الموضوع الديني 605

معركة بلاط الشهداء

شهد التاريخ عدة غزوات وحروب، كانت نتائجها حاسمة في تغيير مجراه، وسنتناول على صفحات «الجندي» بعضاً من هذه المعارك الفاصلة.

وقعت معركة بلاط الشهداء أول شهر رمضان عام 114 هجرية، بين جيش الأندلس الإسلامي والجيش الأوروبي، وكان المسلمون آنذاك قد بلغوا أكثر المواقع توغلاً في الأراضي الأوروبية، وبمقربة من العاصمة الفرنسية باريس، في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وانتهت المعركة بفوز الأوروبيين.

وكان قائد المسلمين في المعركة التابعي ووالي الأندلس عبد الرحمن الغافقي، الذي خرج مع أضخم جيش يخرج تحت لواء الإسلام متجهاً لفتح فرنسا منذ فتح الأندلس، مما سبب توتراً في القارة الأوروبية التي انتفضت بعد أن أخضع المسلمون نصف فرنسا الجنوبي لسيطرتهم خلال بضعة أشهر.

نادى قائد الفرنجة شارل مارتل للوقوف في وجه المسلمين، فجمع جيشاً ضخماً من أوروبا فاق عدد المسلمين بعدة أضعاف، فكتبت الغلبة لهم بعد 10 أيام من المواجهة، ووضع حداً للامتداد الإسلامي في أوروبا. وسميت معركة «بواتييه» ببلاط الشهداء لكثرة من استشهدوا فيها من الجيش الإسلامي، ومن بينهم قائدها عبد الرحمن الغافقي.

أسباب المعركة

يرى بعض المؤرخين أن أحد أهم أسباب اتجاه المسلمين غرباً في فتوحاتهم نحو أوروبا وصية الخليفة الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنه، التي قال فيها «إن القسطنطينية تفتح قبل الأندلس، وإنكم إن فتحتم ما أنتم بسبيله، فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر».

الغافقي والياً على الأندلس

عيّن الخليفة عمر بن عبد العزيز، السمح بن مالك الخولاني والياً على الأندلس، فجعل ولاية «سبتمانيا» قاعدة لانطلاق جيوش المسلمين إلى أوروبا، واتجه شرقاً ليدخل في معارك بمقاطعة أكيتانيا ليسيطر على عاصمتها تولوز، إلا أنه استشهد فيها.

أثناء معركة «تولوز»، اصطحب الخولاني عبد الرحمن الغافقي قائداً عسكرياً، وهناك أثبت الغافقي شجاعته وقدراته وتكتيكاته العسكرية عندما هُزم المسلمون في المعركة، فقد انسحب بالجيش بعد وفاة الوالي، معتمداً تكتيك التراجع بدل المواجهة، وهو ما اشتهر به عند دراسة قدرات العدو وتوقع تفوقه.

وعُين وقتها الغافقي والياً مؤقتاً على الأندلس بطلب من الجند الذين شهدوا له بصلاحه وقدرته، إلى حين انتظار أوامر الخليفة، وخلال شهرين تمكّن من جمع شتات المسلمين في الأندلس وتنظيم صفوفهم.

بعد ذلك جاء للغافقي قرار العزل من الخليفة، فنفذه بطاعة، وعمل بإخلاص تحت إمرة 7 من الولاة على الأندلس قبل أن يعيّن أخيراً والياً عليها بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك.

وفي ولايته، تميز الغافقي، الذي كان يجمع بين الصرامة واللين ويعد رجل حرب وسلم، بقدرته على وقف الصراعات القبلية التي لم يقدر عليها من كان قبله، فاستطاع تخفيف التوتر بين القبائل القيسية واليمنية، ووحّد الأندلس بعربها وأمازيغها تحت راية الإسلام.

بداية المعركة

بعد خسارة دوق أكيتانيا أودو عاصمته بوردو ورؤيته ثبات جيش المسلمين في معركة شرسة، تيقّن أنه لن يستطيع استرجاع المدينة ولا حتى وقف امتداد المسلمين إلا بتغيير خطته وطرق هجومه، فعمد أولاً إلى إثارة الفتن والمشاكل في الأندلس لزعزعة كيانها وأهلها.

وبدأت تحركات الإفرنج في شمال المواقع الإسلامية للاستيلاء عليها، فأعلن الغافقي النفير للجهاد، وأعد جيشه متوجهاً شمالاً لمقاطعة أكيتانيا جنوبي فرنسا التي يحكمها أودو، على أمل فتح فرنسا بعد خطة أعدها لعامين، داعياً المسلمين من مختلف أقطار الخلافة للجهاد.

انطلق الغافقي أول عام 114 هجرية بجيش قوامه نحو 50 ألف مجاهد، وعدّ أكبر جيش في التاريخ الإسلامي يدخل فرنسا عبر جبال ألبرت، وفتح مدينة “آرل” المطلة على البحر المتوسط، ثم وجّه جيشه عبر جبال “البرانس” (البيرينيه) بين فرنسا وإسبانيا وفتح مدن جنوب “بلاد الغال” (فرنسا)، وصولاً إلى أكيتانيا حيث لاقى أودو وهزمه هزيمة ساحقة.

مكان وقوع المعركة

عندما فتح الغافقي جنوب فرنسا بالكامل (التي كانت تحكم بالمقاطعات سابقاً)، خرج أودو متقهقراً بجيشه المنهزم مسلِّماً “بردال” للغافقي، ولجأ لعدوه رئيس بلاط مملكة الفرنجة شارل مارتل، الذي يتحكم بملك فرنسا وحاشيته ودولته، وطلب منه العون، وحذره من أن جيش المسلمين قد يصل إلى باريس.

ورغم عدم اهتمام مارتل بتقدم المسلمين لخلافه مع أودو، فإنه وافق على مواجهة الفاتحين، مشترطاً أن يأخذ أكيتانيا ويضمها له، كما تلقى وعوداً من البابا بأن يصير الملك المقدم على ملوك أوروبا والنصرانية، وعليه أعدّ مارتل جيشاً كبيراً، وصل عدد مقاتليه إلى 200 ألف مقاتل، وقيل 400 ألف، ولعلاقاته في أوروبا استطاع إقناع أقطارها بالانضمام له، فأعلنت الكنيسة الكاثوليكية “صيحات الحشد”، وأقنع مارتل مقاتلي الفايكنغ بالانضمام مقابل بعض الأموال وأراض في شمال فرنسا.

المواجهة في معركة بلاط الشهداء

بين مدينتي بواتييه وتور، خيّم المسلمون، ولم يلاحظوا جيش مارتل الذي دنا منهم قرب “لوار” آتياً من الشمال، وعندما أراد الغافقي اقتحام نهر “لوار” لملاقاة خصمه فوجئ بقوات مارتل الغفيرة، فرجع إلى السهل الذي خيّم فيه سابقاً، واستمر جيش مارتل في المسير حتى عبر النهر وعسكر على بعد أميال من مكان المسلمين.

وهناك تلاقى الجيشان في السهل، ورغم عدم معرفة مكان المعركة تحديداً، فإنه قيل إنها وقعت على مقربة من طريق روماني يصل بين مدينتي بواتييه وتور في مكان يبعد 20 كيلومتراً شمالي بواتييه ويسمى “البلاط”، الذي يعني في الأندلس القصر أو الحصن المحاط بحدائق، وفي العصر الحديث وجدت سيوف عربية في تلك المنطقة، مما يرجح حدوثها هناك.
تواجه الطرفان في أواخر شعبان 114 هجرية، واستمر القتال 9 أيام حتى أوائل شهر رمضان، ورغم غلبة المسلمين أول الأيام، فإن أيّاً من الجيشين لم يحقق نصراً حاسماً لصالحه. وفي اليوم العاشر نشبت المعركة الكبيرة، وأبدى فيها كلا الفريقين ثباتاً وجَلَداً، حتى بدا الإعياء على الفرنجة، ولاحت تباشير النصر للمسلمين.

باغتت فرقة من فرسان العدو المسلمين من الخلف، بعد أن اكتشفوا ثغرة في صفوفهم، فقد اصطحب بعض المسلمين معهم زوجاتهم وأبناءهم، بناء على خطة الغافقي الذي كان يعتزم توطينهم في البلاد الفرنسية، فاستهدف الفرنجة مخيم المدنيين ومخازن الغنائم في خلفية الجيش الإسلامي، مما باغت المسلمين وأدى إلى انسحاب بعضهم من مواقعهم لحماية أسرهم وغنائمهم، غير أن هذا أدى إلى خلل في النظام، واضطراب في صفوف المسلمين. وحاول وقتها الغافقي إعادة النظام في صفوف الجيش، وإعادة الحماس في نفوس جنده من أجل الجهاد، لكنه ارتقى شهيداً بسهم أصابه، فزاد الاضطراب بين المجاهدين، لكنهم ما لبثوا أن جمعوا شتاتهم وثبتوا حتى حلول الليل، وقرروا الانسحاب تاركين غنائمهم وراءهم وناراً توهم الخصم بوجودهم.

ولما حلّ الصباح، استعد الفرنجة للقتال، فلم يجدوا أحداً، فاتجهوا إلى الخيام ظانين في الأمر خديعة، فوجدوها خالية ما عدا بعض الجرحى العاجزين عن الحركة، فذبحوهم على الفور، واكتفى مارتل بانسحاب المسلمين ولم يجرؤ على لحاقهم خوفاً من خديعة أخرى يخطط لها الفاتحون، فعاد إلى الشمال من حيث أتى.

نتائج المعركة

لم تسنح للمسلمين فرصة أخرى بعد معركة بلاط الشهداء لدخول قلب أوروبا، رغم المعارك التي تلتها والمناوشات المستمرة بعدها بعام بين المسلمين والفرنجة، فقد تفرّقوا واشتعلت المنازعات بينهم، في وقت توحدت فيه قوة النصارى، وبدأت حركة “الاسترداد والاستيلاء” على ما فتحه المسلمون في الأندلس من مدن وقواعد.

ساهمت المعركة في تأسيس الإمبراطورية الكارولونجية وهيمنة الفرنجة على أوروبا، مما كان سبباً في انقسام المؤرخين بشأن أهمية هذه المعركة بوقف التمدد الإسلامي واعتبارها “نصراً للمسيحية”، كما يقول بعض المؤرخين الأوروبيين.

أسباب هزيمة المسلمين

قيل إن عدم تجانس الجيش الإسلامي كان سبباً، حيث كان فيه عنصران مختلفان، وإن لم يكن بينهما أي خلاف أو شقاق، وهما العنصر العربي والعنصر الأمازيغي، بالإضافة للحساسيات والخلافات، خاصة بين القيسيين واليمنيين.

ومن الأسباب الأخرى التي ذكرت أن مارتل قرر ترك المسلمين يتوغلون في المنطقة حتى يستقروا فيها وتقل إمداداتهم، وهذا ما حدث فعلاً، فالقواعد الخلفية لجيش المسلمين كانت تبعد عن المعسكر في ساحة المعركة ألف كيلومتر.

وقال الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون “لو أن العرب استولوا على فرنسا لصارت باريس مركزاً للحضارة والعلم منذ ذلك الحين، حيث كان رجل الشارع في إسبانيا يكتب ويقرأ، بل يقرض الشعر أحياناً، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم”.

إعداد: نادر نايف محمد

Instagram
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض