معركة اليرموك

معارك خلدها التاريخ.. معركة اليرموك

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

شهد التاريخ عدة غزوات وحروب، كانت نتائجها حاسمة في تغيير مجراه، وسنتناول على صفحات “الجندي” بعضاً من هذه المعارك الفاصلة..

معركة اليرموك

من أهم المعارك في تاريخ الإسلام، فقد كانت بداية أول موجة انتصارات للمسلمين خارج جزيرة العرب، وآذنت لتقدم الإسلام السريع في بلاد الشام. حدثت المعركة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بأربع سنوات، وكانت قوات جيش المسلمين تعدّ 36 ألف مقاتل في حين كانت جيوش الروم تبلغ 240 ألف مقاتل.

حين توفي النبي صلى الله عليه وسلـم، بويع أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين خلفاً للرسول صلوات الله وسلامه عليه. وحالما تولى أبو بكر الخلافة انبثقت مشاكل عندما ثارت جهراً العديد من القبائل العربية ضد أبي بكر الذي أعلن الحرب ضد المتمردين، والتي عرفت لاحقاً بحروب الردة. بعدها تمكَّنَ أبو بكر من توحيد الجزيرة العربية تحت السلطة المركزية للخلافة الإسلامية ومركزها المدينة المنورة.

وحالما تم تطويع التمرد، بدأ الصديق عهد الفتوحات، مبتدئاً بالعراق، المحافظة الأغنى للإمبراطورية الفارسية. وبإرساله أكثر جنرالاته عبقرية ودهاءً وهو خالد بن الوليد، تم فتح العراق بسلسلة من الحملات الناجحة ضد الفرس الساسانيين. وحالما تمكن خالد بن الوليد من تأسيس معقل قوي في العراق، أعلن أبو بكر نداء التسلح لغزو الشام.

كان الفتح الإسلامي للشام عبارة عن سلسلة من العمليات العسكرية المخططة بعناية والمنسقة جيداً والتي استخدمت الاستراتيجية بدلاً من القوة المجردة للتعامل مع مقاييس الدفاع البيزنطية. على أية حال، تبين للجيوش الإسلامية بأنها أقل من اللازم للتعامل مع الرد البيزنطي، وطلب قادتها التعزيزات. فقام خلفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه بإرسال القائد البطل خالد بن الوليد من العراق إلى الشام مع التعزيزات ولقيادة الفتح.

في يوليو 634، هُزم البيزنطيون على نحو حاسم في معركة أجنادين. وسقطت مدينة دمشق في سبتمبر 634، وتبعها معركة فحل، حيث هزمت وهلكت آخر المعاقل العسكرية المهمة للبيزنطيين في فلسطين.

توفي الخليفة أبو بكر الصديق في أغسطس 634. وقرر خلفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إكمال توسع الخلافة الإسلامية أعمق إلى الشام. بالرغم من أن حملات سابقة ناجحة قادها خالد بن الوليد، إلا أنه تم استبداله بأبي عبيدة. بتأمين جنوب فلسطين، تقدمت القوات الإسلامية الآن إلى الطريق التجاري حيث سقطت طبريا وبعلبك من دون عناء كبير وبعدها فتح المسلمون مدينة حمص أوائل 636. وعليه أكمل المسلمون فتوحاتهم عبر الشام.

أحداث المعركة

دامت المعركة ستة أيام، كان المسلمون فيها يردون هجمات الروم في كل يوم، حيث كان خالد بن الوليد يستخدم «سَرية الخيالة المتحركة السريعة» التي يقودها بنفسه ليتحرك بسرعة خاطفة من مكان إلى آخر، حيث يكون جيش المسلمين في تراجع تحت ضغط الروم، ويعود كل من الجانبين في نهاية النهار إلى صفوفه الأولية قبل القتال أو إلى معسكراته.

وجرى الأمر كذلك خلال الأربعة أيام الأولى كانت فيها خسائر الروم بالأعداد أكبر من خسائر جيش المسلمين، وفي اليوم الخامس لم يحدث الشيء الكثير بعد رفض خالد «هدنة ثلاثة أيام» التي عرضها الروم بقوله المشهور لرسول الروم «نحن مستعجلون لإنهاء عملنا هذا»
وفي اليوم السادس تحولت استراتيجية خالد من الدفاع إلى الهجوم، وتمكن بعبقريته الفذة من شن الهجوم المجازف على الروم واستخدام الأسلوب العسكري الفريد من نوعه آنذاك وهو الاستفادة الصحيحة من إمكانيات «سرية الفرسان سريعة التنقل» ليحول الهزيمة الموشكة للمسلمين إلى نصر مؤزر لهم.

بعد المعركة

كانت معركة اليرموك من أعظم المعارك الإسلامية، وأبعدها أثراً في حركة الفتح الإسلامي، فقد لقي جيش الروم (أقوى جيوش العالم يومئذٍ) هزيمة قاسية، وفقد زهرة جنده، وقد أدرك هرقل الذي كان في حمص حجم الكارثة التي حلت به وبدولته، فغادر سوريا نهائياً وقلبه ينفطر حزناً، وقد ترتب على هذا النصر العظيم أن استقر المسلمون في بلاد الشام، واستكملوا فتح مدنها جميعاً، ثم واصلوا مسيرة الفتح إلى الشمال الإفريقي.

تقييم

يمكن النظر إلى معركة اليرموك كمثال في التاريخ العسكري عندما تستطيع قوة عسكرية صغيرة تحت قيادة حكيمة التغلب على قوة عسكرية تفوقها عدداً. لقد سمح قادة الجيش الامبراطوري لعدوهم باختيار أرض المعركة التي يريدها. وحتى ذلك الحين لم يكن لديهم ضعف تكتيكي كبير. لقد عرف خالد بن الوليد منذ البداية بأنه أمام قوة كبيرة جداً وحتى اليوم الأخير من المعركة أدار خطة دفاعية فعالة ملائمة لمصادره المحدودة نسبياً.

وعندما قرر الهجوم في اليوم الأخير من المعركة، قام بذلك على درجة من التخيل وبُعد النظر والشجاعة، الأمر الذي لم يتصوره أي من القادة البيزنطيين. وبالرغم من أنه قاد قوة صغيرة عددياً وكان بأمسِّ الحاجة إلى كل الرجال الذين يمكن جمعهم، كانت لديه الجرأة وبعد النظر لشطر فرقة من خيالته في الليلة التي سبقت هجومه لتأمين الطريق الحيوي لانسحاب عدوه.

عاقبة المعركة

تحرك خالد بن الوليد شمالاً حالما انتهت العملية ملاحقاً الجنود البيزنطيين المنسحبين، حيث لاقاهم قرب دمشق وقام بمهاجمتهم. وهنالك قُتل القائد العام للجيش الإمبراطوري ماهان والذي كان قد هرب من المصير المحتوم الذي لاقاه بقية جنوده أثناء المعركة. وفتح بعدها خالد بن الوليد مدينة دمشق، ويقال إن سكانها رحبوا به.

وعندما وصلت أخبار الهزيمة المأساوية إلى هرقل في مدينة أنطاكية، أصبح محطماً غائظاً. ولو امتلك هرقل الموارد اللازمة ربما لقام بمحاولة أخرى لاستعادة فتح المحافظات التي خسرها.

ولكنه لم يعد يملك الرجال ولا المال الكافي ليدافع عن مناطقه. وبدلاً من ذلك قام بالانسحاب إلى كاتدرائية إنطاكية طالباً الشفاعة.

وقام باستدعاء مستشاريه في الكاتدرائية للتمعن في أسباب الهزيمة، وبعدها نُقل هرقل على متن سفينة إلى القسطنطينية ليلاً، وقيل بأنه ألقى توديعةً أخيرةً إلى الشام عندما أبحرت سفينته، حيث قال: «الوداع، وداعاً أخيراً يا سوريا، يا محافظتي الجميلة، أنت درة العدو الكافر الآن، فلتنعمي بالسلام يا سوريا، أي أرضٍ جميلة ستكونين لهم» هجر هرقل سوريا آخذاً معه الأثر المقدس – الصليب الحقيقي، مع آثار أخرى من أجل الحفاظ عليها من الفاتحين المسلمين، والتي كانت محفوظة جميعها في مدينة القدس. حيث نقلها بارثيا من القدس سراً عبر البحر. وقيل إن الإمبراطور كان يخشى البحر، لذا بنوا له جسراً عائماً عبر بحر البسفور للوصول إلى القسطنطينية.

وبعد أن تخلى عن الشام، بدء بتجميع ما تبقى له من قوات من أجل الدفاع عن الأناضول ومصر بدلاً عنها. ولم يبذل المسلمون جهوداً تذكر لاحتلال الأناضول، إلا أنها ظلت تخضع لغارات سنوية، مما أدى إلى تدمير النشاطات الاقتصادية الاجتماعية لمنطقة شرق الأناضول.

وسقطت أرمينية البيزنطية على يد المسلمين سنة 638-39 والتي قام بعدها هرقل ببناء منطقة صدّ في وسط الأناضول، بعد أن أمر بأجلاء جميع الحصون الواقعة شرق مدينة طرطوس. وأخيراً وفي سنة 639-642 قام المسلمون بغزو وفتح مصر البيزنطية، بقيادة عمرو بن العاص، قائد الجناح الأيمن لجيش المسلمين في معركة اليرموك.

إعداد: نادر نايف محمد

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض