الثابت الفقيه

فقهاء عظام في تاريخ الإسلام (2).. الثابت الفقيه زيد رضي الله عنه (المتوفى سنة: 45ه)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

كاتب الوحي، جامع القرآن، شيخ القراء، إمام المفتين، ترجمان الأمة، العالم الكبير، الورع الحكيم، المعلم الخبير، العابد الخلوق، الحيي المتقي، الذكي البصير، الخاشع المتدبر، أعلم الناس بالمواريث والفرائض، كنيته أبو سعيد، واسمه زيد بن ثابت بن الضّحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلـم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

كان رضي الله عنه فقيهاً عظيماً من فقهاء المسلمين، وإماماً عالماً من أئمة المؤمنين، وهذه إطلالة على أهم ملامح فقهه وإمامته رضي الله عنه:

1. الفقيه الكاتب الجامع:

من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان كاتباً للوحي جامعاً للقرآن، فقد كان من ألزم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلـم كتابةً للوحي، فقد روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلـم إذا نزل عليه الوحي، بعث إلي، فكتبته» (سير أعلام النبلاء: 2/429)، ويروى عنه رضي الله عنه أنه قال: «كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلـم، وكان إذا نزل عليه أخذته بُرَحاء شديدة، وعرق عرقاً شديداً مثل الجمان، ثم سري عنه، فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة، فأكتب وهو يملي علي، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القرآن، وحتى أقول: لا أمشي على رجلي أبداً، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرأه، فإن كان فيه سقطٌ أقامه، ثم أخرج به إلى الناس» (المعجم الأوسط للطبراني: 2/257)، وعنه رضي الله عنه قال: «قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلـم، فتتبع القرآن فاجمعه… فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» (البخاري: 4986)، وعن قتادة قال: «سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلـم؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبُيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد» (البخاري: 5003).

2. الفقيه بالفرائض والمواريث:

من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان عالماً بالفرائض والمواريث، فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلـم بذلك فقال: «أفرض أمتي زيد بن ثابت» (الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/359)، وقال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبُيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت» (سنن الترمذي: 3791)، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «من أحب أن يسأل عن القرآن فليأت أبُيّ بن كعب، ومن أحب أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت» (المصنف لابن أبي شيبة: 32896).

3. الفقيه المفتي القاضي:

من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان مفتياً وقاضياً، فقد روي عن ابن عباس قوله: «لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلـم أن زيد بن ثابت من الراسخين في العلم» (سير أعلام النبلاء: 2/437)، وعن الشعبي قال: «القضاة أربعة: عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود» (سير أعلام النبلاء: 2/434)، وروي عن قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة قوله: «كان زيدٌ بن ثابت مترئساً بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي في مقامه بالمدينة، وبعد ذلك خمس سنين حتى ولي معاوية سنة أربعين، فكان كذلك أيضاً حتى توفي (أي زيد) سنة خمس وأربعين»، وروي عن سليمان بن يسار قوله: «ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحداً في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة»، وروي عن نافعٍ قوله: «استعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقاً»، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كان (أي زيد) عالم الناس في خلافة عمر وحبرها، فرقهم عمر في البلدان، ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وجلس زيد بن ثابت بالمدينة يفتي أهل المدينة وغيرهم من الطراء، يعني: القُدَّام» (ينظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/359-361).

4. الفقيه بالألسنة واللغات:

من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان ترجمان النبي صلى الله عليه وسلـم وكاتبه إلى الملوك، فقد روي عن زيد بن ثابت: «أن النبي صلى الله عليه وسلـم أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلـم كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه» (البخاري: 7195)، وقال عليه الصلاة والسلام: «يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي، قال زيد: فتعلمت له كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب» (مسند أحمد: 21618)، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلـم: «تحسن السريانية؟ إنها تأتيني كتب، قلت: لا، قال: فتعلَّمها، فتعلمتها في سبعة عشر يوماً» (مسند أحمد: 21587)، ويروى عن الحسن بن البراء قوله: «كان زيد بن ثابت ترجمان رسول الله صلى الله عليه وسلـم، وكاتبه إلى الملوك، وتعلم الفارسية في ثماني عشرة ليلة من رسول كسرى، وتعلم الرومية والحبشية والقبطية من خدام رسول الله صلى الله عليه وسلـم» (المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: 5/214).

5. الفقيه الملازم المصاحب:

من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلـم، فقد كان جاراً للنبي صلى الله عليه وسلـم ويمشي معه إلى الصلاة ويصاحب النبي في قضاء أموره ومهماته ويجلس مع النبي في مسجده ويتسحر معه، وكان يخصه النبي صلى الله عليه وسلـم ببعض العلم والفقه والتوجيه والإرشاد، ومما يدل على ذلك قوله: «كنت جاره، فكان إذا نزل الوحي أرسل إلي، فكتبت الوحي، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عنه» (المعجم الكبير للطبراني: 4882).

6. الفقيه الناصح الموجه:

من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان ناصحاً لإخوانه، فيروى أن زيد بن ثابت كتب إلى أبُيّ بن كعب: «أما بعد، فإن الله قد جعل اللسان ترجماناً للقلب، وجعل القلب وعاءً وراعياً، ينقاد له اللسان لما أهداه له القلب، فإذا كان القلب على طوق اللسان، جاء الكلام وائتلف القول واعتدل، ولم تكن للسان عثرةٌ ولا زلة، ولا حِلمَ لمن لم يكن قلبه من بين يدي لسانه، فإذا ترك الرجل كلامه بلسانه، وخالفه على ذلك قلبه جدع بذلك أنفه، وإذا وزن الرجل كلامه بفعله صدق ذلك مواقع حديثه، يذكر هل وجدت بخيلاً إلا هو يجود بالقول، ويمن بالفعل، وذلك لأن لسانه بين يدي قلبه، يذكر هل تجد عند أحدٍ شرفاً أو مروءةً إذا لم يحفظ ما قال ثم يتبعه، ويقول ما قال وهو يعلم أنه حق عليه واجب حين يتكلم به، لا يكون بصيراً بعيوب الناس، فإن الذي يبصر عيوب الناس ويهون عليه عيبه كمن يتكلف ما لا يؤمر به، والسلام» (كنز العمال: 44239).

7. الفقيه العالم الرباني:

من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان إماماً للفقهاء ومرجعاً للعلماء وشيخاً للمعلمين، ولا أدل على ذلك من شهادة الأئمة والعلماء له، فيروى عن الشعبي قوله: «صلى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلـم، فقال ابن عباس: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء» (جامع بيان العلم وفضله: 1/514)، ويروى عن مسروق قوله: «كان زيد بن ثابت من الراسخين في العلم» (البداية والنهاية: 11/170)، ويروى عن مالك بن أنس قوله: «كان إمام الناس عندنا بعد عمر بن الخطاب زيد بن ثابت (يعني بالمدينة)» (الاستيعاب لابن عبدالبر: 2/539)، ويروى عن علي بن المديني: «لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه، وقاموا بقوله في الفقه، إلا ثلاثة: زيد، وعبدالله، وابن عباس» (سير أعلام النبلاء: 2/438)، ويروى عن عمار بن أبي عمار قوله: «لما مات زيد بن ثابت قعدنا إلى ابن عباس في ظل القصر، فقال (أي ابن عباس): هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير» (الطبقات الكبرى: 2/361)، ويروى عن أبي كلثوم قوله: «لما دفن ابن عباس قال ابن الحنفية: اليوم مات ربانيُّ هذه الأمة» (الطبقات الكبرى: 2/368).

ختاماً: رضي الله عن الفقيه الإمام زيد بن ثابت، وجزاه عما قدمه للإسلام والمسلمين خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.

بقلم: الدكتور ناصر بن عيسى بن أحمد البلوشي – أستاذ جامعي وباحث أكاديمي بجامعة زايد

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض