كتاب الجندي للعدد 580 لشهر مايو 2022

رحلة إيران النووية الطويلة: التكاليف والمخاطر

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

اتسمت رحلة إيران النووية الطويلة بتكاليف مالية باهظة، ومخاطر لا يمكن التنبؤ بها، ودوافع غير واضحة. وقد حال التاريخ السريُّ لهذا البرنامج، الذي ترافق مع منع الحكومة الإيرانية التغطية الإعلامية المفتوحة للقضية النووية، دون إجراء نقاش داخلي تشتد الحاجة إليه بشأن الأساس المنطقي لحساب التكاليف -المنافع الخاصة بالبرنامج. وتُرِكَت تساؤلات مهمَّة حول فاعلية البرنامج الاقتصادية وسلامته من دون أن يتم الرد عليها.

وعند تقييم البرنامج النووي الإيراني على أرض الواقع وفق منظور التكاليف نلحظ الآتي:

• تجاوزت تكاليف البرنامج -مقيسةً بالاستثمارات الأجنبية وعائدات النفط المفقودة- المئة مليار دولار.
• احتاج مفاعل بوشهر إلى نحو أربعة عقود لاستكمال بنائه، ووصلت تكلفته إلى 11 مليار دولار تقريبًا (قياسًا إلى سعر الدولار الحالي)؛ ما جعله واحدًا من أكثر مفاعلات العالم تكلفة.
• يزود مفاعل بوشهر 2 في المئة فقط من حاجات إيران من الطاقة، في حين أن 15 في المئة من الطاقة الكهربائية، التي تنتجها البلاد تُهدَر من خلال خطوط النقل القديمة السيئة الصيانة.
• على الرغم من طموحات إيران إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي؛ فإن مواردها الضئيلة نسبيًّا من اليورانيوم ستحول دون امتلاكها برنامجًا محليًّا للطاقة النووية.
• بدلًا من تعزيز أمن الطاقة في إيران قلَّص البرنامج النووي من قدرة البلاد على تنويع (مصادر الطاقة)، وتحقيق استقلال حقيقي فيما يتعلق بإنتاجها.

أمَّا فيما يتعلق بالمخاطر؛ فتجدر الإشارة إلى الآتي:

• إيران هي الدولة النووية الوحيدة التي لم توقع اتفاقية الأمان النووي؛ كما أن موادها ومخزوناتها النووية تُعَدُّ من الأقل تأمينًا في العالم.

• يقع مفاعل بوشهر النووي على تقاطع ثلاث صفائح تكتونية، وسيكون لأي كارثة نووية فيه تداعيات إقليمية خطِرة جدًّا.

• يُعَدُّ سجل الحكومة الإيرانية الضعيف في إعداد السياسات الاستباقية وإدارة الأزمات مصدرًا آخر للقلق؛ ونتيجة لتسييس برنامج إيران النووي أضحت الهواجس المتعلقة بالأمان والأمن قضايا ثانوية.

بالرغم من أن إيران تملك الآن بنية نووية محلية تميزها من غيرها من دول المنطقة؛ فإن محطات الطاقة النووية فيها ليست حديثة، أو منافسة تجاريًّا، أو آمنة، بقدر تلك التي من المرجَّح أن تشتريها الدول المجاورة مقابل جزء يسير من الوقت والاستثمار الرأسمالي اللذين تكلفتهما إيران.

ونجد أن الاهتمام بالطاقة النووية يتزايد في أنحاء المنطقة؛ حيث أعلنت المملكة العربية السعودية، والبحرين، والكويت، وعُمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة، اهتمامها بالسعي إلى امتلاك برامج نووية مدنية.

وفيما يخص الآثار المترتبة على مستوى السياسات بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها؛ فيمكن القول إن الضغط الاقتصادي، أو القوة العسكرية، لن يمكنهما “إيقاف” البرنامج النووي الإيراني؛ فهو مرتبط بكثير من الفخر -مهما كان ذلك مضلِّلًا-؛ والتكاليف الهائلة يمكن تجاهلها ببساطة. كما أن القضية النووية لن يتم حلها أبدًا بشكل كامل في غياب تسوية سياسية أوسع؛ ويتمثل الحل الوحيد المستدام لضمان أن يبقى البرنامج النووي الإيراني سلميًّا بحتًا في حل دبلوماسي يُتَوَافق عليه بصورة متبادلة. وأخذاً في الحسبان أن المصالحة السياسية غير محتملة؛ فإن الهدف ينبغي أن يكون تحقيق قدر من الانفراج.

وسيتطلَّب مثل هذا الاتفاق تخفيف العقوبات الأشد صرامة المفروضة على إيران، خاصة تلك التي تستهدف مصرف إيران المركزي، ومبيعات نفط. كما ينبغي أن يتضمَّن أي اتفاق التزامات من جانب إيران تتخلَّى بموجبها عن أي أنشطة حيوية لصنع أسلحة نووية. وقد حدَّدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالفعل بعض المعايير للتسلح النووي، ويمكن تحديد معايير أخرى. ويعني تجاوز أي أنشطة إيرانية هذه المعايير أنها أنشطة غير مشروعة بالنسبة إلى برنامج نووي سلمي.

وتوجد خيارات بديلة ينبغي تسليط الضوء عليها؛ فعلى سبيل المثال يُقَدَّر أن قدرات الطاقة الشمسية في إيران تفوق مجمل حاجاتها من الطاقة بنحو 13 ضعفًا. وعن طريق تقديم تقنيات طاقة بديلة متطورة إلى إيران؛ فإنه يمكن إرساء سابقة لغيرها من الدول الطامحة إلى الطاقة النووية.

ويجب أن تحدد مجالات التعاون المحتملة بوضوح؛ إذ ينبغي اقتراح حوافز ملموسة مقابل تنازلات إيران التي يمكن التحقق منها.

ولا يوجد، حتى الآن، ضغط محلي مؤثر يجبر الحكومة الإيرانية على مراجعة حساباتها النووية؛ ولكن الشعب الإيراني يعاني بالفعل الظروف الاقتصادية المتدهورة نتيجة للوضع الاقتصادي المتدهور بسبب الأزمة. وفي ظل غياب الاستطلاعات الموثوق بها من المستحيل تحديد نسبة الإيرانيين الذين ما زالوا داعمين لبرنامج البلاد النووي.

إن الدبلوماسية العامة ينبغي أن تكمل الدبلوماسية النووية؛ إذ يجب أن توضح الجهود للإيرانيين أن وجود إيران مزدهرةً ومتماسكةً -وليست ضعيفةً ومعزولةً- يُعَدُّ مصلحة أمريكية. وينبغي أن توضح واشنطن ماذا سيجني الإيرانيون مجتمعين من حل وسط نووي (غير خفض العقوبات، والتهديد بالحرب)، وأن تشرح كيف أن نهجًا إيرانيًّا أكثر تصالحيةً سيحسِّن اقتصاد البلاد، ويعزز قدراتها التكنولوجية، وضمنها قدرتها النووية السلمية.

ويستلزم نجاح حملة دبلوماسية أمريكية شعبية أكثر فاعلية وسيلة اتصال كفؤة، إضافة إلى رسالة محسنة؛ إذ تعاني “شبكة الأخبار باللغة الفارسية” (Persian News Network) التابعة لـ”صوت أمريكا” ضعف التأثير، حتى إن باراك أوباما، الرئيس الأمريكي، اختار التواصل مع الشعب الإيراني في سبتمبر 2010؛ عن طريق مقابلة مع “بي بي سي الفارسية”.

نبذة عن المؤلفَين علي فائز وكريم سجادبور

علي فائز مدير مشـروع إيران لدى اتحاد العلماء الأمريكيين حتى مارس 2012. ويعمل حاليًّا كبير محللي إيران في المجموعة الدولية للأزمات. ولديه خبرة في الصحافة لمدة أكثر من عقد من الزمن، وهو مسهم منتظم في وكالات الأنباء الرئيسية، وتنشـر كتاباته في عدد من المجلات والصحف العالمية.

كريم سجادبور زميل بارز في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي. وعمل في السابق محللًا مع المجموعة الدولية للأزمات، ومقرها في طهران وواشنطن. وهو مؤلف كتاب “قراءة خامنئي: نظرة العالم إلى أقوى زعيم في إيران”. ويظهر سجادبور كثيرًا على شاشات القنوات الإخبارية بصفته محلِّلًا سياسيًّا؛ كما يكتب في أبرز الصحف والمجلات العالمية.

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

سنة النشر: 2014

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض