X-51 Hypersonic final flight

دلالات نجاح التجربة الأمريكية الفرط صوتية الأخيرة

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

قالت القوات الجوية الأمريكية، في 16 مايو 2022، إنها اختبرت بنجاح سلاحاً فرط صوتي يطير بسرعة تفوق سرعة الصوت خمس مرات. وأضافت في بيان أن الاختبار أجري قبالة ساحل كاليفورنيا الجنوبي، حيث أطلقت قاذفة قنابل من طراز “بي – 52” صاروخاً من طراز “سلاح الرد السريع المطلق جواً”.

 ويجيء هذا التطور بعد تخلف واشنطن عن كل من روسيا والصين في إنتاج هذه النوعية من الصواريخ لأربع سنوات كاملة.

ملاحظات أساسية

جاءت التجارب الأمريكية الأخيرة بعد عدد من المحاولات الفاشلة، خاصة بعدما قامت واشنطن بتجميد برنامج إنتاج الصواريخ الفرط صوتية، ظناً منها أن التكنولوجيا الحالية لا تؤهل لتطوير مثل هذه الصواريخ، قبل أن تدرك أن روسيا والصين قد سبقتاها في هذا المجال، ويمكن توضيح كل هذه الملابسات على النحو التالي:

1- ثلاث تجارب أمريكية فاشلة: جاء النجاح لأول صاروخ فرط صوتي أمريكي من طراز “إيه جي إم – 183 إيه سلاح الرد السريع المطلق جواً” (AGM-183A ARRW) في 14 يونيو 2022، وذلك بعد أكثر من عام من الانتكاسات للبرنامج، حيث فشل الصاروخ في ثلاثة اختبارات طيران معززة في عام 2021، فقد فشل في مغادرة القاذفة “بي–52” في أبريل 2021، وفي يوليو، تمكن الصاروخ من الانفصال عن القاذفة، غير أن المحرك لم يعمل، وبالتالي أخفق في الوصول إلى هدفه، أما في التجربة الثالثة في ديسمبر 2021، فقد تكرر الإخفاق، إذ حدث خلل قبل عملية إطلاق الصاروخ، مما حدا بالقاذفة لكي تعود إلى القاعدة دون إطلاقه، ولم يتم نشر أسباب ذلك، ما أدى لاحقاً إلى سحب القوات الجوية الأموال لشراء الصاروخ من طلبات الميزانية لعامي 2022 و2023.

وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد قامت بجهود حثيثة في هذا الإطار منذ ثمانينات القرن الماضي، غير أنها أوقفت البرنامج بسبب ما اعتقدت أن التكنولوجيا الحالية لا تسمح بالتغلب على المشاكل الفنية التي تواجه إنتاج مثل هذه النوعية من الصواريخ الفرط صوتية، مثل المشاكل المتعلقة بقوة الدفع، والسيطرة عليه، فضلاً عن قدرة الصاروخ على مقاومة الحرارة العالية،غير أن نجاح روسيا في القيام بأول اختبار معروف لصاروخ فرط صوتي في عام 2018، قد دفع واشنطن على إعادة إحياء مشاريعها في هذا الإطار، لتتمكن من اللحاق بروسيا بعد أربع سنوات تقريباً، وتحديداً في النصف الأول من 2022.

2 – سبق روسي – صيني: تمكنت روسيا والصين منذ العام 2018، من القيام بتجارب ناجحة لصواريخ فرط صوتية، والتي دخلت الخدمة في العام اللاحق عليها. وبالنسبة للصين، فقد عرضت، في أكتوبر 2019، وأثناء عرض عسكري بمناسبة الذكرى السبعين لقيام جمهورية الصين الشعبية، الصاروخ الفرط صوتي “دونج فنج–17” البالستي متوسط المدى المزود برأس فرط صوتي يبلغ مداه 2500 كيلومتر.

كما يلاحظ أن صاروخ “سارمات” (الشيطان) الروسي يمكنه كذلك أن يعبر القطبين الشمالي والجنوبي، ومن المخطط تزويده برأس “أفانغارد” القتالي فرط الصوتي العامل بالمحرك النووي. ويلاحظ أن الصاروخين الصيني والروسي يمكنهما عبور القطب الجنوبي، أي تفادي أنظمة الدرع الصاروخية الأمريكية، التي تحمي البلاد من ضربات توجه من اتجاه الشمال، وليس الجنوب.

أبعاد استراتيجية

يلاحظ أن التجربة الأمريكية تهدف إلى تأكيد لحاق واشنطن بروسيا والصين في مجال إنتاج هذه النوعية من الصواريخ المتقدمة، ومن ثم استعادة الردع النووي معهما، وإن كان التفوق الروسي- الصيني مازال قائماً، وهو ما يمكن تفصيل ذلك على النحو التالي:

1- استعادة الردع النووي: تدرك واشنطن جيداً أن روسيا والصين قد تمكنتا من تطوير صواريخ فرط صوتية أخلت بمعادلة الردع النووي القائمة بين الولايات المتحدة والدولتين، إذ امتلكت الدولتان صواريخ فرط صوتية قادرة على توجيه ضربة أولى للولايات المتحدة، دون أن تتمكن الأخيرة من صدها، أو حتى من رصدها.

وعلى الرغم من أن هذا الاحتمال يظل احتمالاً نظرياً، إلا أن المسؤولين الأمريكيين عبروا عنه، فقد وصف الجنرال جون هيتين، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة، سابقاً، الوتيرة التي يطور بها الجيش الصيني قدراته بـ “المذهلة”، محذراً من أنه يوماً ما قد يكون لديهم القدرة على شن هجوم نووي مفاجئ على الولايات المتحدة.

ومن ثم، فإن بدء واشنطن في تطوير صواريخ فرط صوتية سوف يساعدها على استعادة الردع النووي مع موسكو وبكين، كما أنه في سياق الحرب الدائرة في أوكرانيا، فإن واشنطن سوف تبدو كقوة نووية مكافئة لروسيا، وليس أقل قدرة منها، وذلك مع التسليم، بأنه في كل الأحوال، فإن واشنطن لن تدخل في حرب مباشرة ضد روسيا، ولكنها، في المقابل، تساعد واشنطن على تأكيد هيبتها أمام حلفاءها في حلف الناتو، وأنها لا يمكن التخاذل في الدفاع عنهم، طالما أن قدراتها النووية والصاروخية مكافئة لروسيا.

2- تفوق روسي قائم: تُعتبر روسيا أكثر دولة متقدّمة في مجال تطوير الصواريخ الفرط صوتية، تليها الصين التي تطوّر هذه التكنولوجيا بوتيرة متسارعة. وعلى الرغم من النجاح الأخير للتجربة الأمريكية، فإنها لاتزال تعاني تخلفاً واضحاً عن روسيا والصين، وذلك نظراً لأن الدولتين لديهما بالفعل أسلحة فرط صوتية في الخدمة، بينما لا تزال واشنطن في مرحلة الاختبارات، فقد قام الأسطول الشمالي الروسي باختبار إطلاق نحو عشرة صواريخ جديدة من طراز زيركون الفرط صوتي من على متن فرقاطة وصاروخين آخرين من غواصة، ونجحت هذه الاختبارات. وسبق وأن دخلت صواريخ فرط صوتية أخرى، من طراز كينجالو أفانجارد الخدمة في روسيا. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للصين، والتي تمتلك عدة صواريخ فرط صوتية.

تفوق روسي

وإذا كانت واشنطن نجحت في اختبار صاروخ فرط صوتي تبلغ سرعته خمسة أضعاف سرعة الصوت، أو 5 ماخ، فإن الصاروخ الروسي زيركون تبلغ سرعته حوالي 9 ماخ، أما الصاروخ كينجال، فتبلغ سرعته عشرة أضعاف سرعة الصوت، في حين أن الصاروخ الروسي “أفانجارد” قادر على الوصول إلى سرعات تبلغ حوالي 27 ماخ، أي أن هناك تفوق روسي قائم في هذا الإطار.

كما أكّدت موسكو في 19 و20 مارس 2022 أنّ قواتها استخدمت في أوكرانيا صاروخين فرط صوتيين، استهدف الأول مستودعاً للوقود في جنوب هذا البلد، والثاني مخزناً للصواريخ والذخيرة يقع تحت الأرض بالقرب من إيفانوفرانكيفسك في غرب أوكرانيا، ليكون بذلك أول استخدام معروف في ظروف قتال حقيقية.

وقد سعت الولايات المتحدة للتهوين من أهمية هذه العملية وانعكاساتها الاستراتيجية، إذ علّق وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، بنفسه على الاستخدام الروسي، وأكد أن الصواريخ فرط الصوتية التي تقول روسيا إنها استخدمتها لتدمير أهداف عسكرية في أوكرانيا “لا تحدث فارقاً” في مواجهة الجيش الأوكراني، وذلك في محاولة للتأكيد أن التفوق العسكري الروسي في أوكرانيا لن يغير موازين القوى الحالية على الأرض بدرجة كبيرة، وإن كان من الملاحظ أن الصواريخ الفرط صوتية الروسية المستخدمة كانت تهدف إلى تعزيز التفوق النووي الروسي على حساب الولايات المتحدة، وردع دول حلف الناتو عن التصعيد ضد روسيا في الصراع حول أوكرانيا، خاصة وأن الدول الغربية لم تستطع، حتى الآن، تطوير أي نظم دفاع جوية قادرة على رصد ناهيك عن اعتراض الصواريخ الفرط صوتية.

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن تطوير نظم دفاع جوي مضادة للصواريخ الفرط صوتية هو أمر شديد الصعوبة كذلك، نظراً لأن هذه النوعية من الصواريخ تطير بسرعة تفوق خمسة أمثال سرعة الصوت، أي أنها تستطيع المناورة والتنقل بسرعات تتراوح ما بين 5 آلاف و25 ألف كيلومتر في الساعة، أو ما يتراوح بين ميل وخمسة أميال في الثانية، كما أنها تحلق على ارتفاعات استثنائية، تتراوح ما بين بضع عشرات من الكيلومترات إلى 100 كيلومتر. وتمثل هذه الخصائص المتعلقة بالسرعة الفائقة، والقدرة على المناورة، والارتفاعات المتباينة تحدياً كبيراً لأي نظام دفاعي، فهي تتمتع بالقدرة على المناورة اللامحدودة، وتغيير اتجاهها والطيران في مسار غير منتظم، ولذلك لا يمكن التنبؤ بأهدافها حتى الدقائق الأخيرة من طيرانها.

وأكد الجنرال في سلاح الجو جون هيتين، القائد النووي الأعلى للولايات المتحدة، أن الولايات المتحدة تفتقر إلى “أي دفاع يمكنه أن يمنع استخدام” سلاح فرط صوتي ضدها.

وعلى الرغم من هذه التحديات الهائلة، فقد تمكنت روسيا مرة أخرى من تطوير أول نظام دفاع جوي معروف لاعتراض هذه النوعية من الصواريخ، وهو ما أكد عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة في يونيو 2020، إذ أكد أن روسيا “ستطور وسائل مواجهة الأسلحة فرط الصوتية في غضون السنوات الخمس المقبلة”، وأنها سوف تسبق العالم كذلك في تطوير هذه النوعية من نظم الدفاع الجوي.

وقد تحقق ذلك حين قال نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، في مايو 2022، إن منظومة “إس–500” للدفاع الجوي دخلت الخدمة في الجيش الروسي، وهي نظام صاروخي أرض–جو، يبلغ مداه 600 كيلومتر، وهو مصمم لاعتراض وتدمير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وصواريخ كروز الفرط صوتية والطائرات الشبحية.

وعلى الرغم من أن الإعلان الروسي قد ينظر إليه بشك على أساس أنه يجيء في إطار الحرب الروسية – الأوكرانية، والرغبة في تأكيد السيطرة الروسية على الأجواء الأوكرانية، وردع واشنطن عن محاولة إرسال مقاتلات أمريكية تنازع السيطرة الروسية فوق أوكرانيا، فإن الانتهاء من التجارب على هذه المنظومة في يونيو 2021 بنجاح، يضفي مصداقية على التأكيدات الروسية.

وبطبيعة الحال، فإن الولايات المتحدة سوف تستغرق سنوات أخرى حتى تتمكن من تطوير نظم دفاع جوي مضادة للصواريخ الفرط صوتية على غرار تلك التي أنتجتها موسكو، وهو ما يؤكد استمرار تفوق السلاح الروسي في هذه النوعية من الأسلحة على نظيره الأمريكي.

وقد اعترف الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، بتراجع التفوق الأمريكي، وإن بشكل جزئي، إذ أكد في 21 مايو، أمام الطلاب المتخرجين من الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت قائلاً “مهما كان التقدم الذي تمتعنا به عسكرياً على مدار السبعين عاماً الماضية، فإنه ينغلق بسرعة”، مضيفاً أن أمريكا لم تعد القوة العالمية التي ليس لها منازع، فهي “يتم اختبارها في أوروبا من خلال العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا”.

ولعل ما يؤكد على أن الولايات المتحدة لاتزال في مراحل أولية من تطوير أسلحة فرط صوتية، إعلانها، في أبريل 2022، أنها ستتعاون مع بريطانيا وأستراليا، في تطوير أسلحة فرط صوتية و”إمكانات حربية إلكترونية”، في إطار تحالف “أوكوس” الثلاثي الجديد الهادف إلى مواجهة الصين.

الخلاصة

وفي الختام، يمكن القول إن الولايات المتحدة لاتزال في بداية إنتاج صواريخ فرط صوتية، وهو ما يمكنها من محاولة اللحاق بكل من روسيا والصين واستعادة الردع النووي معهما، غير أنه من الواضح أن واشنطن سوف يكون أمامها فترة من الوقت حتى تستطيع تطوير صواريخ فرط صوتية قادرة على الوصول إلى مستوى التطور الذي بلغته الصواريخ الفرط صوتية الروسية والصينية، ناهيك عن تطوير نظم دفاع جوي مضاد لها.

الدكتور: شادي عبدالوهاب (باحث عسكري واستراتيجي)

 

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض