583-Web-File-A

التداعيات الاستراتيجية لتوقيع اتفاق أمني بين الصين وجزر سليمان

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

أبرمت‭ ‬الصين‭ ‬عدة‭ ‬اتفاقات‭ ‬أمنية‭ ‬مع‭ ‬جزر‭ ‬سليمان،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬صفقة‭ ‬أمنية‭ ‬تمنح‭ ‬الصين‭ ‬سلطة‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬أمنية‭ ‬لقمع‭ ‬الاضطرابات،‭ ‬أو‭ ‬لحماية‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصينية،‭ ‬وربما‭ ‬لبناء‭ ‬ميناء‭ ‬للاستخدام‭ ‬التجاري‭ ‬والعسكري‭. ‬ولاقت‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬إدانة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واشنطن‭ ‬وأستراليا،‭ ‬واللتين‭ ‬بذلتا‭ ‬جهوداً‭ ‬مكثفة‭ ‬لمنع‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬من‭ ‬إبرام‭ ‬الاتفاق،‭ ‬غير‭ ‬أنهما‭ ‬أخفقتا‭ ‬في‭ ‬النهاية‭. ‬

اعتبر‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أنطوني‭ ‬بلينكن‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬تشكل‭ ‬‮«‬أخطر‭ ‬تهديد‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‮»‬‭. ‬وأضاف‭ ‬الوزير‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الصين‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬نية‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬كما‭ ‬لديها‭ ‬وبشكل‭ ‬متزايد‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬للقيام‭ ‬بذلك‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين‭ ‬بات‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬صراعات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬ستكون‭ ‬السمة‭ ‬المميزة‭ ‬للأعوام،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬العقود‭ ‬القادمة‭. 

انتصار‭ ‬جزئي‭ ‬

تمكنت‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬أمني‭ ‬واقتصادي‭ ‬مع‭ ‬جزر‭ ‬سليمان،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬تكرار‭ ‬نفس‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬مع‭ ‬عشر‭ ‬جزر‭ ‬أخرى‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬الهادئ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تفصيله‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬

1‭ ‬  اتفاق‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭:‬‭ ‬يمنح‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬بكين،‭ ‬وفقاً‭ ‬للاتهامات‭ ‬الأسترالية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬الفرصةلإقامة‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬للسفن‭ ‬الأسترالية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬التجارية‭ ‬والعسكرية‭. ‬وجاء‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاقية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أستراليا‭ ‬وأمريكا‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬على‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬على‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاق،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬توجيه‭ ‬تهديدات‭ ‬واضحة‭ ‬إليها‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬تحذير‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬نيد‭ ‬برايس،‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬‮«‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬توقيع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاق‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يزيد‭ ‬زعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬داخل‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬ويشكل‭ ‬سابقة‭ ‬مقلقة‭ ‬لمنطقة‭ ‬المحيط‭ ‬الهادي‭ ‬الأوسع‮»‬‭.‬

2‭ ‬  رفض‭ ‬جزر‭ ‬أخرى‭:‬‭ ‬رفضت‭ ‬عشر‭ ‬دول‭ ‬جزرية‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬مساعي‭ ‬بكين‭ ‬لإبرام‭ ‬اتفاق‭ ‬أمني‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬معها،‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬مايو‭ ‬2022،‭ ‬وذلك‭ ‬أثناء‭ ‬المحادثات‭ ‬التي‭ ‬عقدت‭ ‬في‭ ‬فيجي‭ ‬بين‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الصيني‭ ‬وانجيي‭ ‬وقادة‭ ‬الدول‭ ‬العشر،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬انتكاسة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬كبيرة‭ ‬لبكين‭.‬

وينص‭ ‬الاتفاق‭ ‬المزمع‭ ‬على‭ ‬تدريب‭ ‬الصين‭ ‬أجهزة‭ ‬الشرطة‭ ‬المحلية‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬مسح‭ ‬بحري‭ ‬حساسة‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬سواء‭ ‬البرية‭ ‬أو‭ ‬البحرية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ستقدّم‭ ‬بكين‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية‭ ‬بملايين‭ ‬الدولارات،‭ ‬وإمكانية‭ ‬إقامة‭ ‬اتفاق‭ ‬للتجارة‭ ‬الحرة‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬ودول‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬الجزرية‭ ‬التي‭ ‬يمنحها‭ ‬الاتفاق‭ ‬كذلك‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭ ‬الشاسعة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬إبرام‭ ‬الاتفاق،‭ ‬فإن‭ ‬بكين‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬التعاون‭ ‬الثنائي‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬15‭ ‬مجالاً،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تعاون‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق،‭ ‬وتغير‭ ‬المناخ،‭ ‬والاستجابة‭ ‬لجائحة‭ ‬كوفيد19‭.‬

دلالات‭ ‬استراتيجية

يكشف‭ ‬الاتفاق‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وجزر‭ ‬سليمان‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدلالات،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬تفصيلها‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬

1‭ ‬  تغير‭ ‬السلوك‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للصين‭:‬‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بكين‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬مواقف‭ ‬دفاعية،‭ ‬وتتجنب‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬صراعات،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تتبنى‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬حزماً‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الخطاب،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السياسات‭ ‬العملية‭. ‬وقد‭ ‬اتضح‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موقف‭. ‬فعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬حذّر‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الصيني،‭ ‬وي‭ ‬فنغي،‭ ‬نظيره‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لويد‭ ‬أوستن،‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬يونيو،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬‮«‬لن‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬بدء‭ ‬حرب‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬أعلنت‭ ‬تايوان‭ ‬استقلالها،‭ ‬كما‭ ‬تعهّد‭ ‬الوزير‭ ‬الصيني‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬‮«‬ستسحق‭ ‬إلى‭ ‬أشلاء‭ ‬أي‭ ‬مخطط‭ ‬لاستقلال‭ ‬تايوان‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬اجتماع‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬الوزيرين‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬قمة‭ ‬‮«‬حوار‭ ‬شانجري–لا‮»‬‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬سنغافورة‭.‬

كما‭ ‬أكد‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الصيني،‭ ‬وانج‭ ‬يي،‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬يونيو‭ ‬2022،‭ ‬أن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الخاصة‭ ‬بمنطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭ ‬‮«‬محكوم‭ ‬عليها‭ ‬بالفشل‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬تعليقه‭ ‬على‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬لمنطقة‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬لزيادة‭ ‬الانخراط‭ ‬مع‭ ‬الحلفاءهناك‭ ‬لمواجهة‭ ‬صعود‭ ‬النفوذ‭ ‬الصيني‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السياسات‭ ‬العملية،‭ ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2022،‭ ‬عن‭ ‬صاروخ‭ ‬فرط‭ ‬صوتي‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬واي‭ ‬جيه‭ ‬–‭ ‬21‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬تبلغ‭ ‬سرعته‭ ‬10‭ ‬ماخ،‭ ‬ويمكن‭ ‬إطلاقه‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬الحربية،‭ ‬أو‭ ‬الجو،‭ ‬وهو‭ ‬صاروخ‭ ‬مضاد‭ ‬للسفن،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬تهدف‭ ‬من‭ ‬تطويره‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تهديد‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬الأمريكية‭ ‬ودفعها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الساحل‭ ‬الصيني،‭ ‬وتحييد‭ ‬فاعليتها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬قررت‭ ‬الصين‭ ‬ضم‭ ‬تايوان‭ ‬إليها‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬أي‭ ‬نظم‭ ‬دفاعية‭ ‬حالية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اعتراض،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬رصد‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭. ‬

كما‭ ‬شرعت‭ ‬المقاتلات‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬التوغل‭ ‬بصورة‭ ‬متكررة‭ ‬في‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬تمييز‭ ‬الهوية‭ ‬لأغراض‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‮»‬‭ (‬أديز‭) ‬التايوانية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬تحذير‭ ‬لواشنطن‭ ‬من‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬تايوان‭ ‬عسكرياً‭ ‬بالسلاح‭. ‬

2‭ ‬  تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭:‬‭ ‬تعتمد‭ ‬بكين‭ ‬قراءة‭ ‬خاصة‭ ‬لها‭ ‬بكيفية‭ ‬صيرورة‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬إصرار‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬التمدد‭ ‬عسكرياً‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬المباشر‭ ‬لموسكو‭ ‬أو‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬الروسي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–الأوكرانية،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬تفاديها‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وافق‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬المطالب‭ ‬الأمنية‭ ‬‮«‬المعقولة‮»‬‭ ‬لموسكو،‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬إبقاء‭ ‬أوكرانيا‭ ‬خارج‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬إصرار‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬المبادئة‭ ‬في‭ ‬‮«‬صرعات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬ومحاصرة‭ ‬موسكو،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬واشنطن‭ ‬استنساخ‭ ‬نفس‭ ‬السياسات‭ ‬لتطويق‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬بكين‭ ‬تدرك‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلا‭ ‬بتبني‭ ‬سياسات‭ ‬معاكسة،‭ ‬أي‭ ‬بناء‭ ‬تحالفات‭ ‬عسكرية‭ ‬تقوض‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬لنسجها‭ ‬في‭ ‬الجوار‭ ‬المباشر‭ ‬للصين‭. ‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬التحذيرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬تجربة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬تايوان،‭ ‬فقد‭ ‬اندفعت‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬الحالتين،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬لتحذير‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬القاسية،‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تتعرض‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬تايوان‭ ‬بالقوة‭. ‬

فقد‭ ‬كانت‭ ‬واشنطن‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬الغربي‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬كفيلاً‭ ‬بإلحاق‭ ‬هزيمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬بروسيا،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬يمثل‭ ‬عامل‭ ‬ردع‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصين،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬تواصل‭ ‬المعارك،‭ ‬وتمكن‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬إحكام‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الدونباس،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التمدد‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬خاركيف‭ ‬وخريسون‭ ‬وزابورجيا،‭ ‬أو‭ ‬إحكام‭ ‬موسكو‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬حوالي‭  % ‬20‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬ووجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬انهيار‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأوروبي،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬أفشلت‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الأمريكي‭.‬

ودفعت‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬بكين‭ ‬لإدراك‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬وضعت‭ ‬واشنطن‭ ‬نفسها‭ ‬فيه،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنه‭ ‬بدا‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬الأوكراني‭ ‬عاجز‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬وقف‭ ‬تقدم‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬فرص‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬طرد‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬احتلها،‭ ‬وهو‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيسي‭ ‬لواشنطن،‭ ‬يبدو‭ ‬سيناريو‭ ‬مستبعداً،‭ ‬وفقاً‭ ‬لريتشارد‭ ‬هاس،‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أغلب‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأوروبية‭. ‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬شرعت‭ ‬الصين‭ ‬لاستغلال‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬مباشرة‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬التحالفات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬لبنائها‭ ‬ضدها‭. ‬ومثلت‭ ‬أولى‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬في‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأمني‭ ‬مع‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭. ‬ويتوسط‭ ‬الأرخبيل‭ ‬طريق‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وكانبيرا،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يتيح‭ ‬للصين‭ ‬مراقبة‭ ‬ورصد‭ ‬تحركات‭ ‬البحرية‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأسترالية،‭ ‬ويمكِّن‭ ‬الجيش‭ ‬الصيني،‭ ‬وفق‭ ‬أسوأ‭ ‬سيناريو‭ ‬في‭ ‬إغلاق‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬بين‭ ‬أستراليا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬رسالة‭ ‬لواشنطن‭ ‬بأن‭ ‬الصين‭ ‬لن‭ ‬تقف‭ ‬مكتوفة‭ ‬الأيدي‭ ‬أمام‭ ‬المحاولات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتطويقها‭ ‬عسكرياً‭.‬

3‭ ‬  التخلص‭ ‬من‭ ‬التطويق‭ ‬الأمريكي‭:‬‭ ‬عملت‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬تطويق‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬سلسلة‭ ‬الجزر‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬استراتيجية‭ ‬صكتها‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الأربعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬والتي‭ ‬هدفت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬تطويق‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقامة‭ ‬علاقات‭ ‬تحالفية‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الجزرية‭ ‬المجاورة‭ ‬للصين‭.‬

وتتمثل‭ ‬سلسلة‭ ‬الجزر‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬جزر‭ ‬الكوريل،‭ ‬والأرخبيل‭ ‬الياباني‭ ‬الرئيسي،‭ ‬وأوكيناوا،‭ ‬وكذلك‭ ‬الجزء‭ ‬الشمالي‭ ‬من‭ ‬أرخبيل‭ ‬الفلبين،‭ ‬وشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬الملايو،‭ ‬وتايوان،‭ ‬بينما‭ ‬تتكون‭ ‬السلسلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬جزر‭ ‬اليابان‭ ‬الممتدة‭ ‬حتى‭ ‬جوام‭ ‬وجزر‭ ‬ميكرونيزيا‭. ‬وتمكنت‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬ترسيخ‭ ‬وجود‭ ‬قوي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمليات‭ ‬المناطق‭ ‬الرمادية‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الجزر‭ ‬الأولى‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬إقامة‭ ‬وجود‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬تايوان‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬سلسلة‭ ‬الجزر‭ ‬الأولى‭ ‬بالكامل‭.‬

وتوفر‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬موقعاً‭ ‬متميزاً‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬لبكين‭ ‬ممارسة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬البحري‭ ‬والجوي‭ ‬المحيط،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يهدد‭ ‬خطوط‭ ‬الاتصال‭ ‬الطولية‭ ‬والخطية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أستراليا‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬استخدام‭ ‬قاعدة‭ ‬بحرية‭ ‬صينية‭ ‬في‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬لاعتراض‭ ‬التعزيزات‭ ‬العسكرية‭ ‬لتايوان‭. ‬وحتى‭ ‬منشأة‭ ‬معزولة‭ ‬لجيش‭ ‬التحرير‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬تستخدم‭ ‬لجمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬أو‭ ‬لنشر‭ ‬دوريات‭ ‬عسكرية‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تعقد‭ ‬التخطيط‭ ‬الدفاعي‭ ‬لأستراليا،‭ ‬وإلى‭ ‬حد‭ ‬ما،‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬

وتعد‭ ‬بكين‭ ‬بالفعل‭ ‬لاعباً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬مهيمناً‭ ‬ومزوداً‭ ‬للمساعدات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬عبر‭ ‬أوقيانوسيا،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭. ‬ومنذ‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬تنشط‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬الخاصة‭ ‬والشركات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬للاستحواذ‭ ‬على‭ ‬الموانئ‭ ‬والمطارات‭ ‬وتطويرها،‭ ‬وهي‭ ‬المحاولات‭ ‬التي‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ذريعة‭ ‬لضمان‭ ‬موطئ‭ ‬قدم‭ ‬لجيش‭ ‬التحرير‭ ‬الشعبي،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬كورال‭ ‬بوتيرة‭ ‬أعلى،‭ ‬على‭ ‬السواحل‭ ‬الشرقية‭ ‬لأستراليا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬للسفن‭ ‬الصينية‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬في‭ ‬موانئ‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬لأغراض‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭. ‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأسترالية،‭ ‬والغربية،‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬ويجعل‭ ‬الصين‭ ‬ترد‭ ‬على‭ ‬محاولة‭ ‬واشنطن‭ ‬تطويقها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحالف‭ ‬أوكوس،‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬اتفاق‭ ‬دفاعي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬غواصات‭ ‬نووية‭ ‬أمريكية‭ ‬لأستراليا،‭ ‬وذلك‭ ‬بغرض‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬الأساطيل‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬المحيطين‭ ‬الهادئ‭ ‬والهندي‭.‬

4‭ ‬  تراجع‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬الاقتصادي‭: ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬التفوق‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬تتمدد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬عبر‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬تعاون‭ ‬اقتصادي‭ ‬قوي‭ ‬مع‭ ‬الجزر‭ ‬المنتشرة‭ ‬هناك،‭ ‬وتسعى‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬المنطقة‭ ‬الشاسعة‭ ‬ببعضها‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتفاقيات‭ ‬تمكن‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أراضيها‭ ‬وبحارها‭ ‬وبنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬منح‭ ‬التنمية‭ ‬والمنح‭ ‬الدراسية‭ ‬والتدريب‭ ‬في‭ ‬المقابل‭.‬

وقد‭ ‬بدأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تدرك‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مواجهة‭ ‬الصين‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬الروابط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬ولذلك‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬جو‭ ‬بايدن،‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬مايو‭ ‬2022،‭ ‬من‭ ‬طوكيو،‭ ‬إطلاق‭ ‬شراكة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬تضم‭ ‬13‭ ‬دولة‭ ‬بينها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان،‭ ‬وتستثني‭ ‬الصين،‭ ‬عرفت‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لمنطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‮»‬‭. ‬وتعد‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬نسخة‭ ‬معدلة‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬‮«‬الشراكة‭ ‬العابرة‭ ‬للمحيط‭ ‬الهادئ‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تبناها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق،‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬في‭ ‬2016،‭ ‬وانسحب‭ ‬منها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬2017،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬جدية‭ ‬التزام‭ ‬واشنطن‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬مؤشرات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬فوز‭ ‬الجمهوريين‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬أواخر‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إمكانية‭ ‬نقضهم‭ ‬للاتفاق‭ ‬مجدداً‭. ‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬اتفاقية‭ ‬الإطار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لمنطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬تجارة‭ ‬حرة،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تعد‭ ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬‮«‬الشراكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الإقليمية‭ ‬الشاملة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬اتفاق‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬الدول‭ ‬العشر‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬رابطة‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصين‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وأستراليا،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الأطر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬تتمتع‭ ‬بجاذبية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬نظيرتها‭ ‬الأمريكية‭. ‬

5‭ ‬دعم‭ ‬النفوذ‭ ‬العسكري‭ ‬الصيني‭: ‬تهيمن‭ ‬أساطيل‭ ‬الصيد‭ ‬الصينية‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬البحار‭ ‬الواقعة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬جزيرة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬والتي‭ ‬تصطاد‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬أسماك‭ ‬التونة،‭ ‬بينما‭ ‬تشارك‭ ‬أحياناً‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخبارية‭ ‬مع‭ ‬بكين‭ ‬حول‭ ‬تحركات‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭.‬

وإذا‭ ‬تمكنت‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬في‭ ‬موانئ‭ ‬ومطارات‭ ‬وإقامة‭ ‬مواقع‭ ‬للاتصالات‭ ‬عبر‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬وكلها‭ ‬تقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬جزر‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬فقد‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬اعتراض‭ ‬الاتصالات‭ ‬وإغلاق‭ ‬ممرات‭ ‬الشحن‭ ‬البحرية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أرادت‭ ‬ذلك‭.‬

كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬جزر‭ ‬سليمان‭ ‬سوف‭ ‬يمنح‭ ‬بكين‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التواجد‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬ألفي‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬السواحل‭ ‬الأسترالية،‭ ‬وتهديد‭ ‬خطوط‭ ‬الاتصال‭ ‬العسكرية‭ ‬والتجارية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأستراليا،‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬سوف‭ ‬تتجه‭ ‬للرد‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬التحركات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬ضدها،‭ ‬ولن‭ ‬تكتفي‭ ‬بتبني‭ ‬مواقف‭ ‬دفاعية‭. ‬

الختام

يكشف‭ ‬الاتفاق‭ ‬الدفاعي‭ ‬بين‭ ‬بكين‭ ‬وهونيارا،‭ ‬عاصمة‭ ‬جزر‭ ‬سليمان،‭ ‬أن‭ ‬القواعد‭ ‬الحاكمة‭ ‬للعلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬–‭ ‬الصينية‭ ‬قد‭ ‬شهدت‭ ‬تحولاً‭ ‬لافتاً،‭ ‬وأن‭ ‬استراتيجية‭ ‬واشنطن‭ ‬لتطويق‭ ‬خصومها،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬صراعات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬سوف‭ ‬تواجه‭ ‬تحدياً‭ ‬كبيراً،‭ ‬إذ‭ ‬لن‭ ‬تقف‭ ‬الصين‭ ‬مكتوفة‭ ‬اليد،‭ ‬أمام‭ ‬المحاولات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتطويقها،‭ ‬بل‭ ‬ستتجه‭ ‬لتبني‭ ‬سياسات‭ ‬فاعلة‭ ‬ونشطة‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬تصاعد‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين‭ ‬خلال‭ ‬المدى‭ ‬المنظور،‭ ‬وتحوّل‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬نقاط‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

‮»‬‭ ‬د‭. ‬شادي‭ ‬عبدالوهاب‭   (باحث‭ ‬عسكري‭ ‬واستراتيجي)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض