»الدكتور معين أحمد محمود
(باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض