كتاب العدد 589 لشهر فبراير 2023

ميتافيرس: الفرص والمخاطر وسيناريوهات المستقبل

تُعَدُّ ميتافيرس تطوراً تكنولوجياً طبيعياً، وامتداداً لطفرات العالم الرقمي في السنوات الأخيرة، وهي عوالم رقمية ثلاثية الأبعاد، يُمكنها مزج الحقيقي بالافتراضي، مدعومة بتكنولوجيا البلوك تشين اللامركزية، ويتطلَّب الوصول إليها أجهزة وتكنولوجيا قابلة للارتداء، تحقق إشباعاً حسياً مماثلاً للحقيقة، وستتيح ميتافيرس فرصاً كبيرة، وبمقدورها استيعاب جميع تفاعلات البشر، وستنشأ منها أنماط استهلاكية جديدة، دفعت شركات وعلامات تجارية مشهورة نحو سباق لتوفير منتجات وسلع افتراضية، تُستخدَم فقط داخل هذا العالم، الذي يدمج المادي والرقمي.

ويرتبط النشاط الحالي في بناء ميتافيرس وصناعتها بدروس جائحة كوفيد-19، التي رسَّخت فكرة العمل المنزلي، والعمل من بُعد، وحين أعلن مارك زوكربيرج في أكتوبر 2021 تغيير العلامة التجارية لشركته من فيسبوك إلى ميتا، جذب أنظار المستخدمين في العالم إلى هذا المجال، فزاد نشاطه واتسع، وإذ تقود شركات وادي السيليكون الأمريكية سباق مشروعات ميتافيرس، لا تقف الشركات الصينية وغيرها بمعزل عن هذه التطورات. 

ويدرس الكتاب واقع عالم ميتافيرس، المحاط بعدم اليقين، إذ تتمسك شركات وادي السيليكون برؤيتها المثالية لهذا العالم الحتمي، ويقابلها آخرون بنظرة تشاؤمية، ومخاوف عميقة من جرَّاء مخاطر كثيرة متوقَّعة، وميراث ثقيل من الثغرات التكنولوجية سينتقل إلى ميتافيرس ليتفاقم، ولا سيَّما مع الاتجاه إلى استغلال ميتافيرس عسكرياً، والتنافُس الواضح بين القوى الكبرى، ويبقى سيناريو نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة في تطويع ميتافيرس، وتحويلها أداةً للقوة الناعمة والرفاهية، هو السيناريو الأمثل.

ويشير الكتاب إلى أن السنوات المقبلة ستشهد طفرات في طرق التفاعل بين البشر، عبر وسائل مُزودة بمستشعِرات ظهرت بالفعل، بطريقة أو بأخرى، مثل نظارات الواقع المُعزَّز، والسُّترات، والقفازات، والخوذ، والأحذية، والملابس، التي يُمثل تطويرها، وطرحها في الأسواق بسعر تجاري، تحدياً كبيراً أمام الشركات المتخصِّصة بهذه التكنولوجيا.

وتوفر ميتافيرس صورة ثلاثية الأبعاد تختلف عمَّا يعرفه المستخدمون، إذ لا تقتصر على المشاهدة والاستماع، بل ستجعل المستخدمين جزءاً من الحدث، عبر الاستعانة بهاتف أذكى، وبعض الأجهزة ذات المستشعِرات، وأذرع التحكُّم، من أجل التفاعل الحي الذي يتيح استخدامات فوقَ الحصر.

وتسعى شركات التكنولوجيا في العالم إلى إنشاء عوالم افتراضية جديدة ومختلفة، تسدُّ الفجوة بين العالمين الواقعي والرقمي، لينشأ بذلك عالم ثالث، يستطيع فيه الأفراد إنشاء حياتهم الافتراضية، عن طريق مساحات مختلفة من الإنترنت، تسمح لهم بالتلاقي، والعمل، والتعليم، والترفيه.

وتُباشر شركات التكنولوجيا بناء هذه العوالم مُستهدِفةً بناء مساحاتها الخاصة، لجذب ملايين المستخدمين، ومن هذه الشركات ما تملك منصات للتواصل الاجتماعي، أو تطوِّر ألعاباً مشهورة، أو تبني مساحات لمصلحة شركات أخرى، ومؤسسات، ومنظمات، وأفراد، يسعون بدورهم إلى امتلاك مساحة افتراضية، أو استئجارها، واستغلالها في عمليات مثل التسويق، والبيع بالتجزئة، أو اللعب والترفيه، وتتسابق شركات أخرى إلى تسجيل علاماتها التجارية الحصرية الافتراضية، رغبةً فقط في بيع منتجات افتراضية، لا مثيل لها على أرض الواقع، مثل الأثاث المنزلي الافتراضي، والملابس الافتراضية، وغير ذلك.

ويؤكد الكتاب أن واقع ميتافيرس سيُحتِّم على الحكومات، ولا سيَّما التي تهدف إلى التحول الرقمي، ومواكبة التطورات التكنولوجية في الاتصالات، والخدمات الجماهيرية المختلفة، أن تعيد توجيه جهودها المختلفة، ويشمل ذلك الدراسات والبحوث، للتعرف إلى عوالم ميتافيرس، وإلى أبعادها الاستراتيجية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والأخلاقية، والتعمُّق في دراسة مخاطرها وتحدياتها، ومن ثمَّ تنظيم امتلاك المساحات الحصرية فيها، ومباشرة عمليات تدريب وإرشاد مختلفة، تُمكِّن العاملين والموظفين من مواكبة تطوراتها، وتخدم التطلُّع إلى تحويل ميتافيرس أسلوباً أساسياً للعمل من بُعد، وعقد المؤتمرات والندوات والفعاليات المختلفة، ولا سيَّما في ظل الطوارئ الصحية، وإجراءات التباعد الاجتماعي التي تأبى أن تنتهي سريعاً.

وفي المقابل سوف ترث ميتافيرس كماً ضخماً من التحديات والمخاطر التي لم تُحَلَّ جذرياً من جرَّاء استخدام الإنترنت، إضافةً إلى إمكانية ظهور أنماط جديدة من السلوك المضطرب والخبيث، والممارسات المتطرفة والعنصرية، وتحولها مرتعاً محتملاً للتنظيمات المتطرفة والإرهابية.

وفي الوقت نفسه تحمل ميتافيرس فرصاً كبيرة إذا قُنِّنت، وطُوِّعت، وحُدِّدت الحاجات والمتطلبات الأساسية لمستخدميها، وفق طبيعة المجتمعات المختلفة، وصُمِّم هذا العالم بناءً على توجهات المستهلك النهائي، والمؤسسات، وطبيعتها، ومن جانب آخر يمكن النظر إليها بصفتها أداةً ستسهم في تعزيز القوة العسكرية لبعض الدول مستقبلاً، أو أداةً مؤثرة للقوة الناعمة.

معلومات المؤلف: ربيع محمد يحيى

محرر ومترجم في الهيئة الوطنية للإعلام بجمهورية مصر العربية

متخصص بمتابعة القضايا العربية والدولية الراهنة، وشؤون السياسة والرياضة والثقافة والتكنولوجيا

باحث في الشؤون الإسرائيلية، ومترجِم للغة العبرية

معلومات الكتاب

اسم الكتاب: ميتافيرس: الفرص والمخاطر وسيناريوهات المستقبل

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

سنة النشر: 2022

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض