«الحرب المعرفية» وفريق وزارة الدفاع الفرنسية الأحمر

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

أعلنت‭ ‬وزيرة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬Florence Parly‭ ‬بمناسبة‭ ‬منتدى‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدفاع‭ ‬العسكري‭ (‬FID‭) ‬في‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬2021،‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬Myriade‭ (‬لا‭ ‬يعد‭ ‬ولا‭ ‬يحصى‭)‬،‭ ‬والذي‭ ‬سيقوده‭ ‬‮«‬الفريق‭ ‬الأحمر‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬مؤلفي‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬بجانب‭ ‬عسكريين‭ ‬وضعوا‭ ‬خيالهم‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬هيئة‭ ‬الأركان‭ ‬العامة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬لاستشراف‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الأساليب‭ ‬المتعددة‭ ‬للتلاعب‭ ‬بالرأي‭ ‬العام،‭ ‬وهكذا‭ ‬استشراف‭ ‬سيناريوهات‭ ‬التهديدات‭ ‬والحروب‭ ‬المستقبلية‭. ‬

وتعد‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬للجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬نحو‭ ‬الاستعداد‭ ‬لما‭ ‬بات‭ ‬يسمي‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬المعرفية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الشكل‭ ‬الرئيسي‭ ‬لحروب‭ ‬المستقبل‭ ‬بحسب‭ ‬الأدبيات‭ ‬الحديثة‭ ‬حول‭ ‬موضوع‭ ‬حروب‭ ‬المستقبل‭. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تعريف‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬أشكالها‭ ‬وأهدافها؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الفريق‭ ‬الأحمر»؟‭ ‬وممن‭ ‬يتكون؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬آليات‭ ‬عمله؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬النتائج‭ ‬المرجوة‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية؟‭ ‬تحاول‭ ‬الدراسة‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأسئلة‭.‬

الحرب‭ ‬المعرفية‭..‬أشكالها‭ ‬وأهدافها

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬ومدى‭ ‬انتشار‭ ‬المعلومات‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الابتكارات‭ ‬والتطورات‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬قد‭ ‬أثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬هائلاً‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬للعالم،‭ ‬وذلك‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬للحروب‭ ‬العسكرية‭ ‬بالمعني‭ ‬التقليدي‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تستخدم‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬الحكومية‭ ‬وغير‭ ‬الحكومية‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وعلم‭ ‬النَّفْس‭ ‬لشن‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يعرف‭ ‬بالحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬أو‭ ‬جهات‭ ‬أو‭ ‬مؤسسات‭ ‬تصنفها‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الأعداء‭ ‬أو‭ ‬المنافسين‭ ‬والذين‭ ‬لا‭ ‬يكونون‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأمر‭ ‬مستعدين‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬التكتيكات‭ ‬وحجمها‭.‬

لقد‭ ‬غيرت‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬مفهوم‭ ‬الصراع‭ ‬وأضحت‭ ‬الشكل‭ ‬الرئيسي‭ ‬لحروب‭ ‬وصراعات‭ ‬المستقبل،‭ ‬فمن‭ ‬خلالها‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬اليسير‭ ‬استهداف‭ ‬الثقة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬القوة‭ ‬الإستراتيجية‮»‬‭ ‬لدولة‭ ‬ما،‭ ‬وذلك‭ ‬باستخدام‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬وضمان‭ ‬تحقيق‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬المستهدفة‭. ‬فالحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬تسعي‭ ‬لخلق‭ ‬تناقضات‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬وبين‭ ‬الجماعات‭ ‬والفئات‭ ‬المكونة‭ ‬للمجتمع‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬باستغلال‭ ‬كل‭ ‬الوسائل،‭ ‬لإحداث‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الحبل‭ ‬السري‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ (‬بمعنى‭ ‬مستوى‭ ‬الثقة‭ ‬والانتماء‭ ‬بين‭ ‬أبنـاء‭ ‬المجتمـع‭ ‬وقـدرتهم‭ ‬عـلى‭ ‬العمل‭ ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬مشتركة‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬‮«‬بهدف‭ ‬هدم‭ ‬الدولة‭ ‬المعادية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬احتلال‭ ‬العقول‭ ‬لا‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬إضعاف‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير،‭ ‬ليتم‭ ‬فرض‭ ‬الإرادة‭ ‬الخارجية‭ ‬وإملاء‭ ‬الشروط‭ ‬عليها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تحققه‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية،‭ ‬ولكن‭ ‬بخسائر‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬استهداف‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بواسطة‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‮»‬‭. ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لتحول‭ ‬شكل‭ ‬الصراعات‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحروب‭ ‬المسلحة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حروب‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أذهان‭ ‬الجمهور‭ ‬المستهدف‮»‬‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تغذية‭ ‬كرهه‭ ‬للسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬الحاكمة،‭ ‬أو‭ ‬تخريب‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬أو‭ ‬إثارة‭ ‬الاضطرابات‭ ‬العرقية‭ ‬أو‭ ‬الإثنية‭ ‬أو‭ ‬الدينية،‭ ‬أو‭ ‬تحريض‭ ‬ودعم‭ ‬الحركات‭ ‬الانفصالية‭. ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالتحيزات‭ ‬المعرفية،‭ ‬وهي‭ ‬ظواهر‭ ‬نفسية‭ ‬تجنح‭ ‬لتغير‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تلتقطها‭ ‬الحواس‭ ‬وتشوه‭ ‬الواقع‭ ‬والتي‭ ‬يشرحها‭ ‬بالتفصيل‭ ‬Daniel Kahneman‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحليله‭ ‬لكيفية‭ ‬عمل‭ ‬العقل‭ ‬عند‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬مقسماً‭ ‬التفكير‭ ‬البشري‭ ‬إلى‭ ‬نوعين‭: ‬سريع‭ (‬النظام‭ ‬1‭)‬‭ ‬والذي‭ ‬من‭ ‬خلاله،‭ ‬يتم‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬تلقائياً‭ ‬دون‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬والتمعن‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬جهداً‭ ‬ذهنياً‭ ‬ويخلق‭ ‬المشاعر‭ ‬الخاطئة،‭ ‬والتفكير‭ ‬البطيء‭ (‬النظام‭ ‬2‭)‬‭ ‬وهو‭ ‬تفكير‭ ‬مدروس‭ ‬وعقلاني،‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬الأنشطة‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجهد،‭ ‬ويتم‭ ‬تنشيطه‭ ‬وتنميته‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأنشطة‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬مجهوداً‭ ‬عقلياً‭. ‬ووفقاً‭ ‬لـ‭ ‬Daniel Kahneman،‭ ‬فالنمط‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسود‭ ‬العالم،‭ ‬فمعظم‭ ‬البشر‭ ‬جُبِلوا‭ ‬على‭ ‬ارتكاب‭ ‬أخطاء‭ ‬بسبب‭ ‬التحيزات‭ ‬المعرفية‭ ‬وأبرزها‭: ‬تأثير‭ ‬الهالة‭ (‬تعميم‭ ‬خاطئ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تصورات‭ ‬زائفة‭)‬،‭ ‬الاستدلال‭ ‬الاحتمالي‭ (‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬إعطاء‭ ‬قيمة‭ ‬أكبر‭ ‬للمعلومات‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬معروفة‭ ‬أو‭ ‬المشحونة‭ ‬عاطفياً‭)‬،‭ ‬تحيز‭ ‬الإدراك‭ ‬المتأخر‭ (‬الانجراف‭ ‬للنتائج‭ ‬النهائية‭ ‬للموقف‭)‬،‭ ‬تأثير‭ ‬المرساة‭ (‬التمسك‭ ‬بالمعلومات‭ ‬المعروفة‭ ‬واتخاذها‭ ‬كمرجع،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لديها‭ ‬أي‭ ‬منطق‭)‬،‭ ‬تأثير‭ ‬السحب‭ ‬أو‭ ‬تأثير‭ ‬القطيع‭ (‬انجراف‭ ‬الناس‭ ‬برأي‭ ‬أو‭ ‬حكم‭ ‬سائد‭)‬،‭ ‬التحيز‭ ‬التأكيدي‭ ‬أو‭ ‬الانتقائي‭ (‬البحث‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬معتقدات‭ ‬المرء‭ ‬ورفض‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يعارض‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬منطقية‭)‬،‭ ‬الثقة‭ ‬الزائدة‭ (‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬رأيك‭ ‬وحدسك‭ ‬فقط‭ ‬وإهمال‭ ‬التعلم‭ ‬المستمر‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭)‬،‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬الخسارة‭ (‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭ ‬يمليه‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الخسارة،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬المخاطرة‭ ‬لتجنب‭ ‬الخسارة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬جني‭ ‬الأرباح‭. ‬ألم‭ ‬الخسارة‭ ‬أكبر‭ ‬بمرتين‭ ‬من‭ ‬متعة‭ ‬الفوز‭). ‬وأكد‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬جيرالد‭ ‬برونر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬Apocalypse cognitive‭) ‬نهاية‭ ‬العالم‭ ‬المعرفي‭ ‬تلك‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬جُبِلَ‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬على‭ ‬ارتكابها‭ ‬بسبب‭ ‬التحيزات‭ ‬المعرفية‭.‬

وإذا‭ ‬أضفنا‭ ‬لتلك‭ ‬الفخاخ‭ ‬المعرفية‭ ‬قانون‭ ‬براندوليني‭ ‬Brandolini’s law‭ ‬الذي‭ ‬بموجبه‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬كمية‭ ‬الطاقة‭ ‬اللازمة‭ ‬لدحض‭ ‬الهراء‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المطلوبة‭ ‬لإنتاجه‮»‬،‭ ‬فالهراء‭ ‬يصبح‭ ‬له‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المعرفي‭ ‬على‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لأن‭ ‬استعادة‭ ‬الحقيقة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬تكلفة‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الهراء‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬استشرفه،‭ ‬بشكل‭ ‬آخر‭ ‬Alexis de‭ ‬Toqueville‭ (‬المؤرخ‭ ‬والمنظر‭ ‬السياسي‭ ‬الفرنسي‭ ‬الشهير‭ ‬وصاحب‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬في‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الأمريكية‮»‬‭) ‬وبات‭ ‬مؤكداً‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الفكرة‭ ‬الخاطئة‭ ‬ولكن‭ ‬الواضحة‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬دائماً‭ ‬قوة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬حقيقية‭ ‬ولكنها‭ ‬معقدة‮»‬،‭ ‬والحقيقة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬معقدة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المعلومات‭ ‬المضللة،‭ ‬تنتشر‭ ‬‮«‬أسرع‭ ‬وأعمق‭ ‬وأوسع‮»‬‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬الحقيقية،‭ ‬فيقول‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬جيرالد‭ ‬برونر‭ ‬الذي‭ ‬عينه‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬ماكرون‭ ‬رئيساً‭ ‬للجنة‭ ‬مكافحة‭ ‬التضليل‭ ‬المعلوماتي،‭ ‬إن‭ ‬المعلومات‭ ‬الخاطئة‭ ‬أسرع‭ ‬بست‭ ‬مرات‭ ‬وتتم‭ ‬مشاركتها‭ ‬وإعادة‭ ‬مشاركتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تخصّص‭ ‬هيئة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬الإجماع‭ ‬العلمي،‭ ‬وإن‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬كلمة‭ ‬بروفسور‭ ‬جامعي‭ ‬وناشط‭ ‬سياسي‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭.‬

وما‭ ‬يزيد‭ ‬الأمر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬أن‭ ‬الانطباع‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬تولده‭ ‬المعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬لا‭ ‬يتلاشى‭ ‬بسرعة‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬يعلم‭ ‬الشخص‭ ‬أنها‭ ‬خاطئة‭ ‬بالفعل‭. ‬وهكذا‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬العوالم‭ ‬الافتراضية‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬‮«‬الترهات‭ ‬كحقائق‭ ‬بديلة‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬تمحو‭ ‬‮«‬الحياة‭ ‬الواقعية‭ ‬الحقيقة‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬تعتمد‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬متعدد‭ ‬التخصصات‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬وبالتالي‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بشكل‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬استقرار‭ ‬الخصم‭ ‬أو‭ ‬شله‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬تهدف‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬إلى‭ ‬اختراق‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬‮«‬لكسب‭ ‬الحرب‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬رئيس‭ ‬أركان‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬الجنرال‭ ‬Thierry Burkhard‭. ‬‮«‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬أصبح‭ ‬ساحة‭ ‬معركة‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬جيمس‭ ‬جيوردانو،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬بجديد‭ ‬على‭ ‬الديالكتيك‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لأن‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬عنصر‭ ‬الهيكلة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المجال‭. ‬ومن‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬هي،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬‮«‬علم‭ ‬الآخر‮»‬،‭ ‬بهدف‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬عقل‭ ‬الخصم‭ ‬وحتى‭ ‬التلاعب‭ ‬به‭. ‬فلطالما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مهماً‭ ‬لكسب‭ ‬المعارك‭ ‬والحروب،‭ ‬كما‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬مثال‭ ‬نجاح‭ ‬المستشار‭ ‬الألماني‭ ‬بسمارك‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬نابليون‭ ‬الثالث‭ ‬بخوض‭ ‬حرب‭ ‬غير‭ ‬حكيمة‭ ‬وهي‭ ‬الحرب‭ ‬الفرنسية‭ ‬البروسية،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الفرنسية‭ ‬الثانية‭.‬

الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬إذاً‭ ‬هي‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬تضليل‭ ‬معرفية‭ ‬ونفسية‮»‬‭ ‬للتوجيه‭ ‬والحشد‭ ‬العام‭. ‬لتصنيع‭ ‬تصدعات‭ ‬في‭ ‬الانسجام‭ ‬المجتمعي‭ ‬وللإضرار‭ ‬بالثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نشر‭ ‬معلومات‭ ‬مغرضة‭ ‬وأخبار‭ ‬مزيفة‭ ‬وتضخيمها‭ ‬عن‭ ‬قصد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومنصات‭ ‬الإنترنت‭ ‬والتسريبات‭ ‬ومقاطع‭ ‬الفيديو،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الصور‭ ‬المقتطعة‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬سياقها‭ ‬والرسوم‭ ‬الكاريكاتورية‭ ‬بغرض‭ ‬اكتساب‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬على‭ ‬الخصم‭. ‬وذلك‭ ‬بالتأثير‭ ‬وربما‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬أفكار‭ ‬وتصورات‭ ‬وبالتالي‭ ‬في‭ ‬أفعال‭ ‬شريحة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬مكوناته‭.‬

وفي‭ ‬النهاية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية،‭ ‬بمعني‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬لدى‭ ‬الخصم،‭ ‬وإرباكه،‭ ‬وشل‭ ‬حركته‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الفوز‭ ‬عليه،‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬ثورة‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الحروب‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬شراب‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬زجاجات‭ ‬جديدة،‭ ‬فهي‭ ‬تتميز‭ ‬أولاً‭ ‬بكونها‭ ‬تركز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬العقل‭ ‬البشري،‭ ‬وثانياً‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬حرب‭ ‬المعلومات‭ ‬والعمليات‭ ‬السيبرانية‭ ‬الهجومية‭ ‬والعمليات‭ ‬النفسية‭ ‬لترهيب‭ ‬الخصم‭ ‬والتأثير‭ ‬والتلاعب‭ ‬به‭ ‬لإكراهه‭ ‬لإرادة‭ ‬من‭ ‬يستخدمها‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬قبل‭ ‬الحرب‮»‬‭. ‬ولذا‭ ‬يتوجب‭ ‬فقط‭ ‬دمجها‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬البرية‭ ‬والبحرية‭ ‬والجوية‭ ‬والفضائية‭ ‬والإلكترونية‭ ‬للجيوش‭. ‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬حديثاً‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬نظراً‭ ‬لإدراكه‭ ‬الحديث‭: ‬

1‭ ‬- أن‭ ‬محاولات‭ ‬الخصم‭ ‬التلاعب‭ ‬بالسلوك‭ ‬البشري‭ ‬ستشكل‭ ‬تحدياً‭ ‬مستمراً‭ ‬لدفاع‭ ‬وأمن‭ ‬دول‭ ‬الحلفاء،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭ ‬الناشئ،‭ ‬وهو‭ ‬الشكل‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭. ‬فالحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬ما‭ ‬يفكر‭ ‬فيه‭ ‬الناس،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تصرفهم‭.‬

2- أن‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬تتطلب‭ ‬تكامل‭ ‬علم‭ ‬التحكم‭ ‬الآلي‭ ‬والمعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬وقدرات‭ ‬الهندسة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬كبيراً‭ ‬أمام‭ ‬بيئة‭ ‬تشغيل‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬التقليدية‭ ‬وقدرتهم‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬الهجمات‭ ‬ضد‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬لبلدانهم‭ ‬أو‭ ‬مؤسساتهم‭ ‬وكيفية‭ ‬مواجهتها‭.‬

3- أن‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬والمجال‭ ‬المتنازع‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬هي‭ ‬العقل‭ ‬البشري،‭ ‬فهدف‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬زرع‭ ‬التنافر‭ ‬وإثارة‭ ‬الروايات‭ ‬المتناقضة‭ ‬واستقطاب‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬وتطرف‭ ‬الجماعات‭ ‬وجعل‭ ‬الناس‭ ‬يتصرفون‭ ‬بطرق‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعطل‭ ‬أو‭ ‬تفكك‭ ‬مجتمعاً‭ ‬متماسكاً،‭ ‬وذلك‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬وتغيير‭ ‬السياسات‭ ‬ورؤى‭ ‬العالم،‭ ‬والتسبب‭ ‬في‭ ‬انعدام‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الحلفاء‭.‬

لمواجهة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أطلق‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬نداءً‭ ‬للمفكرين‭ ‬غير‭ ‬التقليديين‭ ‬والمبتكرين‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬أو‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الأكاديمية‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الناتو‭ ‬للتفكير‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬لتأمين‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬للدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬من‭ ‬الهجوم‭ ‬والتعدي‭ ‬عليه،‭ ‬وللبحث‭ ‬عن‭ ‬تقنيات‭ ‬وتدابير‭ ‬جديدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تشن‭ ‬على‭ ‬عقل‭ ‬مواطني‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭.‬

نظراً‭ ‬لخطورة‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬الآن‭ ‬استهداف‭ ‬جماهير‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭ ‬لخلق‭ ‬تأثيرات‭ ‬استراتيجية‭ ‬على‭ ‬الخصم،‭ ‬لم‭ ‬تتأخر‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬عن‭ ‬ركب‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬فأطلقت‭ ‬وكالة‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬مؤخراً‭ ‬مشروعاً‭ ‬يسمى‭ ‬MYRIADE‭ ‬وذلك‭ ‬لاستكشاف‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬وبذل‭ ‬الجهود‭ ‬اللازمة‭ ‬لتأمين‭ ‬‮«‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الفرنسي‮»‬‭ ‬وتحقيق‭ ‬مستوى‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬المعرفي‭ ‬الجماعي‮»‬‭ (‬بمعني‭ ‬تأهيل‭ ‬سكان‭ ‬متعلمين‭ ‬ومستعدين‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل،‭ ‬وقادرين‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬السرديات‭ ‬المُسلَّحة‮»‬‭ ‬و«الهجمات‭ ‬المعرفية‮»‬‭). ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬العسكري،‭ ‬يستهدف‭ ‬المشروع‭ ‬‮«‬كسب‭ ‬الحرب‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بأن‭ ‬تصبح‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الفرنسية‭ ‬أكثر‭ ‬تأهيلاً‭ ‬لصد‭ ‬العدوان‭ ‬المعرفي‭ ‬وأكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لاستهداف‭ ‬عقل‭ ‬الخصم‭ ‬بدورها‭. ‬وبشكل‭ ‬أكثر‭ ‬تحديداً،‭ ‬يسعي‭ ‬المشروع‭ ‬لتكييف‭ ‬القيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬مع‭ ‬البعد‭ ‬المعرفي‭ ‬للحرب‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬والجمع‭ ‬بشكل‭ ‬متناغم‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬والتقنيات‭ ‬الرقمية‭ ‬لتكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المفاجأة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُفاجأ‭. ‬في‭ ‬السطور‭ ‬القادمة‭ ‬سنحاول‭ ‬سبر‭ ‬غور‭ ‬ذلك‭ ‬مشروع‭ ‬MYRIADE‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬‮«‬الفريق‭ ‬الأحمر‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬قلب‭ ‬وعقل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬وذلك‭ ‬بالكشف‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬العاملين‭ ‬به‭ ‬وبعض‭ ‬آليات‭ ‬عمله‭ ‬والمنتظر‭ ‬تحقيقه‭ ‬منه‭. ‬

‮«‬الفريق‭ ‬الأحمر‮»‬‭..‬مكوناته‭ ‬وآليات‭ ‬عمله‭ ‬والنتائج‭ ‬المرجوة‭ ‬منه

يدرك‭ ‬الفرنسيون‭ ‬أنهم‭ ‬متأخرون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬بالمقارنة‭ ‬بالصينيين‭ ‬الذين‭ ‬أدركوا‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الإدراكية‭ ‬هي‭ ‬‮«‬المضمار‭ ‬النهائي‭ ‬للمواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬وبالمقارنة‭ ‬بالروس‭ ‬الذي‭ ‬صك‭ ‬جنرالهم‭ ‬ورئيس‭ ‬أركان‭ ‬جيشهم‭ ‬Valery Gerasimov‭ ‬مصطلح‭ ‬New Generation Warfare‭ ‬والذي‭ ‬يؤكد‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬حالياً‭ ‬هي‭ ‬مناطق‭ ‬رمادية‭ ‬تطمس‭ ‬فيها‭ ‬الخطوط‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬حالة‭ ‬السلم‭ ‬وحالة‭ ‬الحرب،‭ ‬وبين‭ ‬التحالف‭ ‬والعداء،‭ ‬وبين‭ ‬التعاون‭ ‬والتنافس،‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الثنائيات‭ ‬غير‭ ‬مميزة‭ ‬بعضها‭ ‬عن‭ ‬بعض‭. ‬فمن‭ ‬الآن‭ ‬فصاعداً،‭ ‬أصبح‭ ‬Day Zero‭ ‬هو‭ ‬صباح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جديد،‭ ‬فيما‭ ‬بات‭ ‬يُعرف‭ ‬بعقيدة‭ ‬جيراسيموف‭ ‬The Gerasimov doctrine،‭ ‬والتي‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭ ‬وغير‭ ‬العسكرية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يشن‭ ‬بها‭ ‬الحروب‭ ‬الراهنة،‭ ‬أبرزها‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الحرب‭ ‬‮«‬قبل‭ ‬الحرب‮»‬‭. ‬كما‭ ‬تقوم‭ ‬تلك‭ ‬العقيدة‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬قواعد‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تغيرت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬وأنه‭ ‬قد‭ ‬تنامى‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬دور‭ ‬الوسائل‭ ‬غير‭ ‬العسكرية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬السياسية‭ ‬والاستراتيجية،‭ ‬وأنه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬قد‭ ‬تجاوزت‭ ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬قوة‭ ‬الأسلحة‭ ‬التقليدية‭ ‬للجيوش‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬فعاليتها،‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬إعلان‭ ‬للحروب،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الحروب‭ ‬تبدأ‭ ‬وتستمر‭ ‬وتنتهي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬بها‭ ‬العامة،‭ ‬وذلك‭ ‬لأنها‭ ‬تدور‭ ‬وفقاً‭ ‬لنهج‭ ‬وقوالب‭ ‬غير‭ ‬مألوفة،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬فيما‭ ‬سمي‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي‭.‬

وفي‭ ‬يناير‭ ‬2021،‭ ‬اعتبرت‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بيان‭ ‬تحديثها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬أن‭ ‬التلاعب‭ ‬بالمعلومات‭ ‬بات‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬ينفذها‭ ‬خصوم‭ ‬فرنسا،‭ ‬وذلك‭ ‬بغرض‭ ‬إرباكها‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬قرارتها‭ ‬أو‭ ‬شل‭ ‬حركتها‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬أكدت‭ ‬وزيرة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬Florence Parly،‭ ‬في‭ ‬20‭ ‬أكتوبر‭ ‬2021‭ ‬أثناء‭ ‬عقد‭ ‬منتدى‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدفاع‭ ‬العسكري‭ (‬FID‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬تعرض‭ ‬العقيدة‭ ‬العسكرية‭ ‬الجديدة‭ ‬للجيش‭ ‬الفرنسي،‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬أو‭ ‬المعلومة‭ ‬الكاذبة‭ ‬أو‭ ‬المتلاعب‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬المضللة‭ ‬هي‭ ‬سلاح،‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬استخدامه‭ ‬بحكمة،‭ ‬يسمح‭ ‬للمنافسين‭ ‬والأعداء‭ ‬بالفوز‭ ‬دون‭ ‬قتال،‭ ‬إنها‭ ‬‮«‬شكل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التهديد‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬قدرات‭ ‬التلاعب‭ ‬بالمعلومات‭ ‬والتضليل،‭ ‬وعلم‭ ‬التحكم‭ ‬الآلي‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬والهندسة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتكنولوجيات‭ ‬الحيوية‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيصها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الحرب‭: ‬‮«‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬لكي‭ ‬يهاجم‭ ‬نفسه‭. ‬وبالتالي،‭ ‬أصبح‭ ‬مكافحة‭ ‬المعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬والسرديات‭ ‬المؤججة‭ ‬للتوترات‭ ‬والكراهية‭ ‬والاعتداءات‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تضخمت‭ ‬بفعل‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬للجيوش‭ ‬نظراً‭ ‬لأن‭ ‬تلك‭ ‬المعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬باتت‭ ‬تحسم‭ ‬المواجهات‭ ‬والمنافسات‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تستهدف‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬تشكيل‭ ‬الفريق‭ ‬الأحمر‭ ‬وضع‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬العسكري،‭ ‬وهو‭ ‬فريق‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬كُتّاب‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬الفرنسي‭ ‬المرموقين،‭ ‬ويخضع‭ ‬لإشراف‭ ‬وكالة‭ ‬الابتكار‭ ‬الدفاعي‭ (‬AID‭) ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬هيئة‭ ‬الأركان‭ ‬العامة‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ (‬EMA‭) ‬والمديرية‭ ‬العامة‭ ‬للتسليح‭ (‬DGA‭) ‬والمديرية‭ ‬العامة‭ ‬للعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والاستراتيجية‭ (‬DGRIS‭) ‬ويتعاون‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الفرنسية‭ ‬الحديثة‭. ‬والغرض‭ ‬من‭ ‬تكوينه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬لوزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬رؤي‭ ‬استشرافية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توقع‭ ‬المخاطر‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تولد‭ ‬صراعات‭ ‬محتملة‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2030‭-‬2060‭ ‬وأن‭ ‬يبتكر‭ ‬وسائل‭ ‬مجابهتها‭.‬

يضع‭ ‬الفريق‭ ‬الأحمر‭ ‬إذاً‭ ‬خياله‭ (‬القابل‭ ‬للتصديق‭ ‬والمتجذر‭ ‬في‭ ‬الواقع‭) ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬وزارة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وذلك‭ ‬بعرض‭ ‬سيناريوهاته‭ ‬المستقبلية‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬المجالات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يغير‭ ‬في‭ ‬القريب‭ ‬العاجل‭ ‬في‭ ‬اليقينيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والتكتيكية‭ ‬الحالية‭ ‬للجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬والهيئات‭ ‬التابعة‭ ‬له،‭ ‬وذلك‭ ‬بدمج‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬بقدرات‭ ‬الهندسة‭ ‬السيبرانية‭ ‬والمعلوماتية‭ ‬والنفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الدولة‭ ‬الفرنسية‭. ‬

من‭ ‬بين‭ ‬مؤلفي‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬الفرنسي‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬اختيارهم‭ ‬Laurent Genefort،‭ ‬الذي‭ ‬ألف‭ ‬حوالي‭ ‬50‭ ‬رواية‭ ‬والفائز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬بجائزة‭ ‬Grand‭ ‬Prix de l’Imaginaire‭ ‬للخيال‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭. ‬وبهذه‭ ‬المناسبة‭ ‬صرح‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬فتحت‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬أبوابها‭ ‬أمامي‭ ‬على‭ ‬مصراعيها،‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬ممتعاً‭ ‬للغاية‭! ‬‮«‬إنه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التدريب‭ ‬الهجين‭ ‬بين‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬والاستشراف‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭.‬

يتلخص‭ ‬إذاً‭ ‬عمل‭ ‬الفريق‭ ‬الأحمر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬بين‭ ‬الخيالي‭ ‬والحقيقي،‭ ‬يقول‭ ‬Emmanuel Chiva‭ ‬أحد‭ ‬قيادات‭ ‬وكالة‭ ‬الابتكار‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬والمشرف‭ ‬على‭ ‬الفريق‭ ‬الأحمر،‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬راضٍ‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬النتيجة‮»‬‭ ‬وعن‭ ‬التكامل‭ ‬الحاصل‭ ‬بين‭ ‬ضباط‭ ‬الجيش‭ ‬ومؤلفي‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬وخبراء‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬‮«‬إن‭ ‬دور‭ ‬الفريق‭ ‬الأحمر‭ ‬هو‭ ‬منع‭ ‬العسكريين‭ ‬من‭ ‬النوم‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬Chiva‭… ‬و«سننجح‭ ‬في‭ ‬مهمتنا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬الجيش‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬إجابات‭ ‬للتهديدات‭ ‬المستقبلية‮»‬‭.‬

باختصار‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬تسعى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشروع‭ ‬Myriade‭ ‬أولاً‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬التالية‭: ‬لماذا‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية؟‭ ‬كيف‭ ‬تستخدم‭ ‬الدول‭ ‬المعادية‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬تراكمية؟‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الإستراتيجيات‭ ‬والتكتيكات‭ ‬لمواجهة‭ ‬تلك‭ ‬الحروب؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وتكتيكات‭ ‬شنها؟‭ ‬وثانياً‭ ‬إعداد‭ ‬وتكوين‭ ‬قيادة‭ ‬عسكرية‭ ‬متكيفة‭ ‬مع‭ ‬البعد‭ ‬المعرفي‭ ‬للصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الصراعات‭ ‬والمعارف‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬متكاملة‭. ‬

يتعلق‭ ‬المحور‭ ‬الأول‭ ‬بضرورة‭ ‬الاحتراز‭ ‬من‭ ‬الاختلالات‭ ‬المعرفية‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭. ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬معرفة‭ ‬وتحديد‭ ‬التحيزات‭ ‬المعرفية‭ ‬الحالية‭ ‬والمستقبلية‭ ‬لوضع‭ ‬خطة‭ ‬لمجابهتها،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬برامج‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬وتمارين‭ ‬المحاكاة‭ ‬الدورية‭ ‬الضرورية‭ ‬للتحوط‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬الأخطاء‭ ‬المعرفية‮»‬‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية،‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬المؤدي‭ ‬للتنافر‭ ‬المعرفي‭ ‬و»الحمل‭ ‬الزائد‭ ‬للمعلومات‮»‬‭ ‬والعثور‭ ‬على‭ ‬التحيزات‭ ‬في‭ ‬الخوارزميات‭ ‬أو‭ ‬قواعد‭ ‬البيانات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الاستشراف،‭ ‬التكامل‭ ‬المتوازن‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوضوح‭ ‬وسط‭ ‬تعقيد‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬Bruno Patino،‭ ‬يجب‭ ‬عدم‭ ‬إطفاء‭ ‬الأضواء‭ ‬الفلسفية‭ ‬لصالح‭ ‬الإشارات‭ ‬الرقمية‭.‬

يتعلق‭ ‬المحور‭ ‬الثاني‭ ‬بالدفاع‭ ‬ضد‭ ‬العدوان‭ ‬المعلوماتي‭ ‬الدائم‭ ‬والاستغلال‭ ‬الانتهازي‭ ‬للتحيزات‭ ‬المعرفية‭ ‬للفرنسيين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الخصوم،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يقيد‭ ‬أو‭ ‬يشوه‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬الفرنسي‭ ‬أو‭ ‬يشله‭ ‬تماماً‭. ‬لقد‭ ‬أدرك‭ ‬منافسونا‭ ‬الرئيسيون‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬جيوشنا‭. ‬خلال‭ ‬جلسة‭ ‬الاستماع‭ ‬أمام‭ ‬الكونغرس‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2021،‭ ‬سلط‭ ‬الباحث‭ ‬الأمريكي‭ ‬هربرت‭ ‬لين‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أبرز‭ ‬تلك‭ ‬التحديات‭ ‬وهي‭: ‬العقلانية‭ ‬المحدودة‭ ‬للفاعلين‭ ‬و«السوق‭ ‬الحر‭ ‬للأفكار‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستغله‭ ‬منافسونا‭ ‬لمصلحتهم‭ ‬باستغلال‭ ‬المسامية‭ ‬بين‭ ‬حدود‭ ‬المعلومات‭ ‬المؤسسية‭ ‬والأجنبية‭ ‬لنشر‭ ‬الروايات‭ ‬الخبيثة‭ ‬عمداً‭. ‬مجابهة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬هي‭ ‬مهمة‭ ‬المجتمع‭ ‬والجيش‭ ‬معاً‭. ‬لذلك،‭ ‬تتطلب‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬نهجاً‭ ‬متعدد‭ ‬المجالات‭ ‬والتخصصات‭ ‬ويشمل‭ ‬الحكومة‭ ‬بأكملها،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬تكاملاً‭ ‬أفضل‭ ‬بين‭ ‬المجالات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والمعلوماتية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أصول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وهي‭ ‬المعلومات‭. ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العسكري‭ ‬البحت،‭ ‬تسعي‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬هياكل‭ ‬القيادة‭ ‬والتحكم‭ ‬لديها‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬مع‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الأتمتة‭ ‬والتنافر‭ ‬المعرفي‭ ‬و«الحمل‭ ‬الزائد‭ ‬للمعلومات‭ ‬أو‭ ‬فرط‭ ‬توفرها‮»‬‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭. ‬تشكل‭ ‬الحرب‭ ‬الهجومية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭ ‬للجهد‭ ‬المنتظر‭ ‬من‭ ‬تعاون‭ ‬الفريق‭ ‬الأحمر‭ ‬مع‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الفرنسية،‭ ‬فالحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المفاجأة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تغييب‭ ‬إدراك‭ ‬الخصم‭ ‬عما‭ ‬يخطط‭ ‬له،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬هياكل‭ ‬القيادة‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬لتعزيز‭ ‬تكامل‭ ‬أفضل‭ ‬لتأثيرات‭ ‬ما‭ ‬سيتفق‭ ‬عليه‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الفريق‭ ‬الأحمر‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭. ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬سباقة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬فريق‭ ‬عمل‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭ ‬والتخصصات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهي‭ ‬كتيبة‭ ‬I2CEWS،‭ ‬حيث‭ ‬تشمل‭ (‬الاستخبارات‭ ‬والمعلومات‭ ‬والسيبرانية‭ ‬والحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والفضاء‭) ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬كتيبة‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭… ‬إلخ‭.‬

الخاتمة

في‭ ‬طور‭ ‬تحول‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تنتهج‭ ‬القوى‭ ‬الصاعدة‭ ‬استراتيجيات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أو‭ ‬الإدراكية‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬بداية‭ ‬لعصر‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬والمنافسات،‭ ‬فكما‭ ‬يؤكد‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬يرى‭ ‬مجلس‭ ‬المخابرات‭ ‬الوطني‭ ‬الأمريكي‭ ‬العالم‭ ‬عام‭ ‬2040‮»‬،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬‮«‬سيتزايد‭ ‬التشرذم‭ ‬والتنافس‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬حول‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬والسياسية‭. ‬أما‭ ‬التغيرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬السريعة‭ ‬فستجعل‭ ‬قطاعات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬تعادي‭ ‬المؤسسات‭ ‬والحكومات‭ ‬التي‭ ‬سيرونها‭ ‬غير‭ ‬راغبة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجاتهم‭. ‬وسينجذب‭ ‬الناس‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬إلى‭ ‬المجموعات‭ ‬والتنظيمات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المألوفة‭ ‬لهم‭ ‬ومتشابهة‭ ‬التفكير‭ ‬مع‭ ‬أفكارهم‭ ‬التقليدية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الهويات‭ ‬العرقية‭ ‬والدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬وكذلك‭ ‬تجمعات‭ ‬المصالح‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬محددة،‭ ‬مثل‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‮»‬‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تنامي‭ ‬ولاءات‭ ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬وبيئة‭ ‬المعلومات‭ ‬المنعزلة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬التصدعات‭ ‬داخل‭ ‬الدول،‭ ‬ويقوض‭ ‬القومية‭ ‬المدنية،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬التقلبات‮»‬‭. ‬لا‭ ‬بد‭ ‬إذاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬من‭ ‬تحور‭ ‬دور‭ ‬الجيوش‭ ‬أمام‭ ‬تلك‭ ‬المخاطر‭ ‬والتحديات،‭ ‬وذلك‭ ‬بإدماج‭ ‬مواجهة‭ ‬الحروب‭ ‬المعرفية‭ ‬والإدراكية‭ ‬التي‭ ‬تشن‭ ‬ضدهم‭ ‬ممن‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتهم‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬القتلة‭ ‬الفكريون‭ ‬أو‭ ‬المعرفيون‮»‬‭ ‬epistemological hitmen‭ ‬أو‭ ‬intellctual hitmen‭ ‬الذين‭ ‬يستهدفون‭ ‬الاغتيال‭ ‬المعرفي‭ ‬للأمم‭.‬

وعلى‭ ‬الجيوش‭ ‬أيضاً‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الحماية‭ ‬والذود‭ ‬عن‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ينطوي‭ ‬بامتياز‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬حماية‭ ‬الحدود،‭ ‬مَن‭ ‬يعتدي‭ ‬عليه‭ ‬كالذي‭ ‬يعتدي‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬للدول‭. ‬

‮»‬‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح
(باحث‭ ‬رئيسي‭ ‬ورئيس‭ ‬وحدة‭ ‬متابعة‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بتريندز‭ ‬للبحوث‭(

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض