يحيى التليدي
كاتب وباحث سياسي
Yahya Al Talidi
Writer and Political Researcher

حرب الرقائق الإلكترونية

الرقائق الإلكترونية أو أشباه الموصلات هي سلعة استراتيجية تدخل في صناعة كل شيء تقريباً، وتقف وراء كل منتج ذكي في العالم، بدءاً من الهواتف المتحركة، ومروراً بالسيارات، وصولاً إلى نظم التسلح الاستراتيجي، بما في ذلك الأسلحة النووية. وبالتالي فإن أي دولة تتطلع إلى لعب دور حاسم في المستقبل الرقمي للعالم، عليها أن تسيطر على جزء كبير من صناعة الرقائق العالمية التي باتت صناعة حاسمة في كل جوانب الوجود البشري.

“نحن من اخترعها وسنستردها”، بهذه العبارة قام الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال زيارته مصنعاً لأشباه الموصلات في كارولينا الشمالية، برسم معالم أحداث المرحلة المقبلة التي ستشهدها صناعة الرقائق الإلكترونية العالمية، فما قاله الرئيس الأمريكي منذ أيام قليلة، ليس مجرد تفصيل صغير، بل يدل على النظرة الأمريكية لمسار الأمور في هذه الصناعة خلال السنوات المقبلة.

ورغم أن الولايات المتحدة كانت نقطة انطلاق صناعة الرقائق الإلكترونية، فمنذ 30 عاماً كانت أمريكا تسيطر على صناعة أكثر من 37 %، فإن النسبة اليوم لا تتجاوز الـ 12 %. واليوم أكثر من 80 % من هذه الصناعة المهمة يوجد تحديداً في القارة الآسيوية، مع تركيز مهم جداً لصناعة الرقائق الإلكترونية المتقدمة بوجودها الاستراتيجي في تايوان، إذ تستحوذ شركة TSMC  التايوانية لوحدها على 65 % من سوق الرقائق الإلكترونية حول العالم.

اليوم، هناك حرب تكنولوجية يحركها سباق محموم للتربع على عرش صناعة الرقائق الإلكترونية بين بكين وواشنطن. يتمحور هذا الصراع بشكل كبير حول فكرة حرمان الخصم الاستراتيجي الفعلي أو المحتمل من أسباب التفوق التكنولوجي الذي بات العنصر الأهم في الحفاظ على التفوق والنفوذ والهيمنة. تكثِّف الولايات المتحدة جهودها ومساعيها لإعاقة تقدم الصين في صناعة الرقائق الإلكترونية التي تعتبر عنصراً مهماً في صناعتها ومحطة مهمة في المشروع الاقتصادي الذي تسعى الصين لتشييده بمبادرة “الحزام والطريق”. ويبدو جزء كبير من الصراع بين البلدين حول تايوان مرتبطاً بهذه الصناعة الاستراتيجية الحساسة، حيث يتعلق الأمر بالسيادة التقنية التي تبدو محور الصراع بين القوى الدولية الكبرى في الوقت الراهن.

صناعة الرقائق الإلكترونية ستكون موقعاً لمواجهات جيوسياسية في جيوب مختلفة، خصوصاً في فترة السنوات الخمس المقبلة. ويمكن القول إنه في حرب الرقائق الإلكترونية بين الولايات المتحدة والصين، تحاول الأولى الحفاظ على ريادتها التكنولوجية، وتكافح الثانية لتحقيق الاكتفاء الذاتي. وهذا الصراع يعدُّ اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن على الحفاظ على هيمنتها الدولية الآخذة في الانحسار، وقدرة بكين على مواصلة الصعود لقمة الاقتصاد العالمي وقطبية الهيكل الدولي.

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض