5g (4)

الجيل الجديد للإنترنت شبكات الجيل الخامس والقوات المسلحة.. فرص وتحديات

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

تواصل تكنولوجيا الجيل الخامس لشبكات الهاتف المحمول، والمعروفة اختصارا بـشبكات الجيل الخامس“(5G)، الانتشار عبر العالم، وقد كانت دولة الإمارات العربية المتحدة أول بلد عربي، والرابع عالمياً، الذي يطلق هذه التكنولوجيا الجديدة التي تمكن من استخدام الإنترنت فائقة السرعة.

فبالإضافة للتقدم الحاصل في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، من المتوقع أن يكون لـشبكات الجيل الخامس أثر كبير في تسريع رقمنة العالم، فمع تطور هذه التكنولوجيات الجديدة، ستزيد سرعة تبادل البيانات، بما يساعد على بروز ما يسمى بـإنترنيت الأشياء” (Internet of Things IoT)، علاوة على تعزيز استخدام المركبات غير المأهولة والمسيرة ذاتياً، ونقلها إلى مستويات أكثر تقدماً.

ومن المتوقع كذلك أن تتسبب التطبيقات الجديدة لشبكات الجيل الخامس في تداعيات “إرباكية” (Disruptive) مقارنة بمثيلاتها التي تشتغل بـأنظمة شبكات الجيل الثالث والرابع. فبالنسبة للقوات المسلحة، من شأن استعمال شبكات الجيل الخامس أن يحدث تحول على مستوى التكتيكات والعمليات وكذلك على المستوى الاستراتيجي. وفي هذا الصدد، يقدم المقال الحالي أهم فرص التي تفتحها شبكات الجيل الخامس في مجال العمليات العسكرية، كما أنه يسلط الضوء على أهم التحديات التي يطرحها التطور المستمر لهذه التكنولوجية الجديدة.

أولاً: الاستخدامات العسكرية للجيل الخامس من الشبكات

اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية في تقرير لها حول استراتيجية شبكات الجيل الخامس، والصادر في مايو 2020 بأن لهذه التكنولوجيا أهمية استراتيجية مؤكدة، حيث إن “الأمم التي تتقن تكنولوجيا التواصل المتطور والاتصال غير المنقطع ستضمن امتيازات اقتصادية وعسكرية طويلة الأمد”. وبالفعل تبدو الفرص واعدة خاصة مع تطور تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس، ونجاح الجمع بينها وبين تكنولوجيات متقدمة أخرى، ويتضح من الآفاق الحالية أن شبكات الجيل الخامس قد تُحدث تغيراً كبيراً في مجالات تقدير وفهم الحالة العسكرية عن طريق الاستخبارات ومجالات أنظمة المراقبة والاستطلاع والقيادة والتحكم والاتصالات والأنظمة غير المأهولة والمسيرة ذاتياً وكذلك اللوجستيات والتزود بالموارد، وتقنيات الواقع الافتراضي، علاوة على التدريب والمناورات، وهو ما سيلي توضيحه في النقاط التالية:

1- زيادةالوعي الظرفيعن طريق المراقبة والاستطلاع واكتساب الهدف: تمكن تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس من إقامة بنية تحتية ضخمة للاتصال، بشكل يسمح بتبادل البيانات بين جميع الأجهزة والمركبات، حيث تتجاوز سرعة شبكات الجيل الخمسمائة ضعف نظيرتها من الجيل الرابع، إذ لا تتعدى مدة الانتظار “ملي ثانية”. كما أن تحديث أنظمة المراقبة والاستطلاع واكتساب الهدف سيسمح بشكل كبير بإحداث تغيير جذري في تقدير الحالة العسكرية الظرفية، حيث ستتم معالجة كم هائل من البيانات وإرسال كم أكبر من المعلومات في الوقت ذاته، كما تمكن شبكات الجيل الخامس من ربط شبكة معقدة مكونة من الرادارات العسكرية والأسلحة والمركبات الموجودة على مسافات بعيدة، بما يساعد على تحديد مواقع الخصم بصورة أكثر دقة، بما يساعد على تحسين تحديد المواقع والملاحة وتوقيت الاستهداف.

2- تحسين القيادة والتحكم والاتصالات: تعتبر ساحة المعركة مجالاً غنياً بالبيانات، ويمكن أن تساعد الخوارزميات على الأتمتة، خاصة عندما يتم دمجها مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويمكن لشبكات الجيل الخامس أيضاً أن تكون بديلاً للاتصالات عبر الأقمار الصناعية وطائرات تتبع الاتصالات، والتي يترتب عليها في العديد من الأحيان طول مدة الانتظار بسبب بعد المسافة التي تقطعها الإشارات. ومثلما تساعد شبكات الجيل الخامس على بناء المدن الذكية، فبإمكانها كذلك جعل ساحة المعركة أكثر ذكاء لتنفيذ سريع لعمليات مبنية على المعلومات باستعمال عدد أقل من الوحدات العسكرية القادرة على العمل بشكل مستقل، الأمر الذي سيساهم في تعزيز دور القوات الخاصة. كما تساعد هذه التكنولوجيا على تزويد القادة العسكريين في أرض المعركة بالمعلومات الاستخباراتية في وقت وجيز بما يوفر لهم اختيارات لتعزيز مواقعهم في ساحة المعركة. وستكون الأجهزة والكاميرات المحمولة جزءاً من شبكة الاتصالات، حيث سيمكن إرسال الخرائط والصور وبيانات أخرى بين أعضاء وإدارات القوات المسلحة في الوقت الحقيقي أثناء سير العمليات.

3- الإمدادات، واللوجستيات وتعبئة الموارد: تسمح تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس، بالإضافة إلى تعزيز البنى التحتية الافتراضية والموارد البشرية، بإحداث نقلة نوعية في دعم العمليات القتالية واللوجستيات، حيث يمكن بسهولة وبسرعة وضع بدائل، سواء كانت في الواقع أو العالم الافتراضي. كما تسرع هذه التكنولوجيا من تموين المخازن بشكل دقيق. وبفضل شبكات الجيل الخامس ستتمكن أجهزة الاستشعار على المركبات والطائرات بدون طيار والرافعات من جمع كم هائل من البيانات كما ستمكن من استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يقوم بشكل أوتوماتيكي ببرمجة الإمدادات كلما انخفضت كمية المخزونات. كما ستتحسن أنظمة التحليل المستقبلي حول طبيعة وكمية ومكان الإمدادات، اذ سيصبح ممكناً التزود بالإمدادات الغذائية والطبية وباقي الإمدادات في أماكن محددة عن طريق طائرات بدون طيار مرتبطة فيما بينها وتعمل بنظام شبكات الجيل الخامس. ومن شأن هذه الإمكانات الجديدة الرفع من الفعالية وخفض التكاليف وتعزيز موقع القوات المسلحة في ساحة المعركة.

4- الأنظمة غير المأهولة والمسيرة ذاتياً: من شأن تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس المساهمة في تعزيز الذكاء الصناعي في المجال العسكري بشكل يمكن من بروز جيل جديد من الأنظمة غير المأهولة والمسيرة ذاتياً. ومن غير المستبعد أن تجعل هذه التكنولوجيا المركبات المسيرة ذاتياً تستغني عن تخزين ومعالجة البيانات بشكل داخلي، وهو ما يعود إلى إمكانية التخزين السحابي للبيانات الضخمة، مثل الخرائط.كما سيصبح بالإمكان للأنظمة المسيرة ذاتياً أن تنسق فيما بينها خلال تنفيذ العمليات العسكرية، وستمكن هذه التكنولوجيا زيادة دقة الاستهداف، بما يعزز من الفعالية القتالية للأنظمة المسيرة ذاتياً والروبوتات، وهذا بطبيعة الحال لا يتحقق إلا في حال وافق المشغل على تزويد هذه الأنظمة غير المأهولة بقدرات لتحديد وتتبع وقصف الأهداف، مثل التعرف على الوجه وتفاصيل أخرى.

5- استعمال الواقع المعزز والافتراضي لأغراض التدريب العسكري: تستطيع تكنولوجيا الجيل الخامس اختصار المسافة بين العالمين الرقمي والحقيقي من خلال تعزيزها لتطبيقات الواقع المعزز والواقع الافتراضي اللذين يشكلان محط اهتمام كبير في مجال التدريبات العسكرية، حيث ستعطي هذه التطبيقات، بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي بعداً أكثر واقعية يجعل المتدربين أمام برامج تدريب تحث على التكيف والتعلم والانتقال إلى مستويات أكثر تحدياً.ويمكن تصميم برامج التدريب لتركز على مهام التخطيط وعمليات ساحة المعركة، إلا أنه يمكن لمحاكاة الواقع والواقع المعزز أن تشكل أداة محورية للقيام بصيانة أنظمة قتالية مهمة. فكما تسمح شبكات الجيل الخامس للشباب بالمشاركة في ألعاب على الإنترنت رفقة مشاركين من مختلف أنحاء العالم، تسمح هذه التكنولوجيا للقوات المسلحة الموجودة في قواعد مختلفة بالمشاركة في تدريبات مشتركة من خلال الواقع المعزز والواقع المفترض.

ثانياً: التحديات التكنولوجية للجيل الخامس

كما تمت الإشارة إليه في الفقرات السابقة، تنطوي تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس المتطورة على إمكانات هائلة تزيد من قوتها إمكانية دمجها مع تكنولوجيات وتطبيقات جديدة أخرى بشكل يسمح بإحداث تحولات كبيرة، إلا أنه وقبل الاستفادة من كل هذه التطورات، فإن هناك عدداً من القضايا والتحديات ينبغي التغلب عليها أولاً، ومنها إيجاد طرق ناجعة لاستغلال مستويات التردد العالية للطيف الكهرومغناطيسي والقدرة على حماية والدفاع عن الشبكة الآخذ في الاتساع، يضاف إلى ما ذكر تحديات راجعة للسياق الجيوسياسي الذي يجري فيه اطلاق شبكات الجيل الخامس، وهو ما يمكن تفصيله في التالي:

1- استغلال مستويات التردد الأعلى باستعمال شبكات الجيل الخامس: يمكن إدخال تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس في ثلاثة أجزاء من الطيف الكهرومغناطيسي وهي النطاق العالي (الموجة الميليمترية) والنطاق المتوسط والنطاق المنخفض. ويشار إلى النطاقين المتوسط والمنخفض بـ “صب – 6” (sub-6)، والتي تشير إلى نطاق الذي تشتغل فيه شبكات الجيل الرابع، والتي يمكن تكييف نطاقات ترددها مع شبكات الجيل الخامس، والتي بدورها تضمن إرسالاً أسرع للبيانات بالنظر إلى قدرتها على الإرسال والاستقبال في نفس الوقت وباستعمال نفس الملتقط الهوائي ونفس التردد.

ولكن تأتي أكثر استعمالات شبكات الجيل الخامس تأثيراً مع الاستخدامات التكنولوجية التي ستمكن من استغلال هذه الترددات في الجزء العلوي من الطيف العالي، والتي يشار إليها بطيف الموجة الملمترية. وكلما ارتفع التردد، تقلص طول الموجة، واستطاعت حمل كم أكبر من البيانات. ولكن، استغلال هذه الموجات ليس بهذه السهولة، لأنه كلما كانت الموجة قصيرة، اختفت بسرعة، حيث إن الموجات الملمترية تختفي بعد بضع مئات من الأمتار. ومقارنة مع ترددات شبكات الجيل الرابع، تختفي الموجات فقط بعد كيلومترات. لذلك، يتطلب استغلال الموجات الملمترية المزيد من مواقع الخلايا، علاوة على أنه بإمكان المطر استيعاب الموجات الملمترية التي لا يمكنها اختراق الأرضيات الصلبة، ما يعني أن وجود المباني والسيارات من شأنه إعاقة هذه الموجات. وبالرغم من أن الموجات الملمترية تنطوي على إيجابيات عدة، فإنها باهظة الكلفة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية.

2- حماية الشبكة: ستساهم تكنولوجيا الجيل الخامس من الشبكات وإنترنت الأشياء (IoT) في زيادة عدد الأجهزة المرتبطة بشبكة معينة، وستصبح شبكات الجيل الخامس جزءاً من البنية التحتية الأساسية ما يجعلها هدفاً للهجمات السيبرانية، حيث إن وجود عدد كبير من الأجهزة المرتبطة فيما بينها عن طريق الشبكة يعطي قراصنة الإنترنت فرصاً سهلة للقيام بهجمات بشكل يجعل الشبكة معرضة بشكل كبير لهجمات رقمية من نوع التصنت وسرقة البيانات والتشويش وحجب الخدمة وما يسمى بهجوم “الوسيط” (Man in the Middle Attacks). وسيتوجب وضع هوائيات إضافية في المحطات الرئيسية لدعم الربط بالمزيد من الأجهزة، وقد ينتج عن هذا إمكانية ارتفاع تداخل الترددات، كما أن حماية شبكات الجيل الخامس باستعمال تشفير أكثر تعقيداً، سيأتي على حساب مدة الاستجابة.ويشكل اعتماد شبكات 5G على البرمجيات مشكلة أخرى، بحيث أن أي عطب أو وجود برامج ضارة في هذه البرمجيات سيحدث مشاكل كبيرة، إذ عبر محللون عن مخاوف من إدخال أدوات للتجسس العسكري والصناعي في مكونات الشبكة المستوردة من الخارج، وينبع هذا التخوف من تفسير لقانون الصين الوطني بشأن الاستخبارات، والذي تم تبنيه في يونيو 2017، وينص هذا القانون على أنه “على أي منظمة أو مواطن، وفق ما ينص عليه القانون، أن يدعم ويساعد ويتعاون مع الاستخبارات الوطنية ويحفظ أسرار أي عمل استخباراتي وطني هو على علم به”. وهذا يعني أنه يتعين على الشركات الصينية أن تتعاون مع أجهزة المخابرات الصينية، بما في ذلك عن طريق وضع أنظمة تجسس في الأجهزة التي تبيعها.

3- تحديات جيوسياسية: احتل تطوير وإطلاق تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس موقعاً محورياً في سياق تشوبه تغيرات دولية محتدمة استحوذت فيها كل من الولايات المتحدة والصين على الأضواء. فمن جهة أولى، يشكل البعد الاقتصادي أهم أوجه التنافس بين الجانبين، حيث يحظى البلد الذي ينجح في هذا حسم هذا السباق التكنولوجي لصالحه بتوليد وظائف عمل كثيرة وأرباح تقدر بملايين الدولارات.ومن جانب آخر، تحتدم هذه المنافسة لتحقيق أهداف جيوسياسية وعسكرية من أجل الريادة العالمية. وفي هذا الصدد، حققت شركات صينية مثل هواوي و”زد تي إيه” (ZTE) تقدماً تكنولوجياً في تطوير شبكات الجيل الخامس، والتي تعتبر عنصراً مهماً في استراتيجية الصين في تحقيق التكامل بين القطاعين العسكري والمدني، لتحقيق أهدافها في قيادة العالم. وفي نفس الوقت، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان ألا يتم إدخال تكنولوجيا تضم عناصر أجنبية في أنظمتها العسكرية أو أنظمة حلفائها، والتي من شأنها إضعاف سلامة النظام ككل، ما من شأنه أن يسبب مشاكل كبيرة في إدارة العمليات المشتركة.

دكتورة/ ساسكيا فان جنوجتن

IDEX
WhatsApp
Dubai Airshow
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض