586 Web File A

سباق التسلح والإنفاق العسكري

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

في مارس 2022، أصدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، والذي يوجد مقره في السويد، تقريره السنوي عن الإنفاق العسكري في العالم، وجاء به أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ نحو 1981 مليار دولار عام 2021، وهو ما يمثل 2.4 % من الناتج الاقتصادي العالمي، بزيادة نسبتها 0.7 % عن عام 2020، وتصدرت الولايات المتحدة الأمريكية والصين، قائمة الدول الأكثر إنفاقاً على التسليح، تليهما الهند وبريطانيا وروسيا، أما أستراليا، فزادت ميزانيتها العسكرية الجديدة نحو 3.5 مليار دولار، لتزويد الطائرات المقاتلة والقطع الحربية بصواريخ بعيدة المدى. وكشف التقرير أنه في عام 2021، زاد الإنفاق العسكري الروسي بنسبة 2.9 %، وخصصت الصين نحو 293 مليار دولار لجيشها، بزيادة قدرها 4.7 % مقارنة بالعام السابق، أما اليابان، فوصل إنفاقها العسكري إلى 54.1 مليار دولار. ووفقاً لبيانات ترجع لعام 2020 لمعهد «سيبري» فإن روسيا تنفق حوالي 4.14 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على قواتها المسلحة، بينما تنفق بريطانيا حوالي 2.33 في المئة.
إن المنافسة الجديدة بين القوى العظمى، والصراعات السياسية ترفع من وتيرة سباق التسلح، وتزيد الإنفاق العسكري في العالم. ولقد تدهورت العلاقات بين هذه القوى في وقت تواجه فيه البشرية مجموعة من التحديات المشتركة التي لا يمكن التصدي لها إلا من خلال التعاون الدولي في مجالات عديدة منها الأمن الغذائي والتغير المناخي والطاقة. ويؤدي الخوف من المستقبل، والاستقطابات السياسية بالدول، إلى تعزيز قوتها العسكرية لحماية أمنها القومي، ويدفع ذلك كل القوى الكبرى في العالم إلى التورط في الصراعات الإقليمية، وحتى الداخلية، من منطلق تزويد أطراف هذه الصراعات بالسلاح، والحصول على العائدات الكبيرة من جراء ذلك، حيث تتميز صراعات الحروب المعاصرة بالاستهلاك السريع للذخائر، وخاصة الصواريخ، الأمر الذي يعني مداومة إمداد الأطراف المتصارعة باحتياجاتها منها.
ولتجارة السلاح سوق دولية تخضع للعرض والطلب، ومن مصلحة الدول المصدرة للسلاح استمرار الصراعات بين الدول والجماعات حتى تستطيع أن تجد سوقاً لتصدير وبيع سلاحها. وإذا ما هدأت الصراعات في منطقة فلا تلبث أن تحاول تلك الدول المصدرة إلى إشعالها مرة أخرى، وفي مناطق مختلفة، لكي تستمر في بيع منتجاتها من السلاح. وتجارة السلاح تجارة معقدة، وذات أرقام هائلة، وتختلط فيها المصالح والأرباح مع الغايات الاستراتيجية والسياسات القومية للدول المصنعة والمصدرة له، فالسلاح له جانب فني وعملي، وله جانب سياسي، في نفس الوقت. وهناك دول تشتري أسلحة وهي تعرف أنها لن تستعملها، أو ربما تعرف أنها لا تستطيع أن تستعملها من الناحية الفنية، ولا تستطيع حتى صيانتها وعادة، فإن السلاح لا يباع بمفرده، فهو يباع أيضاً بإمكانيات التدريب عليه واستخدامه، وتوضع له قواعد عملياتية معينة، وهناك بعض الانطباعات بأن بعض الدول تأخذ السلاح وتخزنه، وبالتالي، فإن حصولها عليه يمثل درجة ما من الردع بالنسبة للآخرين. وارتفاع ميزانيات الدفاع يخلط الأولويات الوطنية للدول، وذلك من خلال الاتجاه نحو خفض الإنفاق على البرامج الاجتماعية والتنموية، وتأجيل العديد من المشاريع المستقبلية، وكلما أقبلت دولة على عقد صفقة جديدة من التسليح ازداد إحساس الدول الأخرى بالخطر وبعدم الأمن. بيد أن هذا الشعور بالخطر يغذي رغبة هذه الدول في الحصول على المزيد من الأسلحة وعقد صفقات جديدة، مما يضاعف من حدة سباق التسلح والإنفاق العسكري، وبالتالي، المزيد من التوتر، بما في ذلك احتمالات اندلاع النزاعات والحروب.

سباق التسلح النووي
على وقع مايشهده العالم من ارتفاع حدة التصعيد لسباق التسلح النووي، كشف معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام أنه من المتوقع أن تنمو الترسانة النووية العالمية في السنوات المقبلة لأول مرة منذ الحرب الباردة، وأن الحرب الروسية- الأوكرانية أدت إلى تصعيد التوترات بين دول النادي النووي، وجاء في الكتاب السنوي للمعهد لعام 2022 «جميع الدول المسلحة نووياً تعمل على زيادة أو تطوير ترساناتها، ومعظمها يزيد من حدة لهجته النووية، والدور الذي تلعبه الأسلحة النووية في استراتيجياتها العسكرية، وهذا الاتجاه مقلق للغاية». وتمتلك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم، بإجمالي 5977 رأساً نووياً، أي ما يزيد بنحو 550 عن الولايات المتحدة، ويمتلك البلدان أكثر من 90 % من الرؤوس الحربية النووية في العالم. وتم نشر ما يقدر بنحو 3732 رأساً منها، والاحتفاظ بوضع نحو ألفي رأس في حالة تأهب قصوى.
ووفقاً لما جاء في تقرير للحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية «آيكان» The International Campaign to Abolish Nuclear Weapons (ICAN) ، وهي منظمة غير حكومية، زادت القوى النووية، خلال عام 2021، إنفاقها على تحديث ترسانتها النووية، بحوالي 9 في المئة، وصولاً إلى نفقات إجمالية قدرها 82.4 مليار دولار، وذكر التقرير الذي صدر في الرابع عشر من يونيو 2022، أن الولايات المتحدة أنفقت 44.2 مليار دولار على برنامجها النووي خلال عام 2021، بزيادة 12.7 في المئة عن عام 2020، فيما خصصت الصين11.7 مليار دولار، بزيادة 10.4 في المئة لبرنامجها النووي. كذلك أفادت الحملة عن زيادة في الميزانيات المخصصة للأسلحة النووية، بلغت 8.6 مليار دولار لروسيا، و5.9 مليار دولار لفرنسا، و6.8 مليار دولار للمملكة المتحدة. وخصصت باكستان 1.1 مليار دولار لسلاحها النووي، مقابل مليار دولار في العام 2020، أما الهند فخفضت نفقاتها على السلاح النووي من 2.5 مليار دولار عام 2020 إلى 2.3 مليار دولار عام 2021. وأوضحت المنظمة أن أموال دافعي الضرائب استخدمت لمنح عقود جديدة لشركات خاصة بلغت قيمتها الإجمالية 30.2 مليار دولار من أجل تحديث الترسانة النووية للقوى الكبرى، واشترت هذه الشركات الخاصة بدورها خدمات مراكز دراسات ومجموعات ضغط للدفاع عن فاعلية السلاح النووي.

انتعاش سوق الأسلحة التقليدية
شهد عام 2022 ازدهار سوق الأسلحة التقليدية، إثر سعي بعض الدول لتعزيز ترسانتها العسكرية، وتقديم الغرب إلى أوكرانيا مساعدات عسكرية، بينها المدفعية، والصواريخ، والآليات المدرعة، والطائرات المسيرة، والذخائر بأنواعها، وهو ما خلق نقصاً بالمخزون الاستراتيجي في مستودعات أسلحة تلك الدول، واستدعى التعويض، كما دفع ذلك شركات الصناعات الدفاعية إلى زيادة إنتاجها. وكانت الشركات الأمريكية أبرز المستفيدين. ففي التاسع من سبتمبر 2022، أعلن البنتاغون إبرام عقود بقيمة 1.2 مليار دولار لتعويض الأسلحة والذخيرة التي تم نقلها إلى أوكرانيا من ترساناته، حيث تم تخصيص 352 مليون دولار لشراء صواريخ «جافلين» Javlin المضادة للدبابات، و624 مليون دولار لصواريخ الدفاع الجوي قصيرة المدى «ستينجر» Stinger و33 مليون دولار لأنظمة راجمات الصواريخ «هيمارس» Himars .وتوالت الطلبات من دول في شرق أوروبا لشراء أسلحة، ففي أغسطس 2022، وقعت بولندا عقداً مع كوريا الجنوبية لشراء 212 مدافع هاوتزر وما يقرب من 400 دبابة من طراز K2 Black Panther (تعني الفهد الأسود). وهذه الدبابة مزودة بدروع تفاعلية، وبنظام الحماية النشطة المضادة، وبالمدفع الألماني عيار 120 مم، ونظام تحكم بالنيران قادر على الرصد والتتبع والإطلاق بصفة آلية على الاهداف الأرضية والعموديات التي تطير على ارتفاع منخفض. وينص اتفاق التسليح الذي تم توقيعه في يوليو 2022، على تسليم 180 دبابة بحلول عام 2025، إلى جانب مهام التدريب واللوجستيات والذخيرة.
وفي الخامس والعشرين من أغسطس 2022، أعلن رسميا عن بيع 250 دبابة أمريكية طراز M1A2 SEPv3 Abrams إلى بولندا، في إطار صفقة بمبلغ 1015 مليار دولار، وسيبدأ التسليم في يناير 2025، ويتميز هذا الطراز بعدة ميزات في مجالات الاتصالات وقوة النيران، والاقتصاد في استهلاك الوقود، والحماية الذاتية. وتأتي صفقة الدبابات هذه ضمن صفقة أكبر بين بولندا والولايات المتحدة قيمتها 6 مليارات دولار، وتتضمن أجهزة مضادة للمتفجرات العشوائية، ومدافع رشاشة، ومركبات إنقاذ لوجيستية، وجسور اقتحام.
وفي السابع والعشرين من أغسطس 2022، أعلنت سلوفاكيا (العضو في حلف «ناتو») أن بولندا وجمهورية التشيك المجاورتين سوف تقومان بحماية مجالها الجوي، وذلك بالتزامن مع وقف تحليق طائراتها من طراز «ميج-29» الروسية الصنع، إلى أن تستعيض عنها بطائرات أخرى من طراز F-16 الأمريكية خلال عام 2024، لأن صيانة هذه الطائرات الروسية أصبحت مكلفة للغاية، إضافة الى أن الفنيين الروس سيغادرون بشكل تدريجي.
وفي التاسع من سبتمبر 2022، أعلنت تركيا أنه يمكنها شراء طائرات مقاتلة من دول أخرى، مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا، في حال لم تحصل على مقاتلات F-16 من الولايات المتحدة. ويشار إلى أن واشنطن لم تسلم تركيا مقاتلات F-35 بذريعة تزود أنقرة بمنظومة S-400 الروسية للدفاع الجوي، وذلك بعدما أحجمت الولايات المتحدة عن تزويد تركيا بمنظومات «باتريوت» Patriot، وكانت تركيا قد قدمت طلباً للولايات المتحدة لشراء 40 طائرة مقاتلة من طراز F-16 ومعدات لتحديث 80 من طائراتها الحربية ضمن سلاحها الجوي.
وخلال فعاليات منتدى الجيش الروسي في أغسطس 2022، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنه تم توقيع عقود بحوالي 16.3 مليار دولار مع عملاء أجانب لتوريد طائرات عمودية طرازMi-38، ومقاتلات طرازSu-30SME ، وأنظمة الدفاع الجوي طراز Pantsir-S1M.
وأعلنت المفوضية الأوروبية عن أن ميزانية 500 مليون يورو سيتم إنفاقها بحلول عام2024 من أجل التمويل الجزئي للمشتريات العسكرية المشتركة، المتمثلة في صواريخ خفيفة وثقيلة، ومضادات للطائرات، وغيرها، شرط أن تكون صناعة أوروبية وتم تخصيص 11 في المئة فقط من الإنفاق العسكري للاستثمارات الأوروبية المشتركة عام 2021 رغم أنه تم عام 2017 تحديد نسبة35 في المئة للإنفاق العسكري المشترك.
وقررت الحكومة السويسرية في نهاية يونيو 2021 شراء 36 طائرة أمريكية من طراز F-35A بقيمة 5.6 مليار يورو، بعد منافسة مع الطائرات الفرنسية «رافال» Rafale والأوروبية Eurofighter Typhoon. ومن المعروف أن برنامج الطائرة F-35 موضوع شراكة مع ثماني دول، وسيتم تجميع الطائرات التي ستسلم لسويسرا في إيطاليا.
وفي السادس عشر من أغسطس 2022، قال المستشار الألماني في خطاب أمام ضباط في الجيش الألماني في برلين إن ألمانيا يجب أن تصبح القوة المسلحة الأفضل تجهيزاً في أوروبا، لأنها الأكثر تعداداً، وتتمتع بأكبر قوة اقتصادية، والواقعة في وسط القارة، ودعى إلى زيادة نفوذ الدول الأوروبية في حلف «ناتو»NATO، وأعلن تخصيص مبلغ 100 مليار يورو لصندوق خاص للجيش، ورفع الإنفاق الدفاعي فوق الحد الأدنى (2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) الذي التزمت به دول الحلف، ويشار الى أنه منذ نهاية الحرب الباردة، خفضت ألمانيا حجم قواتها المسلحة من نحو 500 ألف شخص في عام 1990 إلى 200 ألف. وألمانيا ستشتري الطائرات المقاتلة F-35 لتحل محل طائرات «تورنيدو» TORNADO القديمة التي تعمل في سلاح الجو الألماني منذ ثمانينات القرن الماضي (تعد الطائرة الألمانية الوحيدة القادرة على حمل قنابل نووية أمريكية من القنابل المخزنة في ألمانيا). وأعلنت ألمانيا نيتها شراء 60 طائرة عمودية للنقل من طراز «شينوك» Chinook. وفي الثاني عشر من سبتمبر 2022، أعلن أن ألمانيا تتفاوض مع إسرائيل لشراء منظومة الدفاع الجوي «أرو-3» ARROW-3، وهو نظام دفاعي مضاد للصواريخ البالستية تم تطويره من قبل إسرائيل والولايات المتحدة لاعتراض الصواريخ البالستية خارج الغلاف الجوي.
وفي السادس والعشرين من أغسطس 2022، أعلنت بيلاروسيا اكتمال إعادة تجهيز الطائرات العسكرية لديها بإمكانية حمل أسلحة نووية، حيث تم إدخال تعديلات على طائراتها من طراز Su-24 كي تتمكن من حمل أسلحة نووية، بناء على اتفاق سابق مع موسكو. وبيلاروسيا لا تملك أسلحة نووية، ولكن موسكو ستزودها بأنظمة صواريخ متحركة، طرازEskandar- M تستطيع حمل رؤوس حربية تقليدية أو نووية.
وفي خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي والعشرين من سبتمبر 2022، أكدت رئيسة الوزراء البريطانية أن بلادها تتعهد بإنفاق 3% من إجمالي ناتجها المحلي على موازنة الدفاع بحلول 2030، وهي نسبة أعلى بكثير من الحد الأدنى البالغ 2%، والمفترض بالدول الأعضاء في حلف «الناتو» NATO إنفاقه على الأغراض الدفاعية.

القلق في اليابان وتايوان
زاد اهتمام الشعب الياباني بالأمن القومي والحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية بشكل كبير، وزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي التاسع والعشرين من أغسطس 2022، أصدرت وزارة الدفاع اليابانية طلب الميزانية للعام المالي 2023، حيث تسعى للحصول على رقم قياسي بلغ نحو 40 مليار دولار، بالإضافة إلى مبالغ غير محددة للعديد من الأنظمة، بما في ذلك النشر المبكر لصواريخ طويلة المدى، وصواريخ أرض/ بحر بمدى حوالي 1000 كيلومتر (بزيادة أكثر من 100 كيلومتر من الأنظمة الحالية)، وستكون الصواريخ الجديدة قادرة على مهاجمة الأهداف البرية. وتخطط الوزارة أيضاً لتطوير طائرات مسيرة يمكن استخدامها ليس للمراقبة وجمع المعلومات فحسب، بل أيضاً لشن هجمات، وستبني اليابان سفناً مجهزة بنظام مضاد للصواريخ البالستية يمكنه اعتراض الصواريخ البالستية والأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت.
وقد ظلت عمليات الشراء الخاصة بقوات الدفاع الذاتي اليابانية مقيدة بمبدأ الدفاع، فتجنبت هذه القوات طلب الأسلحة التي يمكن اعتبارها هجومية. وتعتبر قوة الدفاع الذاتي البحرية اليابانية واحدة من أكثر القوات البحرية كفاءة في العالم في مجالات الحرب المضادة للغواصات وكسح الألغام، وتخطط لبناء سفينتين جديدتين مجهزتين بنظام الدفاع الصاروخي «أيجيس» Aegis ضد الصواريخ البالستية.
وفي الثاني من سبتمبر 2022، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن ثلاثة عقود بقيمة 1.1 مليار دولار لمبيعات أسلحة وخدمات فنية لتايوان، وأشارت إلى أن العقد الأول، وقيمته 665.4 مليون دولار، مخصص لتوفير المعدات والدعم اللوجستي لمحطات الرادار التايوانية. والعقد الثاني ينص على توفير 60 صاروخاً مضاداً للسفن من طراز AGM-84L Harpoon Block II وأربعة صواريخ طراز ATM-84L-1 Harpoon Block II بقيمة 355 مليوناً. والعقد الثالث لتوفير 100 صاروخ جو/جو تكتيكي طراز AIM-9X Block II Sidewinder بقيمة 85.6 مليون دولار.

صفقة «أوكوس»
في يونيو 2022، أعلنت أستراليا عن تسوية بقيمة 585 مليون دولار لصالح فرنسا كتعويض عن إلغاء صفقة غواصات بقيمة 35 مليار يورو، مع شركة فرنسية لبناء أسطول من الغواصات لصالح أستراليا واستبدلت أستراليا الصفقة الفرنسية ببناء غواصات تعمل بالطاقة النووية في صفقة جديدة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، والتي عرفت باسم صفقة «أوكوس» Aukus (الاسم «أوكوس» مشتق من بعض الأحرف الأولى التي ترمز اختصاراً لكل من أستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ويشير إلى تحالف يهدف إلى مواجهة التحديات الأمنية في منطقة المحيطين، الهندي والهادئ). وتشمل الاتفاقية تبادل معلومات وتقنيات في عدد من المجالات، من بينها الاستخبارات، فضلاً عن تزويد أستراليا بصواريخ جوالة طراز «توماهوك» TOMAHAWK. وتتسم الغواصات النووية بأنها أكثر كفاءة من الغواصات التقليدية، ورصدها أكثر صعوبة والغواصات لن تزود بأسلحة نووية، ولكن سيتم فقط تشغيلها بمفاعلات نووية. وأظهرت الاتفاقية أن الولايات المتحدة وبريطانيا مستعدتان لاتخاذ خطوة مهمة تتمثل في تصدير تقنية نووية لدولة غير نووية. ويشار هنا الى أن واشنطن لم تزود دولة أخرى بتقنية الدفع النووي سوى مرة واحدة في عام 1958 عندما زودت بريطانيا بتلك التقنية.
والاتفاقية تظهر جدية كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في خوض المنافسة الاستراتيجية في المحيطين الهادئ والهندي، وهي دلالة على رغبة في توسيع بنية ما يعرف بـ «تحالف العيون الخمس» وهو ترتيب لتقاسم المعلومات الاستخباراتية بين خمس دول ناطقة بالإنجليزية هي: أمريكا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وقد طور خلال الحرب الباردة، ليشمل الصناعة والتقنيات العسكرية المتطورة، ويبدو أن التحالف يأتي في إطار تعهد الإدارة الأمريكية بمنح الأولوية للتنافس الاستراتيجي مع الصين، وتعزيز تحالفات واشنطن التقليدية، ومن بينها «الرباعية» التي تضم أستراليا واليابان والهند، إلى جانب الولايات المتحدة. وستشهد الاتفاقية بين أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا منح أستراليا التقنية اللازمة لبناء 8 غواصات تعمل بالطاقة النووية، كوسيلة لمواجهة نفوذ الصين في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه. ويغطي الاتفاق أيضاً الحصول على تقنية الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى، وهو أحد أكبر شراكات الدفاع بين البلدان الثلاثة منذ عقود، ويعني هذا أن أستراليا ستصبح الدولة السابعة في العالم التي تمتلك غواصات تعمل بالطاقة النووية، بعد الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، والهند.

السوق السوداء لتجارة السلاح
يتركز النقاش الخاص بالتجارة في السوق السوداء للسلاح على صواريخ أنظمة الدفاع الجوي، التي تطلق من على الكتف، والتي أنتج منها مئات الآلاف في العقود القليلة الماضية، واستخدمت هذه الصواريخ، التي تتميز بسهولة الحصول عليها، ورخصها النسبي في السوق السوداء، في كثير من الصراعات ضد أهداف عسكرية ومدنية، وكانت موسكو وواشنطن قد وقعتا في الرابع والعشرين من فبراير 2005، اتفاقاً لتقييد انتشار هذه الصواريخ.
وهناك شبكات عالمية مشبوهة، وشديدة التعقيد، تتكون من منتجي الأسلحة، ووكلاء المشتريات، والوسطاء والبنوك، وشركات الشحن الخبيرة في التهرب من العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة، تقوم بعمليات يصعب معرفة مصدرها، أو معرفة الأماكن أو الجهات التي ستستقر فيها في النهاية، كما يصعب أيضاً معرفة الأطراف الرئيسية والفرعية المشاركة فيها، وكل هذه الأنشطة المشبوهة توجد، جنباً إلى جنب، مما يعرف بتجارة الأسلحة الشرعية، أي شراء وبيع الأسلحة بمعرفة الحكومات ذاتها والمشكلة هنا تكمن في أن هناك دولاً تلتزم بصرامة بقواعد وضوابط تصدير الأسلحة وإصدار تراخيص التصنيع، والالتزام بالعقوبات التي يصدرها مجلس الأمن الدولي، ودولاً لا تلتزم بذلك، أو تلتزم ولكن ليس بدرجة الصرامة المطلوبة.
وتلعب الشركات العسكرية الخاصة، التي تنفذ عقوداً لتولي مهام عسكرية باسم الحكومات أو قوات المعارضة، دوراً حاسماً وهاماً تدريجياً في توريد الأسلحة، ومساندة جميع أنواع الأنظمة في شتى أنحاء العالم ودائماً ما تحتل هذه الشركات مكانة مميزة لاستيراد الأسلحة، فهي على صلة بالحكومات وسماسرة السلاح وشركات الشحن الجوي، وصانعي السلاح.

البعد الأخلاقي لتجارة السلاح
الدول المصدرة للسلاح تخرق الكثير من المعاهدات والمواثيق التي تقرها هي نفسها بشأن كيفية ممارسة بيع السلاح، ومن أهم ما في تلك المواثيق والاتفاقيات أنه لا يجوز إقرار أي صفقة أسلحة يمكن أن تستخدم استخدامات هجومية ضد مجموعات إثنية أو دينية، أو غيرها، خارج القانون الدولي، وبعض الدول كانت قد أعلنت تبنيها سياسة خارجية ذات بعد أخلاقي، بمعنى إخضاع السياسة الخارجية لضوابط أخلاقية، مثل مراعاة حقوق الإنسان، وعدم التعاون مع دول محددة في مجالات تصدير الأسلحة وغيرها، إلا أن كل تلك السياسات يتم تجاوزها عند التطبيق العملي. فبعض الدول تتورط في توريد الأسلحة لأطراف منخرطة في صراعات دامية.

ميدان للمنافسة
شكل تنوع التحديات الأمنية عاملاً ملازماً لتنوع التسلح، وتباين طبيعة هذا التسلح، والهدف من استخدامه، ولهذا أصبح من الطبيعي أن تتنوع معروضات أسواق الأسلحة، لتبدأ من الأسلحة الفردية، وتصل إلى أحدث أنواع الطائرات والصواريخ والآليات المدرعة، ووسائط الحرب الالكترونية. وإذا كانت الدول الكبرى قد احتكرت تصدير القسم الأكبر من متطلبات سوق الأسلحة المتطورة والثقيلة ذات التقانة العالية، فإنها لم تقصر أو تتأخر في انتاج الأسلحة الصغيرة، الفردية، مثل المسدسات، والبنادق، والمدافع الرشاشة، والألغام، والقنابل اليدوية.
وتحولت صناعة الأسلحة وتجارتها إلى ميدان للمنافسة بين الدول الصناعية ذاتها، بعضها ضد بعض، للحصول على صفقات التسلح المثيرة للإغراء، وبذلك زادت معارض الأسلحة، حيث تعرض أكثر المنتجات تقانة، وأيسرها استخداماً، كما لو كان الأمر يتعلق بتنمية المجتمعات وتطويرها، ولا علاقة له بالقتل والتدمير والاستنزاف المادي.
وتحرص الدول المصدرة للأسلحة على اخضاع صادراتها لقيود حتى يبقى استخدام هذه الأسلحة تحت السيطرة، وصحيح أن تجارة الأسلحة، مثلها كمثل أنواع التجارة الأخرى، خاضعة لطلب السوق والمنافسة، إلا أن هذه المنافسة تضع في اعتبارها، الوضع السياسي والعسكري لمن يرغب في الحصول على الأسلحة، سواء كان الطرف المستورد للسلاح دولة أو تنظيماً، أو ميليشيات. ومن أهم العوامل المؤثرة في هذا المجال، طبيعة الأعمال القتالية التي يحتمل استخدام الوسائط القتالية والأسلحة فيها، وكذلك ما يمتلكه الطرف المقابل من الأسلحة والوسائط القتالية، بحيث يساعد حوار الإرادات المتصارعة على تجربة واختبار الأسلحة في الحرب الحقيقية، وضمن إطار الأسلحة والأسلحة المضادة لها، مثل إمكانية عمل الدبابات والصواريخ المضادة لها، بحيث أصبحت الحروب ميداناً لتجارب الأسلحة والتقانة، وحتى إدارة العمليات.

» لواء د./ علي محمد علي رجب (باحث عسكري وخبير استراتيجي)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض