الموضوع الديني583

المدني الفقيه.. مالك بن أنس “رحمه الله” (المتوفى سنة: 179ه)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

فقهاء عظام في تاريخ الإسلام الجزء (8)

إمام دار الهجرة وفقيهها، مفتي أرض الحجاز وشيخها، عالم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحدثها، الأثري النجم، الحافظ الحجة، المحدث الثقة، الخلوق الوقور، المهاب المتواضع، العابد الورع، الحكيم الناصح، المخلص الصابر، كنيته أبو عبدالله، واسمه مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان الأصبحي الحميري المدني، رحمه الله ورحم الله فقهاء المسلمين.

كان “رحمه الله” فقيهاً أثرياً من فقهاء المسلمين، وإماماً وقوراً من أئمة المؤمنين، وهذه إطلالة على أهم ملامح فقهه وإمامته “رحمه الله”:

 

1- الفقيه الأثري السني:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان فقيهاً أثرياً معتقداً ومتبعاً لعقيدة أهل السنة والجماعة وما عليه سلف الأمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان، فيروى عن أبي طالب المكي قوله: «كان مالك ‌أبعد ‌الناس ‌من ‌مذاهب المتكلمين، وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين» (ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2/39)، وروي عن الإمام مالك قوله: ‌ «الله ‌في ‌السماء ‌وعلمه ‌في ‌كل ‌مكان لا يخلو منه شيء»، وروي عن عبد الله بن نافع أنه قال:«كان مالك يقول: ‌الإيمان ‌قول ‌وعمل ‌يزيد ‌وينقص» (السنة لعبدالله بن أحمد: 1/280و317)، وروي عن إسماعيل بن أبي أويس قوله: «سمعت مالك بن أنس يقول: ‌القرآن ‌كلام ‌الله، ‌وكلام ‌الله ‌من ‌الله، وليس من الله شيء مخلوق» (الشريعة للآجري: 1/501)، وروي عن جعفر بن عبد الله عن رجل قال: «جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبدالله (الرحمن على العرش استوى)، كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكاً وجد من شيءٍ كَوَجْدِهِ من مقالته، وعلاه الرُّحَضَاءُ(يعني العرق)، وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم سُرِّيَ عن مالكٍ، فقال: الكيف غير معقولٍ، والاستواء منه غير مجهولٍ، والإيمان به واجبٌ، ‌والسؤال ‌عنه ‌بدعةٌ، وإني لأخاف أن تكون ضالاً. ثم أمر به فأُخرج» (الرد على الجهمية للدارمي، ص: 66)، وروي عن ابن نافع وأشهب قولهما: «يا أبا عبدالله: (وجوه يومئذٍ ناضرةٌ * إلى ربها ناظرة(، ينظرون إلى الله؟ قال: نعم، بأعينهم هاتين، فقلت له: فإن قوماً يقولون: لا يُنْظر إلى الله، وإن (ناظرة) بمعنى منتظرة إلى الثواب، قال: كذبوا، بل يُنظرُ إلى الله، أما سمعت قولَ موسى عليه السلام: (رب أرني أنظر إليك(، أفترى موسى سأل ربه محالاً؟ فقال الله: “لن تراني” (أي في الدنيا)، لأنها دار فناء، ولا يُنظرُ ما بقي بما يفنى. فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما بقي إلى ما بقي. وقال الله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون)» (ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2/42)، وروي عن الإمام مالك قوله: «إياكم والبدع، فقيل: يا أبا عبدالله، وما البدع؟ قال: ‌أهل ‌البدع ‌الذين ‌يتكلمون في أسماء الله، وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان» (أحاديث في ذم الكلام وأهله للرازي، ص:82)، وقد ذكر ابن عبد البر في كتابه (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء) أن الإمام مالك كان «كثيراً ما يتمثل بقول الشاعر:

وخَيْرُ أمُورِ الدِّينِ ما كانَ سُنَّةً                      وشَرُّ الأمورِ الـمُحدَثَاتُ البَدَائِعُ».

2- الفقيه الراوي المحدث:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان راوياً لحديث رسو ل الله صلى الله عليه وسلم ومحدثاً به وجامعه من الرجال الثقات، ولا أدل على ذلك من اعتبار الإمام البخاري أن«أصح الأسانيد كلها: ‌مالك ‌عن ‌نافع ‌عن ‌ابن ‌عمر» (مقدمة ابن الصلاح، ص:16)، ولذا أطلق علماء الحديث على إسناده (السلسلة الذهبية)، وروي عن ابن أبي زنبر قوله: «سمعت مالكاً يقول: ‌كتبت ‌بيدي ‌مائة ‌ألف ‌حديث»، وروي عن أحمد بن صالح قوله: «نظرت في أصول مالك فوجدتها شبيهاً باثني عشر ألف حديث» (ترتيب المدارك للقاضي عياض: 1/133و188)، وروي عن حنبل بن إسحاق قوله: «سألت أبا عبدالله عن مالك، فقال: مالك ‌سيد ‌من ‌سادات ‌أهل ‌العلم، وهو إمام في العلم والفقه، ثم قال: ومن مثل مالك متبع لآثار من تقدم مع عقل وأدب، مسانيد مالك أشهر من أن تذكر وهو النجم الثاقب في أهل النقل» (صفوة الصفوة لابن الجوزي: 1/397)، ويروى عن الشافعي قوله: «‌إذا ‌جاء ‌الأثر، فمالك النجم»، وقال: «إذا ‌جاء ‌الحديث ‌عن ‌مالك، فَشُدَّ به يديك» (آداب الشافعي للرازي، ص: 150و151)، وقال يحيى بن معين: ‌‌«‌مالك ‌أمير ‌المؤمنين في الحديث»، وقال أيوب بن سويد: ‌‌«ما رأيت أحداً ‌أجود ‌حديثاً ‌من ‌مالك بن أنس رحمه الله» (غرائب حديث مالك بن أنس لابن المظفر، ص: 116و240)، وأنشد القاضي عياض واصفاً كتاب الإمام مالك (الموطأ)، فقال في كتابه ترتيب المدارك:

«إذا ‌ذكرت ‌كتب ‌العلم ‌فخيرُها                     كتابُ الموطأ من تصانيف مالك

أصــــــحُّ أحاديثـــــــــاً وأثبـــــــــتُ سنـــــــــةً                   وأوضحها في الفقه نهجاً لسالك

أسانيدُ أمثال الرواسي صحيحةٌ                     ورأي كأنوار النجوم الشوابك».

3- الفقيه المفتي الإمام:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان مفتياً نابغاً إماماً كبيراً من أئمة المسلمين، بل صاحب مذهب ومنهج فقهي له أصوله من قرآنٍ وسنةٍ وإجماعٍ، وإجماع أهل المدينة وقياس وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والعرف والعادات وسد الذرائع والاستصحاب والاستحسان، ومما يدل على سعة علمه شهادة كبار الشيوخ له بالعلم، فقد روي عن الإمام مالك قوله: ‌‌«ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس، وما ‌جلست ‌حتى ‌شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم إني لموضع لذلك» (ترتيب المدارك للقاضي عياض: 1/142)، وبلغ رحمه الله من المنزلة والرتبة العلمية في العلم والفتوى حتى سُمع المنادي ينادي بالمدينة: ‌‌«‌ألا ‌لا ‌يفتي ‌الناس إلا مالك بن أنس، وابن أبي ذئب» (ما رواه الأكابر عن مالك، ص: 61).

4- الفقيه الورع المخلص:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان ورعاً مخلصاً في تعليمه وفتواه، ومن ورعه وإخلاصه رحمه الله أنه كان لا يستعجل في الفتوى إذا لم يتيقن الإجابة ويكثر من قول (لا أدري)، فقد روي عن الإمام مالك قوله: «جنة ‌العالم لا أدري، إذا أغفلها أصيبت مقاتله» (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة، ص: 37)، وروي أن الإمام مالك «إذا سئل عن مسألة تغير لونه، “وكان أحمر” فيصفر، وينكس رأسه ويحرك شفتيه، ثم يقول: ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، فربما سئل عن خمسين مسألة، فلا يجيب منها في واحدة، وكان يقول: من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب، وقال بعضهم: لكأنما مالك والله إذا سئل عن مسألة، واقف بين الجنة والنار» (الموافقات للشاطبي، 5/324)، «وقال بعضهم: إذا قلت أنت يا أبا عبدالله: لا أدري، فمن يدري؟ قال: ‌ويحك ‌ما ‌عرفتني؟ وما أنا؟ وأي شيء منزلتي حتى أدري ما لا تدرون؟ ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر، يقول: لا أدري فمن أنا؟ وإنما أهلك الناس العُجبُ وطلبُ الرئاسة، وهذا يضمحل عن قليل» (ترتيب المدارك: 1/184)، وروي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: «كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله، ‌جئتك ‌من ‌مسيرة ‌ستة ‌أشهر، حملني أهل بلادي مسألة أسألك عنها، قال: فسل، قال: فسأل الرجل عن أشياء، فقال: لا أحسن، قال: فقطع بالرجل، كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء، قال: وأي شيء أقول لأهل بلادي إذا رجعت إليهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك بن أنس: لا أحسن» (الجرح والتعديل: 1/18)، وروي عن خالد بن خداش أنه قال: «قدمت على مالك من العراق ‌بأربعين ‌مسألة، فسألته عنها فما أجابني منها إلا في خمس مسائل» (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة، ص: 38).

5- الفقيه المتأدب الوقور:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان فقيهاً خلوقاً وقوراً متأدباً مجلاً معظماً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيروى عنه أنه قال: «أستحي من الله أن ‌أطأ ‌تربة نبي الله بحافر دابة» (ترتيب المدارك: 2/53)، وروي عن ابن أبي أويس قوله: «كان مالك إذا أراد أن يحدث، توضأ وجلس على فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: ‌أحب ‌أن ‌أعظم ‌حديث ‌رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا على طهارةٍ متمكناً، وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم أو يستعجل، فقال: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» (حلية الأولياء: 6/318)، وروي عن معن القزاز أنه قال: «كان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل، وتبخر، وتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبره (أي زجره)، وقال: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله فكأنما ‌رفع ‌صوته ‌فوق ‌صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم» (الجامع لأخلاق الراوي: 1/406)، وقال زياد بن يونس: «كان والله مالك ‌أعظم ‌الخلق ‌مروءة، وأكثرهم صمتاً، وكان إذا جلس جلسة لا ينحل منها حتى يقوم، ورأيته كثير الصمت، قليل الكلام، متحفظاً للسانه»، وقال يحيى بن يحيى التميمي: «أقمت عند مالك بن أنس بعد كمال سماعي منه سنة، أتعلم هيئته وشمائله، فإنها ‌شمائل ‌الصحابة ‌والتابعين» (ترتيب المدارك: 1/127و171).

ختاماً: رحم الله إمام دار الهجرة ومفتي الحجاز وسيد الأئمة مالك بن أنس، وجزاه عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.

بقلم: الدكتور ناصر بن عيسى بن أحمد البلوشي، أستاذ جامعي وباحث أكاديمي بجامعة زايد

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض