Issue-563-A

الصواريخ الباليستية: نذر سباق تسلح نووي جديد

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

تعود تسمية الصواريخ الباليستية أو الباليستيكية للمصطلح الإنجليزي (Ballistic)، والتي تعني تحرك الصاروخ في الفضاء تحت تأثير الجاذبية فقط بعد خروجه من الغلاف الجوي بواسطة محرك الدفاع الخاص به. ويتم إطلاق الصاروخ الباليستي من قاعدة أرضية أو من الغواصات أو من السفن، أو من الطائرات، ثم يتجه إلى الفضاء قبل أن يعود مرة أخرى إلى الغلاف الجوي بسرعة تقدر بنحو 420 كم/ الثانية، وذلك اعتماداً على نظرية القصور الذاتي للأجسام. ولذلك، فإن مسار الصواريخ الباليستية يتخذ شكل القوس، يبدأ من نقطة الانطلاق والنقطة الثانية عند الهدف الذي يصل إليه عائداً من الغلاف الجوي إلى الأرض.

وتتمثل الأهداف الاستراتيجية من وراء امتلاك صواريخ باليستية في تحقيق هدف أساسي، وهو الردع، وذلك بالنظر إلى قدرة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات على حمل رؤوس نووية، فضلاً عن صعوبة اعتراضها، خاصة المتحركة منها ، من نظم الدفاع الجوي.
ولذلك برعت القوى الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، على إخفاء الأسلحة النووية في غواصات، كما قامت موسكو بإخفائها في قطارات تبدو ظاهراً كقطارات شحن متنقلة على مختلف خطوط السكك الحديدية السوفييتية، ويوجهها ميكانيكيون مختصون في استراتيجيات القوى الصاروخية، تحمل في عرباتها الطويلة ذات الأسقف المستعارة صواريخ “آر تيه – 23” (RT-23) جاهزة للإطلاق، منحها “الناتو” اسم “المشرط”؛ مهمتها الرد على أي هجوم نووي محتمل بإطلاق أعداد هائلة من الرؤوس النووية الحربية .
وتختلف الدول فيما بينها في تصنيفها للصواريخ الباليستية وفقاً للمدى الذي تستطيع أن تقطعه. فعلى سبيل المثال، فإن الولايات المتحدة تقسمها إلى أربعة أقسام رئيسية، وهي الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والتي يزيد مداها على 5500 كيلومتر، والصواريخ الباليستية ذات المدى فوق المتوسط (Intermediate range)، والتي يتراوح مدارها بين 3000 و5000 كيلومتر، والصواريخ الباليستية متوسطة المدى (1000 –3000 كيلومتر)، والصواريخ الباليستية قصيرة المدى (والتي يقل مداها عن ألف كيلومتر).
أما روسيا، فقد طورت تصنيفاً خماسياً للصواريخ، فهناك الصواريخ الاستراتيجية، والتي يزيد مداها على ألف كيلومتر، والصواريخ الاستراتيجية –العملياتية التي يتراوح مداها بين 500 و1000 كيلومتر. والصواريخ العملياتية (300 – 500 كيلومتر)، والصواريخ العملياتية– التكتيكية (50 – 300 كيلومتر)، والصواريخ التكتيكية (أقل من 50 كيلومتراً) .
وسوف يلقي الملف الحالي الضوء على الصواريخ الباليستية، وبدايات تصنيعها، والمكونات الأساسية لها، ومراحل إطلاقها، كما أنه سيعرض لأبرز أنواعها المستخدمة حالياً من جانب الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وأخيراً سيتم توضيح نظم الدفاع الجوي المضادة لها، وكذلك معوقات التوصل لاتفاق بين واشنطن وموسكو وبكين حول معاهدة جديدة لضبط الأسلحة النووية الاستراتيجية، وفي القلب منها الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

أولاً: بدايات إنتاج الصواريخ الباليستية:
كان للألمان السبق في إنتاج الصواريخ الباليستية، حيث استخدمت برلين الصاروخ “فيه 2” (V – 2) في مهاجمة لندن في عام 1944، وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية. وقام اثنان من العلماء الألمان بتطويره وهما “فالتر دورنبرجر” و”فيرنيرفون براون”، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، تمكنت الولايات المتحدة من القبض على العالمين، ونقلهما إلى الولايات المتحدة، حيث تم دفعهما إلى تصميم الصواريخ، بما في ذلك الصواريخ الخاصة بالفضاء التابعة لشركة ناسا الأمريكية. وعرفت هذه المهمة باسم”مشبك الورق”. وتمكنت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بعد فترة قصيرة من نهاية الحرب العالمية الثانية من تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات .
وفي منطقة الشرق الأوسط، اقترنت البدايات الأولى لامتلاك الصواريخ الباليستية بسباق التسلح الذي نشب بين العرب وإسرائيل، فقد قامت إسرائيل بتطوير أول صاروخ باليستي، وهو صاروخ “أريحا 1″، في عام 1963 بالتعاون مع شركة “داسو الفرنسية”، وذلك بهدف تأمين وسيلة إضافية لمهاجمة العواصم العربية بصواريخ باليستية حاملة لرؤوس نووية. أما دول المواجهة مع إسرائيل، وتحديداً سوريا ومصر، فقد كانتا تعتبران أن مثل هذه الصواريخ يمكن استخدامها في ضرب العمق بسرعة، دون الحاجة إلى مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.
وتعود بدايات تطوير مصر لصواريخ باليستية إلى أواخر الخمسينات، حيث نجحت مصر في تجنيد عدد من علماء الصواريخ الألمان، الذين ساهموا في بناء أول صارخ باليستي لصالح المانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وقامت المصانع الحربية في أوائل الستينات، بتمويل من بعض الدول العربية، بإنتاج صواريخ عرفت باسم “الظافر” و”القاهر”.
وحاولت إسرائيل توجيه عمليات تخريبية ضد برنامج الصواريخ المصري، غير أنها فشلت، وحينها تدخلت الولايات المتحدة، حيث قام المبعوث الأمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط “جون مك كلوي” بالدخول في مباحثات في القاهرة مع الرئيس المصري جمال عبدالناصر، في عام 1964، وأقنعه فيها بضرورة وقف مصر تطويرها لبرنامج الصواريخ الباليستية مقابل إرغام إدارة الرئيس جونسون على وقف برنامجها النووي في مفاعل ديمونة.
واعتمدت الدول العربية وإسرائيل في حقبتي السبعينات والثمانينات، على شراء صواريخ باليستية من الدول الأجنبية، فقد قام الاتحاد السوفييتي بإمداد كل من العراق ومصر وسوريا وليبيا وإيران بصواريخ سكود، في حين زودت الولايات المتحدة إسرائيل بصواريخ لانس .

ثانياً: مكونات الصواريخ الباليستية:
يتكون أي صاروخ باليستي من ثلاثة مكونات أساسية، وهي الدفع والتوجيه والحمولة، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:
1-نظام الدفع (Propulsion System):
تتم عملية دفع الصواريخ الباليستية من خلال الجمع بين الوقود ومادة مؤكسدة في غرفة الاحتراق، حيث تؤدي التفاعلات الناجمة عن ذلك إلى إنتاج غازٍ عالي الضغط وذي درجة حرارة عالية، وهي التي تنتج قوة الدفع التي تحرك الصاروخ. وفي بعض الأحيان تتم إضافة مادة محفزة لتعزيز التفاعل الكيميائي بين الوقود والمؤكسد. وهناك أربع فئات من الوقود الكيميائي لمحركات الصواريخ، وهي: الوقود السائل، والصلب، والهجين والنووي. ويلاحظ أن لكل فئة مزايا وعيوباً تجعلها أفضل لتطبيقات معينة وغير مناسبة لاستخدامات أخرى:
أ-الصواريخ ذات الوقود السائل: تحرق محركات الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل مادتين كيميائيتين سائلتين مخزنتين بشكل منفصل، وهما: الوقود والمؤكسد، لإنتاج قوة الدفع، ثم تُضَخ في غرفة الاحتراق.
ب-الصواريخ ذات الوقود الصلب: تُخلَط المواد معاً وتُعبأ في أسطوانة صلبة، لأنّ المزيج لا يحترق في ظل درجة الحرارة العادية، ولكنه سرعان ما يحترق عند تعرضه لمصدر الحرارة الذي يوفّره المُشْعِل (igniter)، وبمجرد بدء الاحتراق فإنه يستمر حتى استنفاد الوقود كله.
ويلاحظ أن لكل من النظامين عيباً وميزة، ففي الصواريخ ذات الوقود السائل، يمكن إيقاف الدفع عن طريق إيقاف تدفُّق الوقود الدافئ. أما في الصواريخ ذات الوقود الصلب، فإن الحل الوحيد لوقف المحرِّك هو تدمير الغلاف. ومن ناحية أخرى تميل الصواريخ ذات الوقود السائل إلى أن تكون أثقل وأكثر تعقيداً بسبب المضخات والخزانات، حيث يتم تحميل المزيج (وقود+ الأوكسجين المؤكسِد) في الصاروخ قبل الإطلاق بقليل، ولذلك تواجه الصواريخ العاملة بالوقود السائل صعوبة كبيرة في تخزينها.
بينما تعد الصواريخ ذات الوقود الصلب أسهل بكثيرٍ من ناحية التعامل، كما يمكنها الانتظار لسنوات قبل الإطلاق . ومن جهة أخرى، فإن المواد الخام التي تصنع منها الوقود السائل، مثل الأكسجين والهيدروجين متوفرة بكثرة ويسهل تصنيعها نسبياً . وتعمد معظم الدول إلى استخدام الوقود الصلب بسبب قلة متطلباته اللوجستية وسهولة تشغيله، إلّا أنّ بعض الدول تعمل على تطوير صواريخ الدفع بالوقود السائل.
ج-الصواريخ ذات الوقود الهجين: تحاول محركات الصواريخ التي تعمل بالوقود الهجين الجمع بين مزايا محركات الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل والصلب. ويتكون التصميم الأساسي للصواريخ ذات الوقود الهجين من أنبوب غرفة الاحتراق، على غرار الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، ومعبأة بمادة كيميائية صلبة، وعادة ما تكون الوقود. ويوجد فوق أنبوب غرفة الاحتراق خزان يحتوي على مادة كيميائية سائلة تفاعلية تكميلية، وعادة ما تكون مؤكسدة. ويلاحظ أن المادتين الكيميائيتين سريعتا الاشتعال، وعندما يتم حقن المادة الكيميائية السائلة في غرفة الاحتراق التي تحتوي على مادة كيميائية صلبة، يحدث الاشتعال وينتج الدفع.
وتتحقق القدرة في تحديد سرعة دفع المحرك من خلال تغيير كمية السائل المحقون لكل وحدة زمنية، إذ يمكن إيقاف محرك الصاروخ عن طريق وقف تدفق المادة الكيميائية السائلة. ويمكن إعادة تشغيل المحرك عن طريق استئناف تدفق المادة الكيميائية السائلة. ويأتي ضمن المزايا الأخرى لمحركات الصواريخ الهجينة التي تعمل بالوقود الهجين هي أنها توفر طاقة أعلى من الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، ويمكن وقف وإعادة تشغيل المحرك مثل صواريخ الوقود السائل، كما يمكن تخزينها لفترات طويلة مثل صواريخ الوقود الصلب، كما أنها تحتوي على أقل من نصف المكونات اللازمة لإنتاج محركات الدفع السائل، مثل المضخات وغيرها.
وتتحكم الصواريخ الهجينة في معدل الاحتراق عن طريق التحكم في مدى تدفق الوقود السائل. وبغض النظر عن مقدار حجم المكون الصلب، فإنه يمكن فقط حرقه في وجود المكون السائل وحده. ويتمثل العيب الأساسية في هذه النوعية من المحركات في كونها لا تولد الكثير من الطاقة لكل رطل من الوقود مقارنة بمحركات الوقود السائل، وهي أكثر تعقيداً من المحركات التي تعمل بالوقود الصلب. ولذلك لا تزال محركات الصواريخ التي تعمل بالوقود الهجين قيد التطوير، وليست متاحة بعد للاستخدام التشغيلي.
‌د-الصواريخ التي تعمل بالوقود النووي: لا يستخدم محرك الصواريخ الذي يعمل بالطاقة النووية الطاقة المولدة من خلال الاحتراق لدفع الصاروخ إلى الأمام. وبدلاً من ذلك تعتمد على الحرارة الناتجة عن الانشطار النووي المستمر. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية فشلت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في تجربة الطائرات والصواريخ التي تعمل بالطاقة النووية . ومع ذلك، لاتزال هناك شكوك حول امتلاك روسيا برامج لإنتاج محركات صاروخية نووية.

2-نظام التوجيه:
تقوم مهمة نظام التحكم والتوجيه على ضمان وصول الصواريخ الباليستية إلى الموقع المطلوب تماماً، وضمن السرعة المحددة له بدقةٍ، إذ تكمن مهمة الأدوات الموجودة ضمن “نظام التنقل الداخلي” في مراقبة وتحسس جميع المكونات المسؤولة عن تسارع الصاروخ، حيث يعمل الكمبيوتر الموجّه على تحديد حالة الصاروخ أي سرعته وموقعه واتجاهه، ويقوم بإرسال رسائل إلى نظام التوجيه لتصحيح الانحرافات الحاصلة في ملف رحلة الطيران المطلوبة.

3-الحمولة
هناك أنواعٌ مختلفةٌ لحمولات الصواريخ الباليستية فقد تكون تقليديةً أو نوويةً أو كيميائيةً أو بيولوجيةً، كما يمكن دمج بين الحمولة الكيميائية والبيولوجية في أنظمة الصواريخ قصيرة المدى.

ثالثاً: مراحل إطلاق الصاروخ الباليستي:
يتم التمييز عادة بين ثلاث مراحل أساسية في إطلاق الصواريخ الباليستية، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي :
1- مرحلة التعزيز (Boost Phase): تبدأ مرحلة التعزيز من لحظة إطلاق الصاروخ، وتستمر حتى تتوقف محركات الصواريخ عن دفع الصاروخ بعيداً عن الأرض. واعتماداً على نوعية الصاروخ تستمر هذه المرحلة ما بين ثلاث وخمس دقائق. وبشكل عام يسير الصاروخ ببطء نسبياً، خلال هذه المرحلة.
وتدفع الصواريخ المساعدة الصاروخ العابر للقارات إلى الجو صعوداً، ويلاحظ أن الصاروخ العابر للقارات يمكن أن يكون له ما يصل إلى 3 مراحل من الصواريخ المساعدة. ويتم التخلص من كل مرحلة منها بعد أن تحترق، وبعبارة أخرى، بعد أن تتوقف المرحلة الأولى عن الاحتراق، يأخذ الصاروخ المساعد رقم 2 دوره، وهلم جرا .
ويمكن إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات من صوامع تحت الأرض، أو من خلال منصات متحركة على الطرق، أو على السكك الحديدية، أومن الغواصات. وعادة ما يكون الكشف عن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، أو التي يتم إطلاقها من منصات متنقلة أكثر صعوبة على اعتراضها وتدميرها قبل إطلاقها .
2-مرحلة منتصف الطريق (Midcourse Phase): تبـدأ مرحلة منتصف الطريق للصاروخ الباليستي بعد أن تتوقف نظم الدفع في الصاروخ، وعندها يكون الصاروخ في مرحلة تعرف باسم”المسار الباليستي” أو “المسار القذائفي”(Ballistic Course) نحو هدفه. وتعد هذه هي أطول مرحلة من رحلة الصاروخ، وتستمر حتى العشرين دقيقة بالنسبة لقذائف الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وخلال الجزء الأول من مرحلة منتصف الطريق يواصل الصاروخ صعوده لأعلى نقطة في مسار الرحلة، بينما خلال الجزء الأخير من هذه المرحلة، ينزل نحو الأرض، وخلال هذه المرحلة يتم فصل الرأس /الرؤوس الحربية للصواريخ، وكذلك أي أفخاخ عن المنصة الحاملة (Delivery Platform) وتحدث هذه المرحلة في الغلاف الجوي (Endoatmospheric)، ويسمى الرأس الحربي الآن باسم “مركبة العودة”(Reentry Vehicle). وتصل سرعة الصاروخ العابر للقارات، خلال هذه المرحلة، لأكثر من 24000 كم/الساعة، وذلك لأنه يستفيد من حقيقة أنه لا توجد مقاومة جوية في الفضاء الخارجي.
3-المرحلة النهائية (Terminal Phase): تبدأ المرحلة النهائية عندما يدخل الرأس الحربي أو مركبة العودة الغلاف الجوي للأرض ويستمر حتى الاصطدام بالهدف المراد تدميره وانفجار رأس الصاروخ. وتستغرق هذه المرحلة أقل من دقيقة واحدة للرأس الحربي الاستراتيجي (Strategic Warhead)، والذي يمكن أن يسافر بسرعة أكبر من 3200 كم/الساعة.
وبسبب الحرارة الشديدة، التي يواجهها عند إعادة دخول الغلاف الجوي، فيمكن أن يحترق الصاروخ ويُدمَر، ما لم يكن مزوداً بدروع مناسبة تتحمل درجات الحرارة فائقة الارتفاع.

رابعاً: أبرز الصواريخ الباليستية:
صُممت الصواريخ الباليستية العابرة للقارات لإيصال الأسلحة النووية. ويبلغ الحد الأدنى لهذه الصواريخ الفتاكة 5500 كيلومتر. وعادةً ما تحمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الحديثة أكثر من رأس نووي واحد. وتدعم معظم التصميمات الحديثة “مركبات إعادة الدخول المتعددة القابلة للتوجيه بشكل مستقل” (MIRVs)، أي أن كل صاروخ يحمل عدة رؤوس حربية، كل منها يستهدف إصابة هدف مختلف. وعلاوة على ذلك، تحمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات مجموعة من الأفخاخ، وذلك لمواجهة الدفاعات الجوية المعادية . وتتمثل أبرز أنواع هذه الصواريخ في التالي:
1-صاروخ ترايدنت: هو صاروخ باليستي عابر للقارات تم استخدامه لأول مرة في عام 1990، وهو مكون من ثلاث مراحل، ويعمل بالوقود الصلب، وتستخدمه كل من الولايات المتحدة الأمريكية على غواصات “أوهايو”، وبريطانيا، على متن غواصاتها فانغارد، كما يمكن إطلاقه من صوامع في قواعده الأرضية. ويصل طول الصاروخ إلى 13.42 متر، وقطره 2.11 متر، ووزن الإطلاق يتجاوز 59 طناً، ويمكن للصاروخ حمل 8 رؤوس نووية “إم كيه 5″، ويتراوح مداه بين 2000 كم، و12 ألف كيلومتر.
ويبلغ مدى صاروخ “ترايدنت 2” (Trident II) حوالي 7800 كم مع حمولة كاملة، و12000 كم مع حمولة منخفضة. وعلى الرغم من أن صواريخ “ترايدنت 2” ليس لديها أطول مدى مقارنة بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات الأخرى، فإن الغواصات الباليستية المسلحة بهذه الصواريخ يمكنها دائماً الاقتراب من أهدافها، لتقليل فترة تحليق الصواريخ الباليستية. ويمكن أن يحمل كل صاروخ من هذا الطراز ما يصل إلى 14 رأساً حربياً بقوة 475 كيلوطن لكل منها، وإن قيدت اتفاقية “ستارت 1″(START I) عدد الصواريخ، التي يمكن أن يحملها الصاروخ الباليستي إلى ثمانية رؤوس فقط.
وتناور مركبات العودة عند دخولها المجال الجوي من أجل تجنب نظم الدفاع الجوي للعدو. وتأخذ كل مركبة عائدة مساراً مستقلاً خاصاً بها. وتستخدم الصواريخ البريطانية مركبات إعادة دخول مختلفة مصنوعة محلياً. ويعتقد أن الصواريخ البريطانية يمكنها حمل ما يصل إلى 12 رأساً حربياً لكل صاروخ.
ومن جهة أخرى، فإن “ترايدنت 2” هو صاروخ دقيق للغاية، إذ أن لديه “خطأ دائرياً محتملاً” يقدر بحوالي 90 متراً فقط. ويتم توجيهه على الهدف عن طريق نظام الملاحة بالقصور الذاتي الفلكي، ولكن يمكنه أيضاً تلقي تحديثات عبر “نظام التموضع العالمي” (GPS).
ويتمتع “ترايدنت”بميزة إضافية تفوق الصواريخ الباليستية الأخرى، وهي أنه يتم إطلاقه من الغواصات. ونظراً لأن هذه الغواصات من الصعب رصدها، وهي تقوم بدوريات البحرية، مما يجعل هذه الصواريخ الباليستية مميتة للغاية. ونظراً لأن الدول المناوئة يمكن أن تحدد مواقع الصواريخ الباليستية التي يتم إطلاقها من صومعة ثابتة، ويمكن أن تستهدفها باستخدام صواريخ نووية. لذا فإن الغواصات الباليستية المزودة بصواريخ ترايدنت 2 لديها احتمالية كبيرة للنجاة من الضربة الأولى، بمجرد تعرض الدولة نفسها للهجوم. ومن المخطط أن تظل الإصدارات المحدثة من صواريخ “ترايدنت 2” في الخدمة حتى عام 2042.
2-صاروخ “إر إس – 24 يارس” (RS-24 Yars): هي منظومة صاروخية روسية بصاروخ باليستي عابر للقارات تعمل بالوقود الصلب، وهو مشتقّ من صاروخ “إر إس–12إم2 توبول–إم”، ويستطيع أن يحمل أكثر من رأس حربي. وتملك القوات المسلحة الروسية في عام 2017، 101 منظومة منها. وستشكل منظومات “يارس” حوالي نصف أسلحة قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية في نهاية عام 2021 . ويبلغ مدى إطلاقها 12 ألف كيلومتر. ويقوم يارس بمناورات أثناء الرحلة ويحمل الشراك الخداعية النشطة والسلبية، إذ تشير التقديرات إلى أن لديها فرصة لا تقل عن 60–65 % لاختراق نظم الدفاع الجوي.
وتم تطوير هذا الصاروخ في نسختين أساسيتين: نسخة يمكن إطلاقها من منصة متحركة، إذ تستخدم نفس هيكل المركبات عالي الحركة ذا العجلات الستة عشر، مثل صاروخ “توبول إم” السابق. ويصعب اكتشاف مثل هذه الصواريخ العابرة للقارات والمتحركة على الطرق وضربها. ولذلك، فإنه في أي هجوم نووي، تمتلك هذه المنظومة احتمالية كبيرة للنجاة من الضربة الأولى.
أما النسخة الثانية، فيمكن إطلاقها من مستودع تحت الأرض. وتم اعتماد هذا الصاروخ من قبل قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية في عام 2010 وتم نشره خلال نفس العام. واعتباراً من عام 2016، نشرت قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية 63 صاروخاً متحركاً و10 صواريخ يارس عابرة للقارات.
ويتمثل الاختلاف الرئيسي عن الصاروخ السابق “توبول إم” في أن يارس مجهزة بـ “مركبات إعادة الدخول المتعددة القابلة للتوجيه بشكل مستقل”، ويمكنها حمل ما لا يقل عن 6 رؤوس حربية قابلة للتوجيه بشكل مستقل بقوة 100–300 كيلوطن. وأفادت مصادر أخرى أن هذا الصاروخ يمكن أن يحمل ما يصل إلى 10 مركبات عائدة، وهو أمر وارد بالنسبة إلى أن “توبول أم” السابق يمكن أن يحمل 10 رؤوس حربية. ويلاحظ أن “الخطأ الدائري المحتمل” ليارس هو 150–200 متر.
وفي عام 2019، تم الإعلان عن تشغيل مركبة فرط صوتية من طراز “أفانجارد” (Avangard) على صاروخ يارس الباليستي كإحدى مركبات العودة. ويستطيع “أفانجارد” إجراء مناورات حادة، إذ تشير بعض المصادر إلى أن سرعته تصل إلى 33300 كم/ساعة (27 ماخ). ومن ثم يفرض تحدياً أمام أي صاروخ اعتراضي تقليدي، والتي تواجه من الأصل صعوبة في اعتراض أي هدف يسير بسرعة 61736173 كم/ساعة (5 ماخ).
وعلاوة على ذلك، فإن مسار أفانجارد يختلف عن المسار الباليستي، إذ أن مساره غير متوقع. وكان من المخطط أن يتم في عام 2019 تزويد ما مجموعه 31 صاروخاً من طراز يارس بمركبات أفانجارد الانزلاقية.
3-“آر إس–28 سارمات” (Sarmat RS – 28): يطلق عليه حلف شمالي الأطلسي اسم “ساتانا–2” (الشيطان–2)، وهو صاروخ روسي عابر للقارات يعمل بالوقود السائل، قادر على التحليق عبر القطبين الشمالي والجنوبي لمسافة تزيد على 11 ألف كيلومتر، ويمكنه حمل رؤوس نووية مدمرة تزن 10 أطنان ، إذ يستطيع حمل حوالي 10 رؤوس حربية ثقيلة، أو 16 أخف منها، أو مزيج من الرؤوس الحربية والتدابير المضادة الدفاعية. ويعد أكبر صاروخ باليستي في التاريخ. ولاتزال مواصفات الصاروخ الأخرى سرية.
وتستطيع صواريخ “سارمات” اختراق جميع منظومات الدفاع الصاروخية الموجودة في العالم، سواء الحالية أو المستقبلية. فلا توجد في العالم منظومة دفاع صاروخية تستطيع تعقب وتدمير عشرات الرؤوس النووية، التي يطير كل رأس منها، وفقاً لمساره الباليستي الخاص المتعرج، فتارة يرتفع وتارة ينخفض، كما يتجنب الجبال أحياناً، وأحياناً أخرى يتستر بها، ويطير بسرعة تفوق سرعة الصوت عند الضرورة، وبأقل منها في ظروف أخرى .
أما من حيث قوته التدميرية، فيلاحظ أن روسيا أوضحت أنه قادر على تدمير مساحة بحجم فرنسا أو تكساس، والوصول إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة في غضون 12 دقيقة. ويستطيع أن يحمل رؤوساً حربية تزن حوالي 40 ميجاطن، أي بقوة تصل إلى أكثر من ألفي مرة من القنابل الذرية التي تم إسقاطها على هيروشيما وناجازاكي في عام 1945 .

4-“ديه إف 41” (DF-41): يُعد أحد أقوى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، التي تم تطويرها في الصين حتى الآن، كما أنها واحدة من أكثر الصواريخ الباليستية العابرة للقارات فتكاً في العالم. وهي تعتمد على مركبة قاذفة ذات 16 عجلة، وهي مشابهة من حيث المفهوم للصواريخ الباليستية العابرة للقارات الروسية المتنقلة على الطرق مثل توبول أم ويارس.
وتم إجراء أول اختبار إطلاق لهذا الصاروخ في عام 2013، بينما تم إجراء الاختبار الثاني في عام 2014. وتفيد بعض المصادر أن نسخة أخرى من الصاروخ، وهي”ديه إف – 41 آيه” (DF-41A) تم إطلاقه في عام 2016 أو 2017.
ويعمل “ديهإف 41” بالوقود الصلب. ويبلغ مداها التقديري 12 ألف كم، وتحمل ما يصل إلى 10 “مركبات عائدة متعددة قابلة للتوجيه بشكل مستقل”. ومن ثم تستطيع الصواريخ أن تصل إلى جميع مناطق الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا. وتستغرق الصواريخ مدى زمنياً يتراوح ما بين 20 و25 دقيقة تقريباً حتى تصل إلى الولايات المتحدة. ويمكن لهذا الصاروخ القضاء على دول بأكملها.
ويحتوي هذا الصاروخ على نظام ملاحة داخلي مع تحديث نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية “بي دو” (BeiDou) الصيني. وتصل دقته إلى 150 متراً. ويعتمد الصاروخ الباليستي الصيني على مركبة “تايان هتف 5980″(Taian HTF5980) ذي العجلات الستة عشر. وتتمتع هذه المركبة بالقدرة على السفر عبر تضاريس صعبة. واكتسبت الصين عدداً من تقنيات هياكل المركبات عالية الحركة الثقيلة من شركة “إم زد كيه تيه”(MZKT) البيلاروسية، حيث تم إنشاء مشروع مشترك بين الصين وبيلاروسيا لإنتاج شاسيهات هذه المركبات في الصين.
وفي نهاية المطاف، أصبحت الصين بسرعة الدولة الثانية بعد بيلاروسيا، القادرة على تصميم وإنتاج مركبات إطلاق للصواريخ فائقة الثقل العابرة للقارات. حتى روسيا، والتي تستخدم تاريخياً صواريخ باليستية عابرة للقارات ومتحركة على الطرق، تفتقر إلى هذه التكنولوجيا والخبرة، وتحصل على مركبات الإطلاق من بيلاروسيا. ويتم تخزين عدد من الصواريخ العابرة للقارات الصينية السابقة والمتحركة في أنفاق. ومن ثم فإن الصواريخ محمية بشكل جيد. وبمجرد إعلان حالة تأهب قصوى، تترك قاذفات الصواريخ المتنقلة الأنفاق وتطلق صواريخها من مواقع الإطلاق القريبة، كما يمكن لمركبات الإطلاق أن تترك قواعدها وتعمل من دون أن يتم اكتشافها في المناطق النائية، ولذلك فإن اعتراضها وتدميرها أصعب من اعتراض الصواريخ الثابتة المخزنة في صوامع تحت الأرض.
5-هواسونج–16: كشفت كوريا الشمالية عن صاروخ باليستي جديد عابر للقارات في العاشر من أكتوبر 2020، وخلال عرض عسكري ضخم بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس حزب العمال الكوري.
وأطلق الخبراء في الدول الغربية على أكبر صاروخ باليستي محمول عابر للقارات في العالم اسم “هواسونج–16″، ويمكن للصاروخ أن يحمل ما يصل إلى 4 رؤوس حربية تقليدية أو نووية أو مركبات مستقلة متعددة الدخول، كما يمكنه الوصول إلى الأراضي الأمريكية بأكملها، ولديه القدرة على التغلب على أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية.
وعرض الصاروخ الجديد على مركبة نقل ذات 11 محوراً، أو 22 عجلة، ويقدر طوله بـ 26 متراً، أي أطول بحوالي 15 في المئة من “هواسونج–15″، وقطره أكبر، إذ يقدر بحوالي 2.9 متر. أما وزنه فيقدر بما بين 100 و150 ألف كيلوغرام، في حين يقدر نطاقه أو مداه بحوالي 13000 كيلومتر، مثل هواسونج–15، ولكن من المحتمل أن يكون مع حمولة أكبر. وبحسب الظاهر من الصاروخ وقطره، فإنه يحتوي على 4 محركات في المرحلة الأولى من طراز “آر دي 250” سوفييتية الصنع .

خامساً: النظم المضادة للصواريخ الباليستية
تكتسب النظم الدفاعية الجوية المضادة للصواريخ الباليستية أهمية كبيرة، نظراً لأنها تعد أحد أعمدة الردع النووي، كون الصاروخ الباليستي قادر على حمل رؤوس نووية، ومن ثم، فإن امتلاك إحدى الدول المتقدمة لنظم دفاع جوي قادرة على إسقاط كافة الصواريخ الباليستية يعطيها تفوقاً نووياً على خصومها، إذ يمكنها ذلك نظرياً، من امتلاك القدرة على ضرب خصومها باستخدام الصواريخ الباليستية دون أن تتمكن هذه الدول من الرد بالمثل.
وتسعى الولايات المتحدة منذ سنوات لتطوير نظام دفاع صاروخي قادر على اعتراض كافة أنواع الصواريخ الباليستية، غير أن الولايات المتحدة أكدت في عام 2017، أن الصواريخ الاعتراضية الأمريكية المتمركزة في ألاسكا وكاليفورنيا لديها فرصة تقدر بحوالي 25 % للتصادم بشكل مباشر مع الصواريخ الباليستية المهاجمة فقط، بينما يعتقد معظم الخبراء العسكريين أن الأداء الحقيقي للنظام الدفاعي الصاروخي الأمريكي أقل من المعلن بكثير، خاصة إذا ما تم استخدامه في ظروف واقعية يكون فيها مسار الصاروخ المهاجم غير معروف سلفاً.
ويستند هذا الاتجاه إلى التقييم الصادر من وزارة الدفاع الأمريكية في عام 2016، والذي أكد إن موثوقية أداء النظم الصاروخية الاعتراضية الأرضية التشغيلية منخفضة، كما أكد أن “وكالة الدفاع الصاروخي” تواصل اكتشافها أنواعاً جديدة من الفشل أثناء عمليات الاختبار . وأعلن مارك أسبر، وزير الدفاع الأمريكي السابق، في أكتوبر 2020 أن أحد أولويات الولايات المتحدة في مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية الروسية والصينية متوسطة المدى، هي تحسين قدرات الدفاع الصاروخي لمواجهة مثل هذه الأنظمة وما شابهها ، وهو ما يعني أن نظم الدفاع الصاروخي لاتزال غير قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية بشكل كامل، وهي نقطة سيتم تفصيلها لاحقاً.
ويتكون أي نظام للدفاع الصاروخي من عدة مكونات أساسية، يمكن تفصيلها على النحو التالي :
1-الرادارات الأرضية والفضائية والبحرية: تستخدم الدول عادة الأقمار الصناعية والرادارات الأرضية والبحرية معاً من أجل إنشاء نظام رصد شامل يسهم في الكشف عن الصواريخ الباليستية فور إطلاقه، والتمييز بين التهديد الحقيقي، والوهمي، بالإضافة إلى تتبع مسار الصاروخ حتى يتمكن الصاروخ المعترض من العثور عليه واعتراض التهديد وإسقاطه.
2-الصواريخ الاعتراضية: تعرف كذلك باسم “مركبات القتل”، والتي تنفصل عن الصاروخ الحامل لها، لكي ترتطم حركياً بالصاروخ الباليستي المعادي، ولذلك تعرف بأنها “الضرب للقتل” (Hit To Kill)، غير أنه يلاحظ أن بعض أنظمة الصواريخ الاعتراضية عبارة عن قطع مفردة، مما يعني أنها لا تنفصل عن مركبات القتل الخاصة بها.
وتعد من أبرز الأمثلة في هذا الإطار منظومة الدفاع الصاروخي “باتريوت باك 3″، و”ثاد” (THAAD)، و”أنظمة إيجيس للدفاع ضد الصواريخ الباليستية”، والمستخدمة على سطح السفن الأمريكية، غير أنه من الملاحظ أن المنظومات الثلاثة يمكن توظيفها في اعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، والتي تتحرك بسرعات أبطأ، وعلى ارتفاعات أقل من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات .
وتقوم الولايات المتحدة حالياً بتطوير “مبادرة الدفاع الاستراتيجي”، وهي مبادرة تهدف إلى تطوير نظام دفاع صاروخي استراتيجي لتدمير الصواريخ العابرة للقارات خلال منتصف مسارها، باستخدام صواريخ اعتراضية تُطلق من الأرض.
وعلى الجانب الآخر، تمتلك روسيا نظام الدفاع الجوي “إس – 400 تريومف” المضاد للصواريخ الباليستية، كما تقوم موسكو بتطوير صاروخ “بيه إل – 19 نودول” (PL-19 Nudol missile) المخصص لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية، كما يمكن استخدامه لتدمير الأقمار الصناعية . وتؤكد موسكو أن صواريخ إس –500 قادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية العابرة للقارات خارج الغلاف الجوي، حيث تشير إلى أن هذه المنظومة قادرة على إسقاط 10 صواريخ بعيدة المدى في وقت واحد، حتى لو تحرك الهدف بسرعة تتراوح بين 18 إلى 25 ألف كيلومتر في الساعة، كما أنها قادرة أيضاً على إسقاط الصواريخ والطائرات التي تحلق على ارتفاع 200 كيلومتر . وتجدر الإشارة إلى أن المنظومة، التي لاتزال قيد التطوير، يتوقع أن تدخل الخدمة في عام 2021.
ويتم إطلاق الصواريخ الاعتراضية من صوامع أرضية، أو شاحنات متنقلة على الطرق أو السفن. ولا يوجد حالياً أقمار صناعية قادرة على حمل صواريخ قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية، على الرغم من وجود بعض الأفكار المقترحة في هذا الإطار، منذ الثمانينات من القرن العشرين، حين طرح العديد من السياسيين فكرة “الدفاع الصاروخي الفضائي”، وهو نظام يهدف إلى إسقاط الصواريخ باستخدام صواريخ اعتراضية متمركزة في مدار حول الأرض.
وتتمثل الفائدة الافتراضية لمثل هذا النظام في أنه ليس عرضة لنوع الإجراءات المضادة التي تحد من فعالية النظام الأرضي الحالي، غير أن العيب الرئيسي، في المقابل، هو أن هذه المنظومات الفضائية يمكن إسقاطها بواسطة الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، كما أنه من شأنه أن يثير رد فعل من جانب الصين وروسيا، ويدفعها إلى تطوير نظم مضادة .
وتستمر روسيا والولايات المتحدة في تبادل الاتهامات حول نشر أسلحة في الفضاء الخارجي، والتي كان أحدثها الاتهامات الروسية لواشنطن بمحاولة نشر أسلحة في الفضاء الخارجي في فبراير 2020، وذلك على خلفية إنشاء واشنطن ذراعاً عسكرية جديدة تحت اسم “قوة فضائية”.
ومن جهة أخرى، تستمر جهود تطوير منظومات جديدة لاعتراض الصواريخ الباليستية، فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن إدخالها تحديثات على طائرات “إف–35″، تمكنها من تفادي وتعقب الصواريخ الباليستية ، وأعلنت إسرائيل في يوليو 2019 نجاح منظومة “أرو–3” للصواريخ الدفاعية الباليستية، التي تطورها بالتعاون مع شركة بوينج الأمريكية في اختبار أجري لاعتراض صواريخ باليستية في ولاية ألاسكا الأمريكية، وذلك خارج الغلاف الجوي للكرة الأرضية على ارتفاع يضمن تدمير أي رأس حربي غير تقليدي، وبسرعة غير مسبوقة .
ويلاحظ أن هناك عدداً من الأساليب التي يمكن أن تتبعها الدول للتغلب على نظم الدفاع الصاروخي، ويأتي في مقدمتها الرؤوس الحربية الخادعة، والتي يمكن أن تهزم نظم الدفاع الصاروخي بسهولة.
3-أنظمة القيادة والتحكم: يتم ربط جميع البيانات التي يتم معالجتها بواسطة أجهزة الاستشعار والرادارات، ثم إرسالها إلى الصواريخ الاعتراضية ومركبات القتل من خلال شبكة أخرى من مراكز القيادة والتحكم. ويتم نشر هذه المراكز في أجزاء مختلفة من الدولة. ويلاحظ أن البيانات الواردة من مختلف الرادارات وأجهزة الاستشعار يتم تحليلها من قبل نظم الذكاء الاصطناعي المتطورة لتوفير سهولة في اتخاذ الإجراءات المناسبة.

سادساً: ضبط سباق التسلح حول الصواريخ الباليستية:
تعد الاتفاقات الدولية إحدى الوسائل التي تلجأ إليها القوى الكبرى لضبط سباق التسلح في مجال الصواريخ الباليستية، خاصة بالنسبة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وتعد أحد الأمثلة في هذا الإطار “معاهدة نيو ستارت”، والتي أبرمت في عام 2010، وقيدت ترسانتي البلدين عند مستوى يقل كثيراً عما كانت عليه الحال خلال الحرب الباردة، فحدت من عدد منصات الإطلاق النووية الاستراتيجية المنصوبة عند 700 وعدد الرؤوس النووية عند 1550.
وتنتهي هذه الاتفاقية في مطلع عام 2021، وقد جرت محاولات لإبرام اتفاقية جديدة منذ عهد الرئيسين السابقين باراك أوباما وديمتري مدفيديف، غير أنهما لم ينجحا في التوصل لاتفاق، وتعد هذه الاتفاقية محورية لأنها تضبط سباق التسلح النووي بين أكبر قوتين، واللتين تملكان سوياً أكثر من 90% من الأسلحة النووية في العالم، وفق آخر تقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (سيبري) .
وتعد أحد الأسباب التي تعرقل التوصل لاتفاق هو إصرار الولايات المتحدة منذ بدء المفاوضات على انضمام الصين إلى المحادثات، نظراً لاتجاه بكين لتطوير ترسانتها النووية بسرعة كبيرة. غير أن الأخيرة ترفض ذلك على اعتبار أن ترسانتها النووية، لا تزال أصغر بكثير من ترسانتي موسكو وواشنطن، كما أنها ترفض المشاركة في مفاوضات ثلاثية. وتملك واشنطن في 2020 حوالي 5800 رأس نووي، فيما تملك موسكو 6375 رأساً مقابل 320 لدى بكين، و290 لدى باريس و215 لدى لندن، بحسب معهد “سيبري” السويدي.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن الصراع على تطوير نظم جديدة من الصواريخ الباليستية سوف يستمر، وبوتيرة أعلى من السابق، في حالة عجز الولايات المتحدة وروسيا والصين على التوصل لاتفاق جديد لضبط التسلح النووي في مجال إنتاج الصواريخ الباليستية الاستراتيجية.

IAI
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض