الجيش الصغير القوي .. بين النظرية والتطبيق

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

إن‭ ‬مفهوم‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي‭ ‬يعني‭ ‬تزويد‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬بأجيال‭ ‬حديثة‭ ‬من‭ ‬الأسلحة،‭ ‬والمعدات،‭ ‬تؤمِّن‭ ‬خفة‭ ‬الحركة،‭ ‬والحشد‭ ‬النيراني‭ ‬المكثف،‭ ‬ودقة‭ ‬الإصابة،‭ ‬مع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المعلومات‭ ‬وتبادلها‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬ومراكز‭ ‬القيادة،‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬بتنفيذ‭ ‬المهام‭ ‬بعدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬القوات،‭ ‬ومجابهة‭ ‬قوات‭ ‬متفوقة‭ ‬عددياً،‭ ‬وتقليص‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حشود‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المقاتلين،‭ ‬يتم‭ ‬الزج‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬القتال،‭ ‬أو‭ ‬الانتقال‭ ‬بفيالق‭ ‬وفرق‭ ‬من‭ ‬ميدان‭ ‬قتال‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬

وفكرة‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬تدعو‭ ‬للاعتماد‭ ‬على‭ ‬تقنية‭ ‬المعلومات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬لتمكين‭ ‬القوات‭ ‬من‭ ‬التحديد‭ ‬الدقيق‭ ‬للأهداف،‭ ‬ورصدها،‭ ‬ومتابعتها،‭ ‬وإصابتها‭ ‬من‭ ‬مسافات‭ ‬بعيدة‭ ‬وآمنة‭. ‬والقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المطلوبة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬المهام،‭ ‬تكون‭ ‬صغيرة‭ ‬العدد،‭ ‬وسريعة‭ ‬الحركة،‭ ‬وتم‭ ‬تدريبها‭ ‬وتأهيلها‭ ‬جيداً،‭ ‬ولا‭ ‬تضطر‭ ‬لخوض‭ ‬المعارك‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬العدو،‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬تقتضي‭ ‬الضرورة‭ ‬ذلك‭. ‬

ويرتكز‭ ‬مفهوم‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬دور‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬لصالح‭ ‬القوات‭ ‬الجوية،‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬رئيسي،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬امتلاك‭ ‬سلاح‭ ‬جو‭ ‬متطور‭ ‬تقنياً،‭ ‬وله‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬ضربات‭ ‬وقائية‭ ‬واستباقية‭ ‬على‭ ‬الأهداف‭ ‬الحساسة‭ ‬للعدو،‭ ‬لإفقاده‭ ‬عوامل‭ ‬تفوقه‭ ‬في‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬للمعركة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدمير‭ ‬مراكز‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬وذلك‭ ‬بامتلاك‭ ‬أسلحة‭ ‬جوية‭ ‬هجومية،‭ ‬عالية‭ ‬الدقة،‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬لها‭ ‬مقدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬المعادي‭ ‬وشل‭ ‬فعاليته،‭ ‬والوصول‭ ‬لأهدافها،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬مجموعة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬وأنظمة‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬والاتصالات‭ ‬والحاسب‭ ‬والاستخبارات‭ (‬C4I‭)‬،‭ ‬ومقذوفات‭ ‬تناسب‭ ‬المهام‭ ‬المطلوبة،‭ ‬إضافة‭ ‬الى‭ ‬تدريب‭ ‬متطور‭ ‬للقادة‭ ‬والقوات،‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭.‬

وفي‭ ‬الحرب‭ ‬البرية،‭ ‬حفزت‭ ‬التهديدات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬والصراعات‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬الدافع‭ ‬لتحديث‭ ‬أسلحة‭ ‬القوات‭ ‬البرية،‭ ‬سعياً‭ ‬وراء‭ ‬أنظمة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬الحروب‭ ‬السابقة‭ ‬الفرصة‭ ‬لاختبار‭ ‬قدراتها،‭ ‬ونتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬تحول‭ ‬جوهري‭ ‬لصالح‭ ‬صناعة‭ ‬الأسلحة‭ ‬البرية‭ ‬لتلبية‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التطوير‭ ‬الكيفي‭. ‬ويسمح‭ ‬الحجم‭ ‬الصغير‭ ‬للقوات‭ ‬البرية‭ ‬بتغطية‭ ‬فعالة‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬لحمايتها،‭ ‬سواء‭ ‬تلك‭ ‬الأنظمة‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى،‭ ‬أو‭ ‬متوسطة‭ ‬المدى‭. ‬ويركز‭ ‬مفهوم‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬القوات‭ ‬الخاصة،‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬وإمدادها‭ ‬بأحدث‭ ‬التجهيزات،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬توصيلها‭ ‬خلف‭ ‬خطوط‭ ‬العدو‭. ‬

وفي‭ ‬الحرب‭ ‬البحرية،‭ ‬يتم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬قطع‭ ‬بحرية‭ ‬صاروخية‭ ‬سريعة،‭ ‬وصغيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬يصعب‭ ‬كشفها‭ ‬بالمستشعرات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وزيادة‭ ‬مدى‭ ‬النيران،‭ ‬ونشر‭ ‬أنظمة‭ ‬دفاع‭ ‬ساحلي،‭ ‬صاروخية‭ ‬ومدفعية،‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإن‭ ‬الصاروخ‭ ‬K-300P Bastion-P‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬دفاعي‭ ‬صاروخي‭ ‬ساحلي‭ ‬روسي‭ ‬يعرف‭ ‬لدى‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬بالرمز‭ ‬SSC-5،‭ ‬وتم‭ ‬تصميمه‭ ‬للتعامل‭ ‬والتصدي‭ ‬لمختلف‭ ‬أنواع‭ ‬سفن‭ ‬السطح،‭ ‬ويمكنه‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تشويش‭ ‬وإعاقة‭ ‬إلكترونية‭ ‬مكثفة،‭ ‬ويعتمد‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬صواريخ‭ ‬P-800‭ ‬Oniks‭ ‬بالنسبة‭ ‬للنسخة‭ ‬الروسية،‭ ‬وصواريخ‭ ‬P-800‭ ‬Yakhont‭ ‬بالنسبة‭ ‬للنسخ‭ ‬التصديرية‭ ‬التي‭ ‬يصل‭ ‬مداها‭ ‬حتى‭ ‬300‭ ‬كم،‭ ‬وتصل‭ ‬سرعتها‭ ‬حتى‭ ‬2‭.‬6‭ ‬ماخ‭. ‬ويتطلب‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬القوات،‭ ‬البرية،‭ ‬والجوية،‭ ‬والبحرية،‭ ‬تنسيقاً‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬الأسلحة،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«معركة‭ ‬الأسلحة‭ ‬المشتركة‮»‬،‭ ‬وأجهزة‭ ‬استخبارية‭ ‬فعالة،‭ ‬تضمن‭ ‬وصول‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬تحركات‭ ‬ونوايا‭ ‬العدو،‭ ‬والتغيرات‭ ‬التي‭ ‬يجريها‭ ‬في‭ ‬قواته‭.‬

وتاريخياً،‭ ‬فإنه‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬أجريت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬لتقييم‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬ونتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬مفهوم‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي،‭ ‬الذي‭ ‬تبناه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القادة،‭ ‬مثل‭ ‬شارل‭ ‬ديجول‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬وليدل‭ ‬هارت‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وسيكت‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬ودعوا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬جيوش‭ ‬صغيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬ولكنها‭ ‬قوية‭ ‬التأثير‭ ‬بفضل‭ ‬نوعية‭ ‬السلاح،‭ ‬وخاصة‭ ‬الآليات‭ ‬المدرعة،‭ ‬لقدرتها‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬الدفاعات‭ ‬والتحصينات‭ ‬المعادية،‭ ‬ولتمتعها‭ ‬بخفة‭ ‬الحركة،‭ ‬وقوة‭ ‬النيران،‭ ‬وتوفير‭ ‬الحماية‭ ‬للطاقم‭. ‬ولكن،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬العسكريين‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬الجندي،‭ ‬وأن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ (‬1939‭ – ‬1945‭) ‬أكدت‭ ‬الدور‭ ‬الرئيسي‭ ‬للمقاتل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حرب،‭ ‬لأنه‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الآلة‭.‬

دور‭ ‬التقدم‭ ‬التقني

إن‭ ‬امتلاك‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬للتقنيات‭ ‬العسكرية‭ ‬المتقدمة‭ ‬يستدعي‭ ‬قيام‭ ‬الخصم‭ ‬بتطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬مضادة‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإنه‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الغواصات‭ ‬للحرب‭ ‬البحرية،‭ ‬تم‭ ‬تطوير‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬التـي‭ ‬تزرع‭ ‬على‭ ‬أعماق‭ ‬بعيدة‭. ‬ومع‭ ‬استخدام‭ ‬الآليات‭ ‬المدرعة،‭ ‬طورت‭ ‬المقذوفات‭ ‬المضادة‭ ‬لها‭ ‬لاختراق‭ ‬دروعها‭. ‬ومع‭ ‬ظهور‭ ‬الطيران‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬المعارك‭ ‬طورت‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي،‭ ‬المدفعية‭ ‬والصاروخية،‭ ‬الثابتة‭ ‬والمتحركة‭. ‬ومع‭ ‬تطوير‭ ‬الرادار‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬واستخدامه‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬الأهداف‭ ‬الجوية‭ ‬وتتبعها،‭ ‬ظهرت‭ ‬الصواريخ‭ ‬المضادة‭ ‬للاشعاع‭ ‬الراداري،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬استخدام‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬فيتنام‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬الصواريخ‭ ‬البالستية،‭ ‬طورت‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الصاروخي‭ ‬لمواجهتها،‭ ‬على‭ ‬المديات‭ ‬المختلفة‭. ‬ومع‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬للاستطلاع‭ ‬والتدمير،‭ ‬كما‭ ‬يجري‭ ‬حالياً‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا،‭ ‬يتم‭ ‬تطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬رصدها‭ ‬وتدميرها،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬صغر‭ ‬حجمها،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمنصات‭ ‬الجوية‭ ‬الأخرى‭. ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬التقنيات‭ ‬يستدعي‭ ‬تطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬مضادة،‭ ‬وأن‭ ‬مجرد‭ ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬المعركة‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬النصر،‭ ‬بل‭ ‬يؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬التدريب،‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬العنصر‭ ‬البشري،‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المستويات‭.‬

وتطورت‭ ‬أسلحة‭ ‬القتال،‭ ‬وزادت‭ ‬كثافة‭ ‬التشكيلات،‭ ‬مع‭ ‬المرونة‭ ‬في‭ ‬توزيعها‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات،‭ ‬وجرت‭ ‬المساعي‭ ‬لتوفير‭ ‬الحماية‭ ‬للقوة‭ ‬البشرية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدروع‭ ‬الفردية،‭ ‬ثم‭ ‬البدلة‭ ‬الحديدية‭ ‬الكاملة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬عتاد‭ ‬التقدم‭ ‬والالتحام‭. ‬وبظهور‭ ‬البارود،‭ ‬بدأ‭ ‬عصر‭ ‬جديد،‭ ‬تسود‭ ‬فيه‭ ‬الأسلحة‭ ‬النارية،‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬وتم‭ ‬تطوير‭ ‬وسائل‭ ‬نقل‭ ‬المواد‭ ‬المتفجرة،‭ ‬سواء‭ ‬براً،‭ ‬بواسطة‭ ‬المدفعية‭ ‬والصواريخ،‭ ‬أو‭ ‬جواً،‭ ‬بواسطة‭ ‬الطائرات‭ ‬المختلفة،‭ ‬أو‭ ‬بحراً،‭ ‬بواسطة‭ ‬السفن‭ ‬والغواصات‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬إمكانات‭ ‬ووسائل‭ ‬التدمير‭ ‬ظلت‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بينما‭ ‬تركز‭ ‬التطوير‭ ‬التقني‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الحمل‭ ‬والنقل،‭ ‬ولذا‭ ‬جرى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتقنية‭ ‬توجيه‭ ‬المقذوفات‭ ‬لزيادة‭ ‬الدقة،‭ ‬فكان‭ ‬هنك‭ ‬التوجيه‭ ‬الراداري،‭ ‬والتلفزيزني،‭ ‬والحراري،‭ ‬والليزري،‭ ‬ثم‭ ‬التوجيه‭ ‬بواسطة‭ ‬الأقمار‭ ‬الاصطناعية‭. ‬وخلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬تم‭ ‬القاء‭ ‬9000‭ ‬قنبلة‭ ‬زنة‭ ‬2000‭ ‬رطل‭ ‬بواسطة‭ ‬1500‭ ‬طلعة‭ ‬للطائرات‭ ‬القاذفة‭ ‬الثقيلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬B-17‭ ‬التي‭ ‬طورت‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لتدمير‭ ‬الأهداف‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬60×60‭ ‬ياردة‭ ‬مربعة‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1970،‭ ‬وخلال‭ ‬حرب‭ ‬فيتنام،‭ ‬تم‭ ‬إلقاء‭ ‬176‭ ‬قنبلة‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الطراز‭ ‬بواسطة‭ ‬88‭ ‬طلعة‭ ‬للقاذفة‭ – ‬المقاتلة‭ ‬الاعتراضية‭ ‬F‭-‬4‭ ‬Phantom II‭ ‬لنفس‭ ‬الغرض‭. ‬وفي‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬وخلال‭ ‬عمليات‭ ‬عاصفة‭ ‬الصحراء،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يلزم‭ ‬لذلك‭ ‬سوى‭ ‬قنبلتين‭ ‬موجهتين‭ ‬ليزرياً،‭ ‬تطلقان‭ ‬من‭ ‬طائرة‭ ‬هجوم‭ ‬أرضي‭ ‬أمريكية‭ ‬واحدة‭ ‬طراز‭ ‬F-117‭ ‬Nighthawk‭ (‬أحيلت‭ ‬هذه‭ ‬الطائرة‭ ‬الى‭ ‬التقاعد‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬عام‭ ‬2008‭).‬

ومع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬حدث‭ ‬تطور‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحواسب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬فأصبحت‭ ‬تتميز‭ ‬بقدرات‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬معالجات‭ ‬البيانات،‭ ‬وظهرت‭ ‬أنظمة‭ ‬التسليح‭ ‬المتكاملة،‭ ‬الفائقة‭ ‬الدقة،‭ ‬والمدعومة‭ ‬بتقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وحاولت‭ ‬قوات‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬اختبار‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬بشن‭ ‬حملة‭ ‬جوية‭ ‬لمدة‭ ‬39‭ ‬يوماً،‭ ‬تميزت‭ ‬بالتوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬Drones،‭ ‬والتي‭ ‬أنجزت‭ ‬مئات‭ ‬المهام‭ ‬المتنوعة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬دقة‭ ‬الإصابة،‭ ‬فكانت‭ ‬الحملة‭ ‬البرية‭ ‬بدون‭ ‬خسائر‭ ‬بشرية‭ ‬تذكر‭ ‬في‭ ‬قوات‭ ‬التحالف‭. ‬وفي‭ ‬البوسنة،‭ ‬استخدم‭ ‬الأمريكيون‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬جستارز‮»‬‭ ‬Joint Surveillance Target Attack Radar System‭ – ‬JSTARS‭ ‬لمراقبة‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات‭ ‬البرية‭ ‬من‭ ‬الجو،‭ ‬حيث‭ ‬يمكنه‭ ‬التقاط‭ ‬مكان‭ ‬وطراز‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬200‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع،‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬واحدة،‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬الظروف‭ ‬الجوية‭.‬

وتم‭ ‬إنتاج‭ ‬صواريخ‭ ‬وطائرات‭ ‬مسيرة،‭ ‬يتم‭ ‬توجيهها‭ ‬آلياً،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النظام‭ ‬الكوني‭ ‬لتحديد‭ ‬المواقع‭ ‬GPS‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية،‭ ‬وبما‭ ‬يضمن‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬نيرانية‭ ‬قوية‭ ‬للأهداف‭ ‬المعادية،‭ ‬وبدقة‭ ‬عالية،‭ ‬ومن‭ ‬مسافات‭ ‬بعيدة‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬مستشعرات‭ ‬لتجميع‭ ‬ومعالجة‭ ‬البيانات،‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحد،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الحقيقي،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬فعالية‭ ‬دائرة‭ ‬العمل‭ ‬المتكاملة‭ (‬المعلومات‭ ‬–‭ ‬القرار‭ – ‬الفعل‭) ‬لتتاح‭ ‬للقوات‭ ‬المحاربة‭ ‬سرعة‭ ‬الأداء،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬المبادأة،‭ ‬والكفاءة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأعمال‭ ‬القتالية‭. ‬وعمليات‭ ‬صنع‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬ستتغير‭ ‬هي‭ ‬أيضاً،‭ ‬وستشتمل‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬على‭ ‬خليط‭ ‬من‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‮»‬‭ ‬والإنساني،‭ ‬وستكون‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬أقل‭ ‬تسلسلاً،‭ ‬وأكثر‭ ‬فورية‭.‬

مجالات‭ ‬التفوق

إن‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬التقنية‭ ‬العسكرية‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬تحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬مجالات‭:‬

1‭ ‬- تجميع‭ ‬المعلومات،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬المستشعرات‭ ‬المحمولة‭ ‬جواً‭ ‬وفضائياً،‭ ‬يمكنها‭ ‬التقاط‭ ‬كل‭ ‬شىء‭ ‬يتحرك‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬محددة،‭ ‬براً‭ ‬وبحراً‭ ‬وجواً،‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬الظروف‭ ‬الجوية‭.‬

2‭ ‬- معالجة‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تجميعها،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أنظمة‭ ‬متقدمة‭ ‬للقيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬والاتصالات‭ ‬والاستخبارات،‭ ‬والتي‭ ‬تفسر‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تتلقاها‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬الاستشعار،‭ ‬وتعرضها‭ ‬على‭ ‬الشاشات،‭ ‬ثم‭ ‬تقوم‭ ‬تلك‭ ‬الأنظمة‭ ‬بتكليف‭ ‬منصات‭ ‬الأسلحة‭ ‬بالقيام‭ ‬بمهامها‭. ‬وتوزيع‭ ‬المعلومات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالقوات‭ ‬الصديقة‭ ‬والمعادية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭ ‬القيادية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تسعى‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬نظام‭ ‬متكامل‭ ‬يوحّد‭ ‬المعلومات‭ ‬بين‭ ‬أسلحة‭ ‬القوات‭ ‬كافة،‭ ‬حيثما‭ ‬تكون،‭ ‬وبشكل‭ ‬لحظي،‭ ‬كما‭ ‬ترغب‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاتصال‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت،‭ ‬بحيث‭ ‬تتيح‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬معلومات‭ ‬يريدها‭ ‬مباشرة‭.‬

3‭ ‬- استخدام‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬بقصف‭ ‬الأهداف،‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬ولكن‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الدقة،‭ ‬فالصواريخ‭ ‬الجوالة‭ ‬Cruise،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬الموجهة‭ ‬بالأقمار‭ ‬الاصطناعية،‭ ‬يمكنها‭ ‬إصابة‭ ‬هدف‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬مئات‭ ‬الأميال‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬2022،‭ ‬أعلن‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الروسي‭ ‬أن‭ ‬قواته‭ ‬استخدمت‭ ‬أحدث‭ ‬صواريخها‭ ‬التي‭ ‬تفوق‭ ‬سرعتها‭ ‬سرعة‭ ‬الصوت‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لتدمير‭ ‬موقع‭ ‬لتخزين‭ ‬الأسلحة‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬البلاد،‭ ‬وهذا‭ ‬الصاروخ‭ ‬جو‭/‬أرض‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬كينجال‮»‬‭ ‬Kh-47M2‭ ‬Kinzhal‭ (‬الخنجر‭) ‬وهو‭ ‬صاروخ‭ ‬باليستي‭ ‬يطلق‭ ‬من‭ ‬الجو،‭ ‬تم‭ ‬تصنيعه‭ ‬لتسليح‭ ‬المقاتلة‭ ‬الاعتراضية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬MiG-31K‭ ‬المحدثة‭. ‬ووفقاً‭ ‬للجيش‭ ‬الروسي،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الصاروخ‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ضرب‭ ‬أهداف‭ ‬على‭ ‬مسافات‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬2000‭ ‬كم،‭ ‬بسرعة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬10‭ ‬ماخ،‭ ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬السرعة‭ ‬تجعل‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬دفاع‭ ‬صاروخي‭ ‬حديث‭ ‬عديم‭ ‬الفائدة‭.‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬فإن‭ ‬الخبرة‭ ‬التاريخية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬التقنية‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري،‭ ‬وإن‭ ‬عززت‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬العمليات‭. ‬ففي‭ ‬العصور‭ ‬القديمة،‭ ‬استطاعت‭ ‬النار‭ ‬الإغريقية‭ ‬أن‭ ‬تصد‭ ‬هجمات‭ ‬‮«‬البرابرة‮»‬‭ ‬لحين،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إيقاف‭ ‬زحفهم‭. ‬وفي‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى،‭ ‬تغلب‭ ‬فرسان‭ ‬السهول‭ ‬على‭ ‬تحصينات‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬أوروبا،‭ ‬والعراق،‭ ‬والصين،‭ ‬وفارس‭. ‬وفي‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬قليل‭ ‬ما‭ ‬انتصرت‭ ‬القوات‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التقنية‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الأقل‭ ‬تقدماً،‭ ‬لأسباب‭ ‬متعددة،‭ ‬ومثال‭ ‬ذلك‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬فيتنام،‭ ‬وفي‭ ‬أفغانستان‭. ‬فتقنية‭ ‬المعلومات‭ ‬تعزز‭ ‬التوجهات‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬الكفاءة‭ ‬واستخدام‭ ‬الأسلحة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يتصف‭ ‬بحسن‭ ‬التمييز،‭ ‬وقلة‭ ‬الخسائر،‭ ‬ولكن‭ ‬ثمة‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬الفارق‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬للمعلومات‭ ‬أن‭ ‬تحدثه‭ ‬بمفردها،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬في‭ ‬القوات،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تدمرها،‭ ‬أو‭ ‬تحميها،‭ ‬أو‭ ‬تحركها،‭ ‬لكنها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬دعماً‭ ‬حيوياً‭ ‬لهذه‭ ‬القوات‭. ‬

منظومة‭ ‬جديدة‭ ‬لتسليح‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي

‭ ‬إن‭ ‬أنظمة‭ ‬التسليح‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬إصابة‭ ‬العمق‭ ‬في‭ ‬أراضي‭ ‬العدو،‭ ‬والتي‭ ‬تسمح‭ ‬باستخدام‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مسارح‭ ‬العمليات،‭ ‬ستصبح‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬تسليح‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي‭. ‬وأنظمة‭ ‬المدفعية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬ذات‭ ‬الذخائر‭ ‬‮«‬الذكية‮»‬،‭ ‬والراجمات‭ ‬الصاروخية،‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬التدمير‭ ‬والإستطلاع،‭ ‬وقوات‭ ‬الإبرار‭ ‬الجوي‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬قتال‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬بعيدة،‭ ‬وكذلك‭ ‬القوات‭ ‬الخاصة،‭ ‬تمنح‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬قدرة‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬المعارك‭ ‬العميقة‭. ‬ويدعم‭ ‬تلاحم‭ ‬نيران‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة‭ ‬المجهود‭ ‬الحربي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬تفوق‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬القوات‭ ‬للالتحام‭ ‬النيراني‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬القوات‭ ‬المعادية‭.‬

والصواريخ‭ ‬الموجهة‭ ‬الحديثة‭ ‬أصبحت‭ ‬عالية‭ ‬الدقة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬الضربة‭ ‬الأولى‭ ‬لمنع‭ ‬العدو‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬بالرد‭. ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬ستتسع‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬جغرافياً‭ ‬أيضاً،‭ ‬بينما‭ ‬يقل‭ ‬عدد‭ ‬القوات‭ ‬والآليات‭ ‬المستخدمة‭ ‬فيها‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الدفاعات‭ ‬ضد‭ ‬الصواريخ‭ ‬ليست‭ ‬سهلة،‭ ‬وليست‭ ‬متاحة‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الجيوش،‭ ‬فإن‭ ‬الأهداف‭ ‬الحيوية،‭ ‬مثل‭ ‬الموانئ‭ ‬والقواعد‭ ‬الجوية،‭ ‬وأي‭ ‬مواقع‭ ‬ثابتة،‭ ‬ستكون‭ ‬معرضة‭ ‬للضرب‭.‬

مستويات‭ ‬جديدة‭ ‬للتدريب‭ ‬والتعليم

من‭ ‬أجل‭ ‬الوفاء‭ ‬بجميع‭ ‬المهام‭ ‬المطلوبة،‭ ‬فإن‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬قادة‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمهارات‭ ‬قيادية،‭ ‬ويكونون‭ ‬مرنين،‭ ‬ومبدعين،‭ ‬وقادرين‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬ظروف‭ ‬المعركة،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬المهام‭ ‬الموكلة‭ ‬إليهم‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تدريب‭ ‬القادة‭ ‬هو‭ ‬العنصر‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬الخطط‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬مستويات‭ ‬التدريب‭. ‬والتقدم‭ ‬التقني‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬التسليح‭ ‬يستدعي‭ ‬استيعاب‭ ‬المقاتلين‭ ‬لهذه‭ ‬التقنية،‭ ‬وتمكينهم‭ ‬من‭ ‬استخدامها‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭.‬‭ ‬وبدون‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬مسبقاً،‭ ‬وبدون‭ ‬التخطيط‭ ‬الجيد،‭ ‬فإنه‭ ‬يتم‭ ‬تطبيق‭ ‬التدريب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الخطأ،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المسؤولين‭ ‬غير‭ ‬المناسبين،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الخطأ‭ ‬عند‭ ‬استخدام‭ ‬أسلحة‭ ‬جديدة‭.  ‬وتتعزز‭ ‬فاعلية‭ ‬التدريب‭ ‬عند‭ ‬القيام‭ ‬بتطبيقه‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي،‭ ‬أو‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭. ‬ومنظومة‭ ‬التدريب‭ ‬العسكري‭ ‬الحديثة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التدريب‭ ‬باستخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬الحرب‭ ‬الافتراضية‭ (‬المحاكيات‭)‬،‭ ‬والمباريات‭ ‬الحربية‭ ‬لتدريب‭ ‬القادة‭ ‬وهيئات‭ ‬الأركان،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬المناورات،‭ ‬بمستوياتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬والتدريب‭ ‬المشترك‭ ‬مع‭ ‬القوات‭ ‬الصديقة‭.‬

تساؤلات‭ ‬مشروعة

لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالمستوى‭ ‬الذي‭ ‬ستنتهي‭ ‬إليه‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬التقنية‭ ‬العسكرية،‭ ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬وضع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات،‭ ‬مثل‭:‬

كيف‭ ‬ستؤثر‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬ستحارب‭ ‬به‭ ‬الجيوش،‭ ‬وفي‭ ‬تنظيمها؟

هل‭ ‬ستؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الصراعات‭ ‬ذات‭ ‬الكثافة‭ ‬المنخفضة،‭ ‬مثل‭ ‬حرب‭ ‬العصابات،‭ ‬والحرب‭ ‬داخل‭ ‬المناطق‭ ‬الآهلة،‭ ‬والحرب‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة؟

ما‭ ‬مدى‭ ‬سهولة‭ ‬مقاومة‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬بتقنيات‭ ‬مضادة؟

وهل‭ ‬تضمن‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬النصر‭ ‬لمن‭ ‬يتملكها،‭ ‬ويتقن‭ ‬استخدامها؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬مضاعف‭ ‬للقوة؟

تغيرات‭ ‬جذرية‭ ‬للتطبيق

يتطلب‭ ‬تطبيق‭ ‬مفهوم‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الأمن‭ ‬والدفاع،‭ ‬وفق‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬المحددات‭ ‬والاعتبارات،‭ ‬أساسها‭ ‬تخفيض‭ ‬حجم‭ ‬الجيش،‭ ‬كماً‭ ‬وتنظيماً،‭ ‬لجعله‭ ‬أصغر‭ ‬حجماً،‭ ‬وأكثر‭ ‬كفاءة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬الاستغلال‭ ‬الأمثل‭ ‬للطاقة‭ ‬البشرية‭ ‬المتاحة،‭ ‬وبما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬قدرة‭ ‬توفير‭ ‬الاحتياجات‭ ‬التسليحية،‭ ‬واستيعاب‭ ‬أحدث‭ ‬التطورات‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬الأسلحة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الآتي‭:‬

التخلي‭ ‬عن‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬يعتمد‭ – ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ – ‬على‭ ‬المتطوعين‭ ‬الذين‭ ‬يشجعون‭ ‬بحوافز‭ ‬مالية،‭ ‬ولفترة‭ ‬خدمة‭ ‬أطول‭. ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬منذ‭ ‬بداية القرن‭ ‬الحادي‮ ‬والعشرين،‭ ‬ألغت‭ ‬17‭ ‬دولة‭ ‬أوروبية‭ ‬التجنيد‭ ‬الإلزامي‭. ‬وبالنسبة‭ ‬للجندي‭ ‬العادي،‭ ‬تشتمل‭ ‬خدمته‭ ‬على‭ ‬فترة‭ ‬تدريب‭ ‬أساسي‭ ‬تتلوها‭ ‬فترة‭ ‬احتياط‭. ‬أما‭ ‬ذوو‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية،‭ ‬الذين‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬تزداد‭ ‬أعدادهم‭ ‬باطراد،‭ ‬فتشملهم‭ ‬عقود‭ ‬خدمة‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬وتكون‭ ‬قابلة‭ ‬للتجديد‭. ‬

وضع‭ ‬معايير‭ ‬لانتقاء‭ ‬القادة‭ ‬وضباط‭ ‬الأركان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬النوعية‭ ‬والحرفية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭.‬

الاستعداد‭ ‬للدفاع‭ ‬بجيش‭ ‬عامل‭ ‬صغير‭ ‬العدد،‭ ‬لديه‭ ‬قدرات‭ ‬إنذار‭ ‬مبكر،‭ ‬وقوة‭ ‬جوية،‭ ‬وأسطول،‭ ‬ونظام‭ ‬تعبئة،‭ ‬ونظام‭ ‬نقل‭ ‬فعال‭ ‬للاحتياطي‭.‬

تطوير‭ ‬منظومات‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬والاستطلاع‭ ‬والاستخبارات،‭ ‬بما‭ ‬يمكِّن‭ ‬القادة‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬واقعية‭ ‬وموحدة‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات،‭ ‬بحيث‭ ‬تساعد‭ ‬هذه‭ ‬المنظومات‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سليمة،‭ ‬وتخصيص‭ ‬مهام‭ ‬قتال‭ ‬فورية‭ ‬صحيحة‭ ‬للوحدات‭.‬

دعم‭ ‬قوة‭ ‬الردع‭ ‬التقليدية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬امتلاك‭ ‬الصواريخ‭ ‬البالستية،‭ ‬والصواريخ‭ ‬الجوالة‭ ‬‮«‬كروز‮»‬،‭ ‬وتسليح‭ ‬الغواصات‭ ‬والسفن‭ ‬بصواريخ‭ ‬تطلق‭ ‬على‭ ‬أهداف‭ ‬برية‭ ‬من‭ ‬مسافات‭ ‬بعيدة‭. ‬

تطوير‭ ‬أساليب‭ ‬التدريب‭ ‬والتأهيل‭ ‬للقادة‭ ‬والضباط‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات،‭ ‬بما‭ ‬يجعلهم‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬المشاكل‭ ‬المعقدة‭ ‬والطارئة‭ ‬في‭ ‬الميدان‭.‬

تعميق‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬التحالفات‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬كبرى،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬المختلفة‭.‬

تكثيف‭ ‬دور‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬لتكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بإنجازات‭ ‬مؤثرة‭.‬

تحديات‭ ‬حرب‭ ‬المدن

ساد‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬التقنية،‭ ‬وخفة‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وسرعتها،‭ ‬بعض‭ ‬أوساط‭ ‬القيادات‭ ‬العسكرية‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬طوال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬وأطلقت‭ ‬هذه‭ ‬القيادات‭ ‬خططاً‭ ‬ترمي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬لتخفيض‭ ‬أعداد‭ ‬منتسبيها،‭ ‬وتزويدها‭ ‬بأحدث‭ ‬الأسلحة،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الحديثة‭ ‬جوية،‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬برية،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حشد‭ ‬جيوش‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬تقتضي‭ ‬سيطرة‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬الجو‭. ‬فالأساس‭ ‬فيها‭ ‬قوات‭ ‬أقل‭ ‬عدداً،‭ ‬وتقنية‭ ‬أكثر‭ ‬تقدماً،‭ ‬قوات‭ ‬خفيفة‭ ‬الحركة،‭ ‬سريعة‭ ‬الانتشار،‭ ‬عالية‭ ‬التسليح،‭ ‬جيدة‭ ‬التدريب،‭ ‬ذات‭ ‬قدرة‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬والالتفاف‭ ‬والاختراق،‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬إلكترونية‭ ‬متقدمة،‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬كشبكة‭ ‬متناغمة‭ ‬الأداء‭.‬

ولكن‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬المدن‭ ‬تعتبر‭ ‬العائق‭ ‬الأكبر‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الخطط‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬ومعالجة‭ ‬وتحليل‭ ‬واستخدام‭ ‬المعلومات،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬المدن‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تضليل‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري‭ ‬المعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الشوارع‭ ‬المعقدة،‭ ‬وشبكات‭ ‬الطرق‭ ‬المتداخلة،‭ ‬والطبوغرافية‭ ‬السكانية،‭ ‬تحرم‭ ‬القادة‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬القيادة‭ ‬البعيدة‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬الأمور‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭.‬

ويمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬حرب‭ ‬المدن‭ ‬نموذجاً‭ ‬عصرياً‭ ‬لحرب‭ ‬العصابات،‭ ‬حيث‭ ‬تستخدم‭ ‬فيها‭ ‬المقذوفات‭ ‬المضادة‭ ‬للدروع‭ ‬والمضادة‭ ‬للطائرات،‭ ‬والعمليات‭ ‬الانتحارية،‭ ‬والمتفجرات‭ ‬بدائية‭ ‬الصنع،‭ ‬والكمائن،‭ ‬ويقدم‭ ‬الخصم‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬التقليدية‭ ‬والتكتيكات‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬ومهاجمة‭ ‬المدنيين،‭ ‬أو‭ ‬شن‭ ‬هجمات‭ ‬انتحارية،‭ ‬والتصرف‭ ‬الإجرامي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬تدمج‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬القتال‭ ‬المختلفة،‭ ‬والتكتيكات،‭ ‬والتشكيلات‭ ‬غير‭ ‬المنظمة،‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬القتال،‭ ‬وتسعى‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬لاستنزاف‭ ‬خصومها‭ ‬وإرهاقهم‭ ‬لإرغامهم‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬أراضٍ‭ ‬معينة‭.‬

وتنطوي‭ ‬حرب‭ ‬المدن‭ ‬على‭ ‬تحديات‭ ‬وتكاليف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفوق‭ ‬الحرب‭ ‬التقليدية‭ ‬بكثير،‭ ‬حيث‭ ‬تضعف‭ ‬الفعالية‭ ‬المتفوقة‭ ‬للأسلحة‭ ‬والاتصالات‭. ‬ولذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬المدن‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬المستقبلي،‭ ‬والحرب‭ ‬فيها‭ ‬تطرح‭ ‬تحديات‭ ‬خاصة‭ ‬أمام‭ ‬القوات‭ ‬النظامية‭ ‬المتفوقة‭ ‬تقنياً‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تخفض‭ ‬فيه‭ ‬حرب‭ ‬المدن‭ ‬بشدة‭ ‬من‭ ‬فاعلية‭ ‬الأسلحة‭ ‬والمستشعرات‭ ‬المتطورة،‭ ‬فإنها‭ ‬تشكل‭ ‬بيئة‭ ‬ملائمة‭ ‬للأسلحة‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً،‭ ‬ولتكتيك‭ ‬حرب‭ ‬العصابات،‭ ‬حيث‭ ‬تشكل‭ ‬المباني‭ ‬أماكن‭ ‬لاختباء‭ ‬المدافعين‭ ‬من‭ ‬المهاجمين‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬عليهم‭. ‬

الخلاصة

يعتمد‭ ‬مفهوم‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬سوف‭ ‬تتغير‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬حيث‭ ‬ستغيب‭ ‬تلك‭ ‬الجيوش‭ ‬الجرارة،‭ ‬وستصبح‭ ‬الجيوش‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬القوة‭ ‬العددية،‭ ‬وزيادة‭ ‬الكفاءة،‭ ‬مع‭ ‬الاستفادة‭ ‬مما‭ ‬توصلت‭ ‬اليه‭ ‬تقنية‭ ‬صناعات‭ ‬الأسلحة‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬جيش‭ ‬المستقبل‭ ‬سيكون‭ ‬هو‭ ‬الجيش‭ ‬الصغير‭ ‬القوي،‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الكيف‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الكم،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬مضاعفة‭ ‬تواجده‭ ‬وقوته،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬يلغي‭ ‬تواجده‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬ثابتة،‭ ‬وسيكون‭ ‬ذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬للتطور‭ ‬التقني‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات،‭ ‬مما‭ ‬سيمكنه‭ ‬من‭ ‬إلغاء‭ ‬دور‭ ‬‮«‬التواجد‭ ‬المكاني‮»‬،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأساليب‭ ‬المتطورة‭ ‬في‭ ‬القتال،‭ ‬والتي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الجيش‭ ‬أقوى،‭ ‬وأفضل،‭ ‬وأقل‭ ‬تكلفة‭.‬

‮»‬‭ ‬لواء‭ ‬د‭./ ‬علي‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬رجب

‭ ‬‭)‬باحث‭ ‬عسكري‭ ‬وخبير‭ ‬استراتيجي)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض