587 Web File A

القوة الناعمة للجيوش .. مفهوم القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

بات النجاح في تنفيذ المهام العسكرية يعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على التكامل الفعال للقوة الخشنة والناعمة. تهدف الدراسة لتوضيح، من خلال أمثلة واقعية، كيفية ربط الجيوش في القرن العشرين للقوة الصلبة بالقوة الناعمة لتحقيق أهدافها العسكرية والاستراتيجية.

من المتعارف عليه أن القوة الناعمة «هي القدرة على خوض حروب غير عسكرية لتجنب الحروب العسكرية، هي جيش غير مسلح، ولكنه يحدد متى يبدأ عمل الجيش المسلح، ومتى يتوجب عليه الانتهاء». كولن غراي في مقارنته المشوقة بين مسالك القوة وأدواتها يوضح أن القوة العسكرية أو الصلبة تحقق أهداف الدول بالتهديد والوعيد وقوة السلاح والضغوط وفرض الشروط والعقوبات، وأنه وعلى العكس من ذلك، تقوم القوة الناعمة على الإقناع الخفي والتأثير في الآخرين فكرياً وثقافياً وعقلياً وأخلاقياً وإلكترونياً واقتصادياً أيضاً.
يمكن تعريف القوة الناعمة للجيوش بأنها القوة التي تجمع ما بين القوتين: الناعمة والخشنة. فالقوة الخشنة، تجد ترجمتها العسكرية في العموم بالحرب المباشرة، وترجمتها السياسية بالمضايقة والضغط خصوصاً عبر الهيئات الدولية والإقليمية، وترجمتها الاقتصادية في المقاطعة والحصار مع التلويح الدائم بإمكانية استخدام القوة. أما القوة الناعمة للجيوش فيمكن أن تحقق الأهداف المرجوة عن طريق الترغيب والجذب والقدرة على الاستقطاب والإقناع، والجاذبية الثقافية أو السياسية أو الإعلامية…إلخ، وذلك من خلال قيام الجيوش بعلاقات مع جيوش الدول الأخرى، وتقديم المساعدات، والتبادل العسكري والثقافي، وخلق رأي عام مواتٍ. والدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين تهتم بقوتها الصلبة مع الاهتمام بقوتها الناعمة وتدمج بين القوتين الخشنة والناعمة (القدرة على تحقيق ما تصبو إليه الدولة من هدف معين عن طريق جعل الهدف جذاباً بالنسبة للأطراف الأخرى بشكل أكبر من ممارسه العنف ضدهم أو إكراههم بشكل قسري على القيام بفعل يقود إلى تحقيق هذا الهدف) فيما بات يسمى بالقوة الذكية، التي أصبحت في القرن الواحد والعشرين أهم استراتيجية في سياسات الدول الخارجية مع بعضها بعضاً.
مما لا شك فيه أن قوة الدولة العسكرية من العوامل التي تحدد دور الدول في ميدان العلاقات الدولية، ولكن مفهوم القوة الناعمة للجيوش الذي يتجاوز في مضمونه الفكري المعنى العسكري الشائع إلى مضمون حضاري أوسع ليشمل القوة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والثقافية والتقنية، يُمَكِّن الجيوش من التدخل الواعي لتحويل مصادر القوة المتاحة إلى طاقة مؤثرة وسلاح فعال. فالقوة هي مجرد امتلاك مصادر القوة، أما القدرة فتنصرف إلى إمكانية تحويل هذه المصادر إلى عنصر ضغط وتأثير في إرادات الآخرين.

الدوافع، المصادر، الشروط والتحديات
من أهم الدوافع التي أدت إلى نشأة سياسة القوة الناعمة للجيوش (القوة الذكية للجيوش):
1. القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للجيوش من خلال الاستقطاب، أكثر مما يمكن تحقيقه عبر الإكراه والقوة.
2. صعوبة وتكلفة الحروب واستخدام القوة العسكرية.

مصادر القوة الناعمة
تتعدد مصادر القوة الناعمة للجيوش، ولدعم القوة الناعمة لجيش ما يمكن التركيز على بعض الوسائل مثل:
1. برامج التبادل الطلابي العسكري.
2. دعم الصورة الإيجابية للجيش لدى الدول والشعوب.
3. المساعدات العسكرية بشروط غير تدخلية.
4. المساعدات الإنسانية في حالات الكوارث الطبيعية.
5. المساهمة في برامج بناء جيوش الدول المنهارة أو تحسين فاعليتها
6. المساعدة في برامج حفظ السلام الدولية وإرسال القوات خارج حدود الدولة في برامج جماعية قانونية لحفظ السلام العالمي.
وقد سعت بعض الدراسات إلى وضع الشروط التي من شأنها إنجاح القوة الناعمة للجيوش، وهي كالتالي:
تسويق الأفكار الثقافية والسياسية للجيش وللدولة التي يمثلها من خلال مراكز دراسات وبيوت فكر تابعة له، فتسويق الأفكار بات يمثل أهم الأسواق التنافسية بين الدول لنشر نموذج كل دولة.
إقناع الجيوش والدول العدائية بتغيير اتجاهاتها وتفضيلاتها السياسية، وذلك عبر عمليه اتصالية تحمل قيماً واتجاهات مفككة للأسس التي بني عليه هذا العداء. ويجب أن يتمتع الجيش بالمصداقية التي تمكنه من القدرة على ممارسه عملية التأثير تلك، وذلك بمعرفة كيف يصنع محتوى رسائله وطبيعة مستقبلها.
العمل على أن تكون الاتجاهات التي تم تغييرها تصب في مصلحه الجيش والدولة، مع عدم تعارضها مع المصالح القومية للجيش والدولة المستهدفة بالتغيير، وهناك إمكانية ألا يتدخل الجيش مباشرة، فقد يتم التدخل عبر وسيط أكثر ثقة وتأثيراً لدى جيوش ودول وشعوب الدول المستهدفة بالتغيير.

مفهوم القوة الناعمة للجيوش يحول القوة العسكرية للتميز بالشمول والتعدد والتقاطع وتعدد الطبقات. والمشكلة هي كما يقول جوزيف ناي مبدع مصطلح القوة الناعمة هي:
«إننا لا نفكر في هذا التحول بطرق إبداعية (إيجابية)… فالقوة هي ببساطة القدرة على التأثير في الآخرين لتحصلوا على النتائج التي تريدونها، بإمكانكم فعل هذا بثلاث طرق، يمكنكم فعل هذا بالتهديد والإكراه (العصا)، ويمكنكم استخدام الترغيب (الجَزَرَة)، أو يمكنكم التأثير عن طريق جعل الآخرين يرغبون فيما ترغبون فيه، وهذه القدرة على جعل الآخرين يريدون ما تريدونه، لتحصلوا على النتائج التي أردتموها، دونما ترهيب أو ترغيب، هو ما أسميه القوة الناعمة. ولطالما ما تعرضت هذه القوة الناعمة للتجاهل والكثير من سوء الفهم، رغم أهميتها البالغة، بحق، إن كان بإمكانكم معرفة كيف لكم أن تستخدموا القوة الناعمة أكثر، ستتمكنون من ادخار الكثير من العصيّ والجزرات، تقليدياً، الطريقة التي نظر البشر فيها للقوة كانت أساسياً القوة العسكرية، كمثال، عالم التاريخ الأكسفوردي العظيم والذي قام بالتدريس في جامعة أكسفورد، أ.ج.ب. تايلور، عَرَّفَ القوة العظمى بأنها قدرة دولة ما على أن تتسيد الحرب، ولكننا نحتاج لسرد الحكاية بطريقة جديدة إذا ما أردنا فهم طبيعة القوة في القرن الواحد والعشرين، إنها ليست فقط السيادة في الحرب، برغم أن الحروب لاتزال مستمرة. إنها ليست أي جيش ينتصر، هي أيضاً «قصة» (أو رؤية عالم) من تفوز».

أمثلة واقعية
والقوة الناعمة للجيوش باتت من معايير بزوغ الأمم وأفولها، فكما يُكتسب منها يمكن فقده إذا لم تُدار بشكل حكيم. فالولايات المتحدة كانت لديها «قدرة َلين» أو «قدرة إرغامية غير حربية من خلال قدرتها العسكرية»، ولكن في الآونة الأخيرة فقدتها في أماكن كثيرة من العالم خصوصاً في الشرق الأوسط. وكذلك روسيا، فقد فقدت جزءاً مما يسمي «التدابير مــا دون الحربية للجيوش» والتي تهدف لتوسيع نفوذ الدول وتهيئة الزمان والمكان للتصرف في المستقبل. فلقد رصدت بلدان مثل روسيا والصين نقاط ضعف سياسة الولايات المتحدة واستغلت المناطق الملتبسة الكامنة لمحاولة تجريدها من قوة جيوشها الناعمة. وليس أمام الولايات المتحدة لاستعادة مكانتها في العالم سوى تحسين وزيادة استخدام التدابير غير الحربية لجيوشها أي قوة جيشها الناعمة. مثال آخر مع تراجع نفوذ بريطانيا، استخدمت الصين الدبلوماسية العسكرية مع دول الكومنولث بشكل منهجي من خلال المشاركة معها في تدريبات عسكرية، والاستثمار في بنيتها التحتية، من خلال مبادرة الحزام والطريق (التي اشتركت فيها كل دول الكومنولث تقريباً)، وذلك من أجل كسب النفوذ والدعم الدبلوماسي في المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، وسعياً منها لوقف اعتراف أوسع بتايوان.
وتعتبر الصين من أبرز الدول في وقتنا المعاصر نجاحاً في دمج مفهوم القوة الناعمة في عمل جيشها، ففي بدايات عام 2011، على سبيل المثال، قام مسؤولون كبار في اللجنة العسكرية المركزية وقيادة جيش التحرير الشعبي الصيني بزيارات إلى 14 دولة مجاورة، من بينها فيتنام وميانمار ونيبال وسنغافورة والفلبين، من أجل تبادل وجهات النظر حول قضايا الدفاع والأمن، مثل اجتماع رؤساء منظمة شانغهاي للتعاون العاشر، وحوار شانغرى- لا، واجتماع وزراء الدفاع لرابطة دول جنوب شرق آسيا وشركائها .كما حقق الجيش الصيني إنجازات مهمة في التعاون مع القوات المجاورة في التدريب العسكري والبحث الأكاديمي. وبالإضافة إلى ذلك، أقام الجيش الصيني العديد من الانشطة، مثل عروض في الولايات المتحدة للفرقة الموسيقية للجيش الصيني، وقامت سفينة طبية تابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي الصيني تدعي «بيس آرك (فلك السلام)» بزيارات للموانئ في دول أمريكا اللاتينية لتقديم الخدمات الطبية.

والدول التي تريد تأكيد مكانتها الدولية، يتوجب عليها ترسيخ القوة الناعمة لجيشها من خلال المساهمة في مجال المساعدات الإنسانية، وفي حل النزاعات وحفظ الاستقرار في العالم، فالقوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تلعب دوراً مهماً في تلك المجالات، ومن أبرز مساهماتها في الآونة الأخيرة:
1. المشاركة مع قوات التحالف العربي للدفاع عن الشرعية في اليمن.
2. المشاركة ضمن قوات الردع العربية في لبنان.
3. المشاركة في قوات درع الجزيرة لتحرير الكويت.
4. الانضمام لقوات الأمم المتحدة في عملية إعادة الأمل للصومال.
5. تقديم المساعدات للمشردين والمحتاجين في إقليم كوسوفا.
6. تنفيذ مشروع إزالة الألغام والقنابل العنقودية من جنوب لبنان.
7. المشاركة في جهود إعادة إعمار العراق.
8. المشاركة في عمليات الإغاثة الكبرى للشعب الباكستاني خلال زلزال باكستان عام 2005
وتسعى جيوش دول أخرى مثل كندا لتطوير ودمج المهارات والقدرات المعرفية والفكرية والتواصلية في دورات التطوير المهني الأساسية لنظامها التعليمي، بحيث تعد ما تسميه العسكري ـــــ الدبلوماسي. وهناك برامج ودراسات مفصلة لكيفية هذا الإعداد وأهميته للجيش الكندي. ولا أدل على ذلك من عنوان الكتاب، الذي أعدته إيميلي ج. سبنسر الأستاذ المساعد في الكلية العسكرية الملكية الكندية، «الذكاء الثقافي وقوات العمليات الخاصة». ويرى الجيش الكندي أن السياق الحالي للنزاعات المسلحة الحديثة وبيئة الأمن المستقبلية تتطلب الإعداد الجيد للعسكري ـــــ الدبلوماسي، فهو الوحيد القادر على المساهمة في حل النزاعات، بطريقة متسقة مع القيم والمصالح الكندية، وذلك من خلال تنمية مهاراته التواصلية والعلائقية (مهارات القوة الناعمة)، لتكملة القوة الجسدية والمهارات العسكرية (القوة الصلبة).

الخاتمة
القوة العسكرية ليست مفارقة تاريخية. وستبقى أداة أساسية للسياسة، ولن تتعرض لخطر الزوال بسبب توفير القوة الناعمة لبدائل لها، في المقابل لم يعد بالإمكان اللجوء فقط للقوة الخشنة في القرن الحادي والعشرين، فالقوة العسكرية باتت تتوقف شرعيتها على مقدار ما تستخدمه من قوة ناعمة تتفادى اللجوء قدر الإمكان للقوة الخشنة من جانب وتشرعنها إن كانت الحل الوحيد للدفاع عن النفس وحماية الأوطان من جانب آخر.

» الأستاذ الدكتور وائل صالح
(باحث رئيسي بمركز تريندز للبحوث والاستشارات)

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض