العدد 587

صانعو الاستراتيجيات القديمة.. من الحروب الفارسية إلى سقوط روما

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

يرتكز هذا الكتاب على الفكرة الأساسية القائلة إن “دراسة التاريخ، وليس فهم الإنجازات والإبداعات التكنولوجية الحديثة، تبقى هي المرشد الأفضل لإدراك طبيعة الحرب العصـرية وجوهرها”. وكما تُظهر فصول الكتاب العشـرة، فإن الطبيعة البشـرية، التي تثير الصـراعات وتوجِّهها، تبقى ثابتة لا تتغير. وما دامت الحرب يديرها، اليوم ومستقبلاً، الإنسانُ الذي تطغى العاطفة على أحكامه وردود أفعاله، فإن بالإمكان التكهُّن بأن الحرب واقعة دائماً.

يبدأ كل فصل من فصول الكتاب بمقدمة ترسم ملامح المشهد التاريخي لحقبة بعينها، واللاعبين الرئيسيين فيه، يعقبها تحليل لمن ارتبط اسمه بهذا المشهد من صانعي الاستراتيجيات القدامى، سواء كان رجلَ دولة، أو قائداً، أو منظِّراً، أو للاستراتيجية نفسها، ومن ثمَّ يقدم تقييماً له، أو لها، من حيث النجاح، أو الفشل، وبعد ذلك يتسع نطاق المناقشة لتدرس صلة الاستراتيجية موضوع البحث بالحروب اللاحقة، وبصـراعات العصر الراهن.

ويركِّز توم هولاند، في الفصل الأول، على أول صدام حضارات كبير بين الشـرق والغرب، تجسَّد في المحاولات التي بذلها الفرس، أوائل القرن الخامس قبل الميلاد، للاستيلاء على دُويلات المدن اليونانية، وضمها إلى إمبراطوريتهم المتنامية. ويوضح كيف أن القوى الإمبراطورية تسعى إلى تأسيس أساطير متكاملة عن أخلاقية الغزو، وضـرورته، وحتميته. وما يذكرونه من روايات وقصص له أهمية بالنسبة إلى التخطيط العسكري كأهمية المقاتلين والمعدات في ميدان المعركة.

ويبيِّن دونالد كاجان، في الفصل الثاني، أن أشخاصاً أفذاذاً يمكن من حين إلى آخر أن يحدثوا التأثير المطلوب، فهو يسلِّط الضوء هنا على المكانة المرموقة التي شغلها بيركليس على مدى 32 عاماً في الحياة السياسية بأثينا، التي تمكَّنت تحت قيادته من حماية المدن ـــــ الدول اليونانية من عمليات الفرس الانتقامية، وحافظت على السلم العام، وقاومت مظاهر جنون العظمة الإمبراطورية، وعزَّزت النمو الاقتصادي من خلال تأسيس نظام تجاري موحَّد ومتكامل. إن نجاح بيركليس، وإخفاق من أعقبه في السلطة، يمثلان رسالة مفادها أن السلطة الإمبراطورية إذا تحولت أداةً لـ”تضخيم” الذات ليس إلا، فمن المحتَّم أنها “ستنفجر” في النهاية.

ويتتبَّع ديفيد بيركي، في الفصل الثالث، أثر تطوُّر عملية بناء أسوار أثينا وسياساتها الدفاعية عبر قرن من الزمن، وتعكس سلسلة المشروعات هذه تنفيذ أجندات اقتصادية وسياسية وعسكرية مختلفة. ومع ذلك، فإنها أدَّت دوراً نافعاً مشتركاً في حماية أثينا من أعدائها، وقدَّمت دعماً أيديولوجياً مضافاً لمفهومي “الإمبراطورية” و”الديمقراطية”.

ويوجِّه فيكتور ديفز هانسون، في الفصل الرابع، جلَّ اهتمامه إلى الحملة الاستباقية الغامضة التي قام بها إيبامنونداس، قائد طيبة، لغزو إقليم البيلوبونيز (370-369 ق.م)، التي أضعفت هيمنة إسبرطة الاستبدادية. وقاد إيبامنونداس طيبة إلى مكانة رفيعة جديدة، فأقام معاقلَ وقلاعاً جديدة، وحرَّر الآلاف من عبيد إسبرطة، وأحدث تغييراً بارزاً في ثقافة الإغريق السياسية نفسها، حين آزر عملية إقامة نظم الحكم الديمقراطية في المدن ـــــ الدول اليونانية.

وفي الفصل الخامس يستعرض إيان وورثنجتون مساعي الإسكندر إلى إقامة إمبراطورية آسيوية، والمصاعب التي واجهها في إدارة بلاد فارس، التي فتحها باستخدام الموارد والقدرات المقدونية الآخذة في الانكماش. وقد اكتشف الإسكندر أن من الضـروري مراعاة الحساسيات والفوارق الثقافية بُغيةَ كسب قلوب أبناء فارس وعقولهم بعد هزيمتهم.

وفي الفصل السادس يسعى جون لي إلى إثبات أنه ما من جديد يتعلَّق بحروب المدن المعاصـرة، أو بالمشكلات التي تثيرها في وجه قوات المشاة التقليدية، ففي اليونان القديمة كان المنظِّرون والقادة العسكريون، على حدٍّ سواء، قد اهتمُّوا اهتماماً شديداً بالتحديات عينها التي تمثلت في الحصول على معلومات استخبارية محلية دقيقة، وكسب قلوب المدنيين وعقولهم، وصوغ الطرق والأساليب المناسبة لاستخدامها داخل أوساط سكان المناطق الحضـرية المكتظة، متى ما انتقل القتال من ميدان المعركة إلى المناطق الداخلية للمدينة.

وتُحلِّل سوزان ماتيرن، في الفصل السابع، الأساليب المتنوعة التي وظَّفتها روما لتحُول دون تشـرذُم أركان إمبراطوريتها المتعدِّدة الثقافات، والمختلفة الأعراق، فمارست مجموعة من الآليات المضلِّلة بُغيةَ “كسب قلوب السكان المحليين، وعقولهم”، أو تحييدهم. ولعلَّ ما أقنع معظم القبائل بأن وقوفها في صف روما، وليس مناهضتها، سيعود عليها بمنافع أكبر، هو ذلك المزيج من الامتيازات المتمثلة في المعونات المادية السخية، ومنح الجنسية الرومانية، وتوفير التعليم، والمساواة أمام القانون، ودمج السكان واستيعابهم بصفتهم مواطنين أصليِّين.

وفي الفصل الثامن يسلِّط باري إشتراوس الضوء على ثورات العبيد في العصور القديمة، وبخاصة حركة التمرُّد التي قادها سبارتاكوس ضد الدولة الرومانية، كي يثبت أن المشكلات يمكن أن تزداد سوءاً بالنسبة إلى أولئك الذين يتحدَّوْن سلطة الدولة. وفي حال تخطَّت أهداف المتمردين حدود إشاعة الرعب، لتشمل الفوز بقلوب السكان المحليين، أو حتى احتلال أراضٍ وتأمينها بصورة دائمة، فلا بدَّ أنهم في مرحلة من المراحل سيقفون في مواجهة قوات الدولة على صعيد الحرب التقليدية. وتبقى كفة الدولة القومية هي الراجحة على المستوى العسكري، ولا سيَّما حين تنشب الحرب داخل حدودها.

ويعرض أدريان جولدزورثي، في الفصل التاسع من الكتاب، كيف استطاع يوليوس قيصـر، عبر غزوه بلاد الغال، ارتقاء سلَّم السلطة سـريعاً، عندما تفوَّق، حيلةً ودهاءً وقوةً، على منافسيه الأكثر حنكةً والأوسع تجربةً ونفوذاً. والعبرة هنا أن استخدام القوة العسكرية في الخارج ستكون له حتماً انعكاسات سياسية في الداخل، ويمكن أن يتحول خطاً يهدِّد مجتمعات النظم الجمهورية التي تنشـر جيوشاً أكثر تفوقاً وتطوراً، مثلما يهدِّد الأعداء.

ويرى بيتر هيذر، في الفصل العاشـر، أننا في الوقت الذي نحسب فيه أحياناً أن قوات روما الإمبراطورية تتستَّر خلف ما توافر لها من حصون وأسوار وعوائق طبيعية، فهي ربَّما كانت في اتباعها الأعراف العسكرية السائدة قد جازفت باقتحام أراضـي العدو استباقاً لأي عمليات غزو خارجية محتمَلة، وإجهاضاً لها، فمن كانت الإمبراطورية تصفهم بـ”البرابرة” المقيمين عند حدود روما قد باتوا أكثر حنكةً وتمرُّساً، وتعزَّزت وحدة صفوفهم، وصاروا يرقبون بحماسة ودقَّة كبيرتين الأساليب التي تعتمدها روما في بناء جيوشها وقواتها وتمويلهما، ليسهل عليهم، من ثمَّ، الالتفاف عليها، وتضليلها.

معلومات المؤلف

تأليف: مجموعة مؤلفين

تحرير: فيكتور ديفز هانسون

معلومات الكتاب

اسم الكتاب: صانعو الاستراتيجيات القديمة من الحروب الفارسية إلى سقوط روما

المؤلف: مجموعة مؤلفين

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، سنة النشر: 2014

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض