605 Web File Cover

الدفاع المرن .. تلاشي الحدود الفاصلة بين الدفاع والهجوم في المعارك

يتضمن‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬المرن‮»‬‭ ‬توظيف‭ ‬أسلوب‭ ‬انسحاب‭ ‬القوات‭ ‬من‭ ‬خندق‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬دفاعي‭ ‬ثانوي‭ ‬بمجرد‭ ‬تعرض‭ ‬الخندق‭ ‬لإطلاق‭ ‬نار،‭ ‬ثم‭ ‬قيام‭ ‬القوات‭ ‬المنسحبة‭ ‬بشن‭ ‬هجوم‭ ‬مضاد‭ ‬عندما‭ ‬تقترب‭ ‬القوات‭ ‬المهاجمة‭ ‬من‭ ‬الخندق‭ ‬المهجور‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬مباشرة،‭ ‬وتكون‭ ‬منكشفة‭ ‬عسكرياً‭. ‬

يعود‭ ‬تاريخياً‭ ‬استخدام‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬إلى‭ ‬الألمان،‭ ‬والذين‭ ‬قاموا‭ ‬بتطبيقه‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬ظهور‭ ‬الدبابات،‭ ‬والتي‭ ‬أمدت‭ ‬المهاجم‭ ‬بقوة‭ ‬نيرانية‭ ‬متواصلة،‭ ‬مكنته‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬من‭ ‬اختراق‭ ‬الدفاعات‭ ‬العميقة‭. ‬ولمواجهة‭ ‬ذلك،‭ ‬تم‭ ‬تعديل‭ ‬تكتيك‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬المرن‮»‬‭ ‬في‭ ‬ثلاثينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عزل‭ ‬قوات‭ ‬المشاة‭ ‬المهاجمة‭ ‬عن‭ ‬الدبابات‭ ‬الداعمة‭ ‬لها‭. ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قيام‭ ‬الطرف‭ ‬المدافع‭ ‬بتوجيه‭ ‬نيران‭ ‬الأسلحة‭ ‬الخفيفة‭ ‬إلى‭ ‬قوات‭ ‬المشاة‭ ‬المهاجمة‭ ‬مع‭ ‬تجنب‭ ‬الدبابات،‭ ‬ثم‭ ‬استهداف‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المدافع‭ ‬المضادة‭ ‬للدبابات‭. ‬ويتم‭ ‬كذلك‭ ‬عبر‭ ‬توظيف‭ ‬العقبات‭ ‬الطبيعية‭ ‬والمعدة‭ ‬مسبقاً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إجبار‭ ‬الدبابات‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬معينة‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬استهداف‭ ‬هذه‭ ‬الدبابات‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬حقول‭ ‬الألغام‭ ‬المضادة‭ ‬للدبابات‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬استخدم‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬نفس‭ ‬التكتيك‭ ‬أثناء‭ ‬هزيمته‭ ‬لألمانيا‭ ‬عام‭ ‬1943،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬كورسك،‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المعارك‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الشرقية‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬وفي‭ ‬المعارك‭ ‬العسكرية‭ ‬الحديثة،‭ ‬يعود‭ ‬نجاح‭ ‬القوات‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬إحباط‭ ‬الهجوم‭ ‬الأوكراني‭ ‬المضاد‭ ‬منتصف‭ ‬العام‭ ‬2023،‭ ‬إلى‭ ‬اتباع‭ ‬الروس‭ ‬لهذا‭ ‬التكتيك‭ ‬العسكري‭. ‬وتهدف‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬تعريف‭ ‬للدفاع‭ ‬المرن،‭ ‬ثم‭ ‬توضيح‭ ‬كيفية‭ ‬تنظيم‭ ‬ميدان‭ ‬المعركة‭ ‬لكي‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الدفاع،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن،‭ ‬وأخيراً،‭ ‬بيان‭ ‬كيفية‭ ‬تطبيق‭ ‬روسيا‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا‭. ‬

الدفاع‭ ‬المرن‭ ‬في‭ ‬العمق

يمكن‭ ‬تعريف‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬المرن‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬العمق‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن‭ ‬في‭ ‬العمق‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬الانسحاب‭ ‬التكتيكي‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬الدفاع‭ ‬عنها،‭ ‬إذا‭ ‬لزم‭ ‬الأمر‭ ‬لصالح‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬القوات،‭ ‬والعمل‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬المنطقة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيف‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية‮»‬‭. ‬وبالتالي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الغرض‭ ‬الرئيسي‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬هو‭ ‬التمسك‭ ‬بكل‭ ‬شبر‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬مجدية‭ ‬تكتيكياً،‭ ‬وتتسبب‭ ‬في‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬للقوات‭ ‬المدافعة‭ ‬عنها‭. ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬تقليل‭ ‬خسائر‭ ‬القوات‭ ‬المدافعة‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬خسائر‭ ‬العدو،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كسب‭ ‬الوقت‭ ‬لتمكين‭ ‬القوات‭ ‬المدافعة‭ ‬من‭ ‬شن‭ ‬هجمات‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تالية‭. ‬وتتمثل‭ ‬المتطلبات‭ ‬الأساسية‭ ‬للدفاع‭ ‬المرن‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬القوات‭ ‬بالعمق‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬دفاع‭ ‬يصل‭ ‬عمقها‭ ‬إلى‭ ‬عشرة‭ ‬كيلومترات‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الجبهة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التنسيق‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬أفرع‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬المعركة‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬ثورياً،‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬أي‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬خطوط‭ ‬الدفاع‭ ‬الثابتة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الخنادق‭ ‬واستبداله‭ ‬بمفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬فيه‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬شن‭ ‬الهجوم‭ ‬المضاد،‭ ‬والذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الخط‭ ‬الأصلي‭. ‬

مناطق‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬

وفقاً‭ ‬للتكتيكات‭ ‬التي‭ ‬اتبعها‭ ‬الجيش‭ ‬الألماني‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬كان‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن‭ ‬ثلاثة‭ ‬قطاعات‭ ‬هي‭: ‬منطقة‭ ‬الموقع‭ ‬القتالي‭ ‬المتقدم‭ ‬ومنطقة‭ ‬المعركة‭ ‬والمنطقة‭ ‬الخلفية‭. ‬تتناول‭ ‬الدراسة‭ ‬تشريح‭ ‬كل‭ ‬منطقة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوحدات‭ ‬المعينة‭ ‬ومهامها‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬مواقع‭ ‬الأسلحة‭ ‬الثقيلة‭ ‬والوحدات‭ ‬للهجوم‭ ‬المضاد‭. ‬ويمكن‭ ‬تفصيل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬

منطقة‭ ‬الموقع‭ ‬القتالي‭ ‬المتقدم‭:‬‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬محاولة‭ ‬حرمان‭ ‬العدو‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬مناطق‭ ‬انتشار‭ ‬الدفاع‭ ‬وأعشاش‭ ‬المقاومة‭ ‬الفردية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نشر‭ ‬الدفاعات‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬واسعة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬القيام‭ ‬بعمليات‭ ‬واسعة‭ ‬ونشطة‭ ‬لإعاقة‭ ‬قدرات‭ ‬العدو‭ ‬على‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعيق‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخبارية‭ ‬التكتيكية‭ ‬بشأن‭ ‬انتشار‭ ‬المواقع‭ ‬الدفاعية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬نظراً‭ ‬لأن‭ ‬خطوط‭ ‬الخنادق‭ ‬يتم‭ ‬تمويهها،‭ ‬فإنه‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬الاستطلاع‭ ‬الجوي‭ ‬جمع‭ ‬معلومات‭ ‬استخباراتية‭ ‬مفصلة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬الدفاعية‭ ‬كذلك‭. ‬ويساعد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحطام‭ ‬وبقايا‭ ‬المعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬المدمرة‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالخنادق‭ ‬تحجب‭ ‬أي‭ ‬علامات‭ ‬واضحة‭ ‬لهذه‭ ‬الخنادق‭. ‬ويتراوح‭ ‬عمق‭ ‬منطقة‭ ‬الموقع‭ ‬القتالي‭ ‬المتقدم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬500‭ ‬إلى‭ ‬3000‭ ‬متر‭.‬

‬منطقة‭ ‬المعركة‭: ‬تجري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬المعركة‭ ‬الحاسمة،‭ ‬وتقع‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬1000‭ ‬إلى‭ ‬2000‭ ‬متر‭ ‬خلف‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬الأصلية‭. ‬ويتم‭ ‬تقسيمها‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬أمامية‭ ‬وخلفية‭. ‬ويتراوح‭ ‬عمق‭ ‬المنطقة‭ ‬الأمامية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1500‭ ‬إلى‭ ‬2500‭ ‬متر‭ ‬وتتمركز‭ ‬فيها‭ ‬كتيبة‭ ‬تكون‭ ‬جاهزة‭ ‬للانتشار‭. ‬ويتم‭ ‬تنظيم‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬سرايا‭ ‬هجومية‭ ‬لشن‭ ‬هجمات‭ ‬مضادة‭ ‬فورية،‭ ‬بينما‭ ‬تسيطر‭ ‬نسبة‭ ‬الـ‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬القوات‭ ‬المتبقية‭ ‬على‭ ‬نقاط‭ ‬قوية‭ ‬حصينة‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الحدود‭ ‬الخلفية‭ ‬للمنطقة‭ ‬الأمامية‭ ‬مع‭ ‬مدافع‭ ‬الرشاشات‭ ‬الثقيلة‭. ‬ويتمثل‭ ‬الغرض‭ ‬الرئيسي‭ ‬من‭ ‬المدفعية‭ ‬هو‭ ‬دعم‭ ‬الهجمات‭ ‬المضادة‭ ‬للسرايا‭ ‬الهجومية‭. ‬

أما‭ ‬المنطقة‭ ‬الخلفية‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬المعركة،‭ ‬فإنها‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬كتيبة‭ ‬الاحتياط‭ ‬التي‭ ‬تتقدم‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬إطلاق‭ ‬نيران‭ ‬المدفعية‭. ‬وستكون‭ ‬الكتيبة‭ ‬الاحتياطية‭ ‬غير‭ ‬مجهدة‭ ‬لأنها‭ ‬تقع‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬استراحة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬نطاق‭ ‬مدفعية‭ ‬العدو‭. ‬وللحفاظ‭ ‬على‭ ‬جاهزية‭ ‬الكتيبة،‭ ‬قام‭ ‬الألمان‭ ‬بتناوب‭ ‬كتائبهم‭ ‬كل‭ ‬أسبوعين‭ ‬بين‭ ‬منطقة‭ ‬الموقع‭ ‬القتالي‭ ‬المتقدم‭ ‬ومنطقة‭ ‬المعركة‭.‬

المنطقة‭ ‬الخلفية‭: ‬تقوم‭ ‬فرقة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬احتياطي‭ ‬الجيش‭ ‬الميداني‭ ‬بالتمركز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفي‭ ‬وضع‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بشن‭ ‬هجوم‭ ‬مضاد‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬هجوم‭ ‬العدو‭. ‬ويتم‭ ‬استخدام‭ ‬قوات‭ ‬الاحتياط‭ ‬للتخطيط‭ ‬والتنسيق‭ ‬مع‭ ‬القوات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬في‭ ‬شن‭ ‬الهجوم‭ ‬المضاد‭. ‬وتتمركز‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬في‭ ‬الخط‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬الخنادق‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬2‭ ‬كيلومتر‭ ‬خلف‭ ‬خط‭ ‬المدفعية‭. ‬وتقوم‭ ‬قوات‭ ‬الاحتياط‭ ‬هذه‭ ‬بمهاجمة‭ ‬العدو‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬مكاسبه،‭ ‬وتهدف‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬إلى‭ ‬سحق‭ ‬كل‭ ‬مقاومة‭ ‬في‭ ‬طريقها،‭ ‬وتعيد‭ ‬تأسيس‭ ‬تماسك‭ ‬خط‭ ‬الدفاع،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬المواجهة‭ ‬الأصلي‭.‬

سمات‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن

يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬تبني‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن‭ ‬إلى‭ ‬العام‭ ‬1916،‭ ‬عندما‭ ‬طبقه‭ ‬الجيش‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭. ‬وكان‭ ‬للدفاع‭ ‬المرن‭ ‬ثلاث‭ ‬سمات‭ ‬رئيسية‭ ‬يمكن‭ ‬تفصيلها‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬

العمق‭:‬‭ ‬يتم‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الدفاعية‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬بضع‭ ‬كيلومترات‭. ‬ويقدم‭ ‬العمق‭ ‬ميزتين‭. ‬أولهما،‭ ‬منع‭ ‬المهاجم‭ ‬من‭ ‬استغلال‭ ‬الزخم‭ ‬العسكري،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تتمكن‭ ‬قوات‭ ‬المشاة‭ ‬المهاجمة‭ ‬من‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الخندق‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المواقع،‭ ‬فإنه‭ ‬سيكون‭ ‬عليهم‭ ‬التوقف‭ ‬مؤقتاً‭ ‬لإعادة‭ ‬تجميع‭ ‬صفوفهم‭ ‬وشن‭ ‬هجوم‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬التالي‭. ‬وبالتالي‭ ‬يستنزف‭ ‬كل‭ ‬هجوم‭ ‬متتالٍ‭ ‬الوقت‭ ‬والذخيرة‭ ‬والطاقة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬التسبب‭ ‬في‭ ‬سقوط‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭. ‬كما‭ ‬يتيح‭ ‬العمق‭ ‬الوقت‭ ‬للمدافعين‭ ‬لنقل‭ ‬قوات‭ ‬الاحتياط‭ ‬إلى‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬للهجوم‭. ‬أما‭ ‬الميزة‭ ‬الثانية،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬كانت‭ ‬الخطوط‭ ‬الدفاعية‭ ‬ذات‭ ‬عمق‭ ‬كبير،‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬مدفعية‭ ‬القوات‭ ‬المهاجمة‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬الخنادق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬البشرية‭ ‬للقوات‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬وضعاً‭ ‬دفاعياً‭.‬

‬المرونة‭:‬‭ ‬تعني‭ ‬المرونة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قوات‭ ‬صغيرة‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الخنادق‭ ‬الأمامية‭ ‬ومنح‭ ‬قادة‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬سلطة‭ ‬التراجع‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬دفاعي‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬مواجهة‭ ‬قوة‭ ‬أكبر‭ ‬عدداً‭. ‬ويلاحظ‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن،‭ ‬تقاتل‭ ‬وحدات‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬لفترة‭ ‬كافية‭ ‬لإبطاء‭ ‬الموجات‭ ‬الأولية‭ ‬للهجوم‭ ‬قبل‭ ‬التراجع‭ ‬إلى‭ ‬المواقع‭ ‬المعدة‭ ‬مسبقاً‭.‬

وكانت‭ ‬فكرة‭ ‬الانسحاب‭ ‬تلاقي‭ ‬مقاومة،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1918،‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬الضباط‭ ‬يرفضون‭ ‬سحب‭ ‬معظم‭ ‬رجالهم‭ ‬من‭ ‬الخنادق‭ ‬الأمامية،‭ ‬وذلك‭ ‬لخوفهم‭ ‬من‭ ‬إخفاقهم‭ ‬في‭ ‬طرد‭ ‬القوات‭ ‬المهاجمة‭ ‬إذا‭ ‬سمحوا‭ ‬لهم‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬موطئ‭ ‬قدم،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬خشيتهم‭ ‬من‭ ‬انسحاب‭ ‬قادة‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬أول‭ ‬تهديد‭. ‬وتسبب‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬تكبيد‭ ‬القوات‭ ‬المدافعة‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬إيلاء‭ ‬الألمان،‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة‭ ‬لتلال‭ ‬‮«‬فيمي‭ ‬ريدج‮»‬،‭ ‬شمال‭ ‬فرنسا،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مواقع‭ ‬قتالية‭ ‬مهمة‭ ‬لقوات‭ ‬المشاة‭ ‬للاحتماء‭ ‬بها،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬التلال‭ ‬المسيطرة‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬مفيدة‭ ‬لأنها‭ ‬توفر‭ ‬نقاط‭ ‬مراقبة‭ ‬جيدة،‭ ‬لكنها،‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬المطلوب‭ ‬اللازم‭ ‬للدفاع‭ ‬عنها،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تنحدر‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬نحو‭ ‬السهول‭. ‬ونظراً‭ ‬للحسابات‭ ‬الخاطئة،‭ ‬فقد‭ ‬أولى‭ ‬الألمان‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بها،‭ ‬مما‭ ‬كبدهم‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭. ‬وأثبت‭ ‬سير‭ ‬المعارك‭ ‬خطأ‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج‭.‬

‬الهجوم‭ ‬المضاد‭:‬‭ ‬تقوم‭ ‬القوات،‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬وضعاً‭ ‬دفاعياً،‭ ‬بعد‭ ‬انسحابها‭ ‬بشن‭ ‬هجوم‭ ‬مضاد‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭ ‬لاستعادة‭ ‬الأراضي‭ ‬المفقودة‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن‭ ‬يتبنى‭ ‬تكتيكات‭ ‬هجومية‭ ‬كذلك‭. ‬ولتسهيل‭ ‬الهجوم‭ ‬المضاد،‭ ‬يقوم‭ ‬المدافعون‭ ‬ببناء‭ ‬دشم‭ ‬خرسانية‭ ‬ونقاط‭ ‬قوية‭ ‬بين‭ ‬خطوط‭ ‬الخنادق،‭ ‬وتمويهها‭ ‬أو‭ ‬وضعها‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬المدفعية،‭ ‬وذلك‭ ‬لاستخدام‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬كنقاط‭ ‬تجمع‭ ‬وقاعدة‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬لتوفير‭ ‬الغطاء‭ ‬لوحدات‭ ‬الهجوم‭ ‬المضاد‭.‬

الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية

من‭ ‬دراسة‭ ‬واقع‭ ‬المعارك‭ ‬الدائرة‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬منذ‭ ‬فبراير‭ ‬2022،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنها‭ ‬مرت‭ ‬بعدة‭ ‬مراحل،‭ ‬تباينت‭ ‬فيها‭ ‬التكتيكات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬لأخرى‭. ‬ففي‭ ‬الفترة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬وتحديداً‭ ‬منذ‭ ‬فبراير‭ ‬2022،‭ ‬وحتى‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬العام،‭ ‬تمكنت‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تقدر‭ ‬بحوالي‭ ‬23‭% ‬من‭ ‬المساحة‭ ‬الإجمالية‭ ‬للبلاد،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬سيطرتها‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بعد‭ ‬هجوم‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني‭ ‬المضاد‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬العام‭. ‬وحينها‭ ‬قررت‭ ‬القيادة‭ ‬الروسية‭ ‬تغيير‭ ‬تكتيكاتها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭. ‬فعوضاً‭ ‬عن‭ ‬سعي‭ ‬روسيا‭ ‬لتحقيق‭ ‬انتصار‭ ‬سريع‭ ‬ضد‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني،‭ ‬بدأت‭ ‬تتبنى‭ ‬استراتيجية‭ ‬أخرى،‭ ‬وهي‭ ‬إنهاك‭ ‬واستنزاف‭ ‬هذا‭ ‬الجيش،‭ ‬ومن‭ ‬ورائه‭ ‬الدعم‭ ‬الغربي،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬اتباع‭ ‬تكتيك‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬المرن‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬تمكن‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتباع‭ ‬هذا‭ ‬التكتيك‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬أغلب‭ ‬القوات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬المضاد‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2023،‭ ‬بل‭ ‬وتمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬شن‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭ ‬لهجمات‭ ‬بهدف‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬جديدة،‭ ‬وإن‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تالية‭. ‬

وتتمثل‭ ‬أبرز‭ ‬التكتيكات‭ ‬التي‭ ‬اتبعها‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تحصينات‭ ‬واسعة،‭ ‬والتي‭ ‬تشمل‭ ‬حقول‭ ‬الألغام،‭ ‬وشبكة‭ ‬من‭ ‬الخنادق،‭ ‬والتي‭ ‬توفر‭ ‬المدفعية‭ ‬والمروحيات‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬الدعم‭ ‬والحماية‭ ‬لها،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬حقول‭ ‬الألغام،‭ ‬والتي‭ ‬تراوح‭ ‬عمقها‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬120‭ ‬متراً‭ ‬إلى‭ ‬500‭ ‬متر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭. ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬قام‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭ ‬بإعادة‭ ‬زرع‭ ‬الألغام‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬هاجمها‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني‭ ‬وانسحب‭ ‬منها،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬راجمة‭ ‬الألغام‭ ‬‮«‬زيمليديلي‮»‬‭ ‬الروسية،‭ ‬والتي‭ ‬تقوم‭ ‬بزراعة‭ ‬الألغام‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إطلاق‭ ‬قذائف‭ ‬عيار‭ ‬122‭ ‬ملم‭. ‬

وقد‭ ‬عجزت‭ ‬القوات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬عن‭ ‬عبور‭ ‬هذه‭ ‬الحقول،‭ ‬وتكبدت‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة،‭ ‬قدرت،‭ ‬وفقاً‭ ‬لوزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الروسي،‭ ‬سيرجي‭ ‬شويجو،‭ ‬بحوالي‭ ‬90‭ ‬ألف‭ ‬جندي،‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬قتيل‭ ‬وجريح،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬600‭ ‬دبابة،‭ ‬و1‭,‬900‭ ‬مدرعة‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬الأنواع،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬بل‭ ‬واعترفت‭ ‬التقديرات‭ ‬الغربية‭ ‬بعجز‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬أي‭ ‬اختراق‭ ‬في‭ ‬الخطوط‭ ‬الدفاعية‭ ‬الروسية‭. ‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬عمدت‭ ‬روسيا‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬المدرعات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬من‭ ‬دبابات‭ ‬وكاسحات‭ ‬الألغام‭ ‬باستخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬لانتسيت‭. ‬ويحتاج‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬جيدة‭ ‬وقوات‭ ‬مدربة‭ ‬جيداً،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬مضادة‭ ‬حاسمة‭. ‬وقامت‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬ألوية‭ ‬القوات‭ ‬الخاصة‭ ‬‮«‬سبيتسناز‮»‬‭ ‬الروسية‭ ‬بشن‭ ‬الهجوم‭ ‬المضاد‭ ‬ضد‭ ‬القوات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬رابوتين‭ ‬خلال‭ ‬محاولة‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني‭ ‬انتزاع‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭. ‬ويدخل‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬كذلك‭ ‬توظيف‭ ‬الذخائر،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تفوقاً‭ ‬في‭ ‬نيران‭ ‬المدفعية‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬2023،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬إطلاق‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني‭ ‬حوالي‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬طلقة‭ ‬مدفعية‭ ‬شهرياً،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬خسرت‭ ‬هذه‭ ‬الميزة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬استنفاد‭ ‬مخزونات‭ ‬الناتو‭ ‬من‭ ‬الذخيرة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬معدلات‭ ‬إنتاجها‭ ‬مقارنة‭ ‬بالطلب‭ ‬الأوكراني‭ ‬عليها‭. ‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تمكنت‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬رفع‭ ‬معدلات‭ ‬إنتاج‭ ‬الذخيرة‭ ‬محلياً‭. ‬فوفقاً‭ ‬لتقديرات‭ ‬استخبارات‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬حول‭ ‬الإنتاج‭ ‬الدفاعي‭ ‬الروسي،‭ ‬تنتج‭ ‬روسيا‭ ‬حوالي‭ ‬250‭ ‬ألف‭ ‬قطعة‭ ‬ذخيرة‭ ‬مدفعية‭ ‬شهرياً،‭ ‬أو‭ ‬حوالي‭ ‬3‭ ‬ملايين‭ ‬سنوياً،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬مسؤول‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المخابرات‭ ‬الأوروبية‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬لديهما‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬حوالي‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬ذخيرة‭ ‬سنوياً‭ ‬فقط‭ ‬لإرسالها‭ ‬إلى‭ ‬كييف،‭ ‬بينما‭ ‬حدد‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬هدفاً‭ ‬لإنتاج‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬طلقة‭ ‬مدفعية‭ ‬شهرياً‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أي‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الإنتاج‭ ‬الشهري‭ ‬لموسكو‭. ‬

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬توجيه‭ ‬روسيا‭ ‬ضربات‭ ‬مكثفة‭ ‬ضد‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الصناعية‭ ‬العسكرية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬كييف‭ ‬تعتمد‭ ‬تدريجياً‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬الغربي‭ ‬المتواصل‭ ‬لها‭ ‬بالأسلحة‭. ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭ ‬أن‭ ‬يجاريا‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬العسكري‭ ‬الروسي‭. ‬

وأخيراً،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬دور‭ ‬التفوق‭ ‬الجوي‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬إحباط‭ ‬الهجوم‭ ‬الأوكراني،‭ ‬إذ‭ ‬تمكنت‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬الروسية‭ ‬من‭ ‬قصف‭ ‬القوات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬متوسط،‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬دقة‭ ‬ضرباتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬بعد‭ ‬نجاح‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬تجريد‭ ‬أوكرانيا‭ ‬من‭ ‬دفاعاتها‭ ‬الجوية‭. ‬واتبعت‭ ‬موسكو‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬استراتيجية‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬إنهاك‭ ‬الدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬عبر‭ ‬إطلاق،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬نحو‭ ‬500‭ ‬صاروخ‭ ‬باليستي‭ ‬وطائرة‭ ‬مسيرة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬خمسة‭ ‬أيام‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا‭. ‬وأدى‭ ‬اتباع‭ ‬روسيا‭ ‬لهذا‭ ‬التكتيك‭ ‬مراراً‭ ‬إلى‭ ‬استنزف‭ ‬نظم‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الأوكرانية‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬بمراجعة‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬المرن،‭ ‬فإنه‭ ‬يلاحظ‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬التاريخ‭ ‬العسكري،‭ ‬تطور‭ ‬المفهوم‭ ‬من‭ ‬حقبة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬فإنه‭ ‬أثبت‭ ‬فاعليته‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المعارك،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التكتيك‭ ‬العسكري‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬الصمود‭ ‬بمفرده،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬لكي‭ ‬ينجح،‭ ‬مثل‭ ‬انضباط‭ ‬القوات‭ ‬وكفاءتها‭ ‬القتالية‭ ‬والإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬الضخم،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العوامل‭. ‬

‮»‬‭ ‬د‭. ‬شادي‭ ‬عبدالوهاب
(أستاذ‭ ‬مشارك‭ ‬بكلية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬أبوظبي)

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض