585 Web File A

أقمار صناعية لمواجهة الصواريخ الفرط صوتية

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

قالت وزارة الدفاع الأمريكية، في 19 يوليو 2022، إنها ستنفق 1.3 مليار دولار لتطوير أقمار صناعية قادرة على تتبع تهديدات الصواريخ الفرط صوتية بشكل أفضل، معلنة عن عقدين جديدين سيضعان أنظمة الكشف والتعقب في المدار بحلول عام 2025. من جانبه، أوضح مدير وكالة تطوير الفضاء ديريك تورنير، أن العقدين سيوفران 28 قمراً صناعياً، لتعزيز قدرة واشنطن على مواجهة التهديدات المتزايدة من روسيا والصين اللتين خطا كلاهما خطوات واسعة في مجال تطوير الصواريخ الفرط صوتية، والتي يصعب تعقبها وإسقاطها.

بات تصاعد الصراعات بين القوى الكبرى واقعاً جديداً يفرض نفسه على النظام الدولي. وتمكنت روسيا والصين من إنتاج صواريخ فرط صوتية، ونشرها على منصات برية وبحرية وجوية، وذلك منذ العام 2018، في حين أن أول تجربة أمريكية ناجحة سجلت في منتصف 2022، وهو ما يعني أن واشنطن قد تخلفت عن كلا البلدين في إنتاج واستخدام هذه المنظومات في قواتها المسلحة. وظهر ذلك جلياً في الحرب الأوكرانية، فقد كانت أحد الردود العملية الروسية على التصعيد الأمريكي ضدها عبر مد أوكرانيا بمنظومات أسلحة متقدمة هو إقدام موسكو على استخدام صواريخ فرط صوتية في استهداف مواقع عسكرية في أوكرانيا، وذلك في مارس 2022.
وعلى الرغم من محاولة الولايات المتحدة التقليل من الأهمية العسكرية لذلك، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الضربات العسكرية الروسية، فقد جاءت بغرض تذكير الغرب أن روسيا باتت متفوقة عسكرياً على الغرب، وأنه يجب ألا يغفلوا ذلك في حساباتهم العسكرية، وأن أي محاولة لتصعيد الصراع في أوكرانيا لن يكون مفيداً، لأن موسكو في النهاية تمتلك اليد العليا، في صورة الصواريخ الفرط صوتية، والتي لم يكن الغرب يمتلكها بعد، كما أنه لا يمتلك نظم الدفاع الجوي التي يمكنها اعتراضها.


ومن جهة أخرى، باتت موسكو توظف النسخة البحرية من الصواريخ الفرط صوتية بصورة تحد من أهمية بعض المنظومات الأمريكية. على غرار حاملات الطائرات الأمريكية. فقد طورت موسكو صواريخ «تسيركون»، والتي يمكن إطلاقها من غواصة أو سفينة حربية. وتصل السرعة القصوى لـ «تسيركون» إلى 9 ماخ، وهو ما يزيد على 10 آلاف كلم في الساعة. ويكمن الغرض الرئيسي لصاروخ «تسيركون» في استهداف سفن الخصوم من فئات مختلفة من الفرقاطات إلى حاملات الطائرات. وليس هناك نظام دفاع جوي موجود حالياً قادر على اعتراض مثل هذه النوعية من الصواريخ، ليس فقط بسبب سرعته الكبيرة، ولكن كذلك بسبب قدرته على القيام بمناورة في الطبقات الكثيفة من الغلاف الجوي، ولذلك يمكن أن ينهي هذا النوع من الصواريخ الفرط صوتية «عصر حاملات الطائرات».
ومن جهة أخرى، باتت الصين توظف تكتيكات «منع الوصول والحرمان من الدخول» ضد الولايات المتحدة، وهو ما وضح في صراعهما الأخير حول تايوان، والذي نشب بسبب زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس الشيوخ الأمريكي، إلى تايوان، في 2 أغسطس 2022، وتأكيدها من هناك أن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن الجزيرة عسكرياً في مواجهة الصين.
واتجهت الصين للرد على ما اعتبرته «استفزازاً استراتيجياً أمريكياً»، وذلك بشكل عسكري، وذلك من خلال القيام بمناورات صينية حول تايوان في الفترة الممتدة من 4 أغسطس، وحتى 7 أغسطس، قبل أن تعلن في اليوم الأخير مد هذه المناورات دون تحديد سقف زمني لها. وكان أحد الأهداف الرئيسية لبكين هو فرض حصار بحري على الجزيرة من كافة الجوانب، بحراً وجواً، ومنع الولايات المتحدة من التدخل لدعم الجزيرة عسكرياً.
فقد قامت بحرية الجيش الصيني، بمناورات في ست مناطق حول تايوان، والتي هدفت إلى تطويق الجزيرة من أغلب الجهات، وإحكام السيطرة على أهم القنوات البحرية حول تايوان، فقد ركزت مناورات الصين في غرب الجزيرة على غلق مضيق تايوان من الجزء الشمالي منه. أما المناورات التي جرت في الجنوب الشرقي من تايوان، فقد هدفت إلى إغلاق مضيق باشي، وذلك لمنع دخول السفن والطائرات من الولايات المتحدة واليابان إلى تايوان من هذا الجانب. كما سعت بكين كذلك من هذه المناورات إلى تطويق القواعد العسكرية التايوانية الرئيسية على الجزيرة.
أما فيما يتعلق بواشنطن، فقد قامت الصين باستخدام صواريخ فرط صوتية من طراز «دي إف- 17» (DF-17)، والتي توصف بـ«قاتل حاملات الطائرات». وهذا الصاروخ البالستي مصمم خصيصاً لاختراق أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، ويصعب اعتراضه بسبب سرعته القصوى، ويمكنه ضرب أهداف في كوريا الجنوبية واليابان وروسيا، ويستهدف السفن الحربية، ويهدد القوات الأمريكية في غرب المحيط الهادئ.
وإذا كان من المسَلَّم به أن بكين لن تستخدم هذه الصواريخ في هجوم على اليابان أو الولايات المتحدة، إلا أنه في حالة اندلاع صراع حول تايوان، فإنها ستتمكن من إجبار السفن العسكرية وحاملات الطائرات الأمريكية الابتعاد عن تايوان، وعدم تقديم الدعم العسكري لها، وذلك حتى لا يتم استهدافها من جانب الصواريخ الفرط صوتية الصينية، وهو ما يعني في النهاية أن بكين نجحت في تطبيق تكتيكات «منع الدخول والحرمان من الوصول» حول تايوان، وهو ما يعني على الجانب الآخر كذلك، تقويض استراتيجية «سلسلة الجزر الأولى» الأمريكية، والرامية إلى تطويق الصين عسكرياً من خلال التواجد في الجزر الممتدة من اليابان، ومرواً بتايوان، وانتهاءً بالجزء الشمالي من الفلبين، إذ إنه يتوقع أن تقوم الصين بشكل دوري بمناورات حول الجزيرة، وذلك من فترة لأخرى، بعد انتهاء المناورات العسكرية الحالية.
ومن جهة ثانية، أجرت بكين مناورات بالصاروخ النووي من طراز «دي إف –41» البالستي القادر على حمل رؤوس نووية، والملقب بـ «رياح الشرق»، وهو صاروخ عابر للقارات، يتراوح مداه بين 12 و15 ألف كم، ويمكنه حمل 12 رأساً حربياً نووياً، وهي رسالة أخرى لواشنطن بأنه بكين بات لديها تفوق نسبي على الولايات المتحدة في مجال الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية.
ولاشك أن هذا الأمر ترك تداعيات سلبية على الجيش الأمريكي، فقد بات غير قادر على تهديد خصومه، أو التأكيد على أنه في أي مواجهات عسكرية، فإن لواشنطن اليد الطولى، كما كان عليه الحال خلال العقود السابقة، والتي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو ما كان له انعكاسات سلبية على وزن واشنطن دولياً. واتضح بشكل رئيسي في الأزمة الأخيرة حول تايوان، ففي حين أن اليابان وأستراليا دانتا المناورات الصينية حول تايوان، فإن كوريا الجنوبية امتنعت عن انتقاد الصين، وهو ما قد يكون مؤشراً على تراجع الثقة في السياسات الأمريكية تجاه الصين.
فقد استقبلت الصين وزير خارجية كوريا الجنوبية، بارك جين، في شاندونج في 9 أغسطس، والذي أبلغ نظيره الصيني وانغ يي أنه منفتح على تعزيز العلاقات بين البلدين، وذلك في الوقت الذي أعلنت فيه بكين أنها ستواصل تدريباتها العسكرية حول تايوان، كما أن رئيس كوريا الجنوبية رفض استقبال بيلوسي أثناء زيارتها إلى بلاده قادمة من تايوان، في 4 أغسطس، كما أن وزير خارجية كوريا الجنوبية كان خارج البلاد، وهو ما كان مؤشراً على أن سيؤول تنأى بنفسها عن الصراع بين واشنطن واليابان وأستراليا من جانب، والصين من جانب آخر، حول تايوان، وذلك على الرغم من كون سيول أحد حلفاء واشنطن في المنطقة.


مجاراة روسيا تقنياً
إذا كانت الولايات المتحدة قد تمكنت من إجراء أول تجربة ناجحة لصاروخ فرط صوتي في النصف الأول من عام 2022، بعد أول تجربة مماثلة لروسيا في 2018، فإن موسكو استمرت في الحفاظ على تفوقها الدفاعي على واشنطن في المنظومات الاستراتيجية، وذلك عبر إنتاج أول منظومة دفاع جوي قادرة على اعتراض الصواريخ الفرط صوتية، ممثلة في «إس 500» و«إس 550». ولذلك سعت الولايات المتحدة لتطوير نظم جديدة للدفاع الجوي ضد الصواريخ الفرط صوتية، واللحاق بروسيا في هذا المجال.
فقد أعلن جون هيل، مدير وكالة الدفاع الصاروخي، أن «البنتاجون» تخطط لإطلاق أقمار صناعية في عام 2023 لتتبع الصواريخ الباليستية والصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت. وقال هيل خلال جلسة استماع في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأمريكي: «سنطلق إلى الفضاء في مارس عام 2023 نماذج أولية لقمرين اصطناعيين».
ويتوقع أن يكون منتصف عام 2025 هو أقرب وقت يمكن أن تتمكن فيه الولايات المتحدة وضع مجموعة من 28 قمراً اصطناعياً لتتبع الصواريخ الفرط صوتية بالأشعة تحت الحمراء في المدار الأرضي المنخفض. وسوف تكون هذه المجموعة من الأقمار التابعة لوكالة تطوير الفضاء الأمريكية قادرة على تتبع الصواريخ الفرط صوتية القادرة على المناورة، وهو شيء لم يتم تصميم أنظمة أمريكية قادرة على القيام به في السابق.
وأكد ناثان جرينر، مدير «برنامج وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية» (داربا)،‏ وهي وكالة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، ومسؤولة عن تطوير التقنيات الناشئة للاستخدام العسكري، أن السرعة والارتفاع والتفاعلات النفاثة والديناميكيات الأخرى لضرب صاروخ فرط صوتي يعد أمراً جديداً، وأكد أنه ليس لدى الولايات المتحدة «بيانات كافية للمساعدة على فهم هذه الأشياء». وعلى عكس البيانات الضخمة المتوفرة حول تقنيات الطيران الحالية، فإنه لا يوجد أمر مماثل فيما يتعلق بطيران الأجسام الفرط صوتية، ولذلك أكد جرينر أنه «لا يوجد شيء تقريباً يمكننا أن نبني عليه فهمنا العلمي».
تم إطلاق المرحلة الأولى من «مدمر المركبات الفرط صوتية المنزلقة» (Glide Breaker) في عام 2018، والتي مُنحت لشركة «ايروجيت روكيتدين» و«نورثروب جرومان»، والتي ركزت على تطوير نظام للتحكم في الصاروخ المخصص لاعتراض وتدمير سلاح فرط صوتي شديد القدرة على المناورة أثناء سيره.
ونظراً لأن الولايات المتحدة طورت متأخراً الصواريخ الفرط صوتية، فإنها سوف تحتاج إلى وقت إضافي حتى تتمكن من تطوير النظم القادرة على اعتراضها. كما تريد «وكالة الدفاع الصاروخي» التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، بناء نظام دفاعي متعدد الطبقات يربط بين أجهزة الاستشعار الفضائية والرادار الأرضي وأنظمة الأسلحة العسكرية المختلفة معاً في شبكة واحدة من شأنها تحديد الأهداف التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وتتبعها ومحاولة اعتراضها وتدميرها. ولاشك أن هذا الأمر يفرض تحدياً كبيراً نظراً لأن الصواريخ الفرط صوتية تطير بسرعة عالية جداً، كما أنها قادرة على تغيير مسارها عدة مرات، وهو ما يجعل من الصعب اعتراضها.
ونظراً لهذه الخصائص الصعبة للصواريخ الفرط صوتية، فقد طلبت وكالة الدفاع الصاروخي تخصيص 225 مليون دولار فقط لتطوير برنامج دفاعي قادر على اعتراض الصواريخ الفرط صوتية، وذلك في ميزانيتها للسنة المالية 2023، والتي تبدأ في الأول من أكتوبر 2022. وتشارك شركتان حالياً في برنامج «مدمر المركبات الفرط صوتية المنزلقة»، وهما نورثروب جرومان وريثيون، إذ عهد إليهما إنتاج نموذج أولي قابل للتصنيع باستخدام التمويل الجديد، وذلك لتطوير أقمار اصطناعية تمتلك مجسات قادرة على تحديد الصواريخ الفرط صوتية منذ لحظة انطلاقها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن لوكهيد مارتن كانت مع الشركتين الأخيرتين في تطوير هذه النوعية من الأقمار الاصطناعية في عام 2021، غير أنه تم استبعادها هذا العام، وهو ما يكشف عن التحديات التقنية الهائلة التي تواجه إنتاج هذه النوعية من الأقمار الاصطناعية
ويمكن لأنظمة التحذير من الصواريخ التقليدية الموجودة في المدار المتزامن مع الأرض، مثل «برنامج الدعم الدفاعي» تحديد الاستعدادات لإطلاق الصاروخ الفرط صوتي، وفقاً لبعض المحللين العسكريين، غير أنه ليس من الواضح ما إذا كان بإمكانها تتبع توقيعاتها بالدقة اللازمة بصورة تدعم استهدافها بصاروخ اعتراضي أم لا.
وستقوم كوكبة من أقمار الاستشعار ذات مجال الرؤية الواسع بتتبع الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت بدقة كافية لدعم عمليات الاعتراض، وسيتم نشر هذه الأقمار في المدار الأرضي المنخفض، وستكون قادرة على رصد الصاروخ الفرط صوتي فور انطلاقه. ويعد هذا الأمر أول خطوة على طريق استهداف الصواريخ الفرط صوتي، ففي مارس 2018، قال اللفتنانت جنرال صموئيل جريفز، رئيس مركز أنظمة الفضاء والصواريخ في سلاح الجو الأمريكي، إن التحدي المركزي المتمثل في هزيمة الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت هو أنه: «إذا لم تتمكن من رؤيتها، فلا يمكنك إطلاق النار عليها».
ومن الواضح أن هذه الفكرة لاتزال في مراحلها الأولية، كما أنها تشكل جزءاً مهماً وأساسياً من بناء نظام لاعتراض الصواريخ الفرط صوتية، غير أن هذا النظام لا يتضمن بعد الصاروخ الاعتراضي الذي يمكنه من اعتراض الصاروخ الفرط صوتي بعد امتلاك القدرة على تحديد مساره بدقة.
وفي الختام، تشير التقديرات إلى أن أول نموذج مبدئي لإنتاج هذه الأقمار الاصطناعية القادرة على تتبع الصواريخ الفرط صوتية سوف تكون في العام 2023، وحينها سوف تكون هناك حاجة إلى تطوير صواريخ اعتراضية قادرة على اعتراض الصاروخ الفرط صوتي، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة لاتزال متخلفة عن روسيا في إنتاج هذه النوعية من المنظومات الاعتراضية، خاصة مع ادعاء الجيش الروسي أنه بات لديه منظومات تسليحية قادرة على هزيمة هذه النوعية من الصواريخ، على غرار «إس 500»، والتي بدأ في تصنيعها لتدخل الخدمة هذا العام في الجيش الروسي.

» د. شادي عبدالوهاب (باحث عسكري واستراتيجي)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض