IMG_4790

القرشي الفقيه محمد بن إدريس الشافعي «رحمه الله» (المتوفى سنة: 204ه)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

إمام قريش وفقيهها، واضع علم أصول الفقه، السني المتبع، المفسر المحدِّث، العابد الورع، التقي المؤمن، الفصيح البليغ، الشاعر الحكيم، الأديب اللغوي، الرحالة المجتهد، العبقري الألمعي، النسابة الطبيب، الحليم النبيل، الناصح الحكيم، الكريم الشجاع، كنيته أبوعبدالله، واسمه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي الشافعي المطلبي القرشي رحمه الله ورحم الله فقهاء المسلمين.

كان “رحمه الله” فقيهاً فصيحاً من فقهاء المسلمين، وإماماً قرشياً من أئمة المؤمنين، وهذه إطلالة على أهم ملامح فقهه وإمامته “رحمه الله”:

1. الفقيه الفصيح البليغ:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان أديباً فصيحاً، شاعراً بليغاً، لغوياً حجة، نحوياً مبيناً، فقد تكاثرت الروايات وتضافرت البراهين في بيان فصاحة الإمام الشافعي وبلاغته، من ذلك ما روي عن الشافعي حيث قال: «‌خرجت ‌من ‌مكة، فقدمت هذيلاً أتعلم كلامها، وكانت أفصح العرب، فبقيت فيهم سبعة عشر عاماً، راحلاً برحلتهم، ونازلاً بنزولهم. فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب» (ترتيب المدارك: 3/176)، وروي عن الحسن بن محمد الزعفراني قوله: «كان قوم من أهل العربية ‌يختلفون ‌إلى ‌مجلس ‌الشافعي معنا، ويجلسون ناحية، قال: فقلت لرجل من رؤسائهم: إنكم لا تتعاطون العلم، فلم تختلفون معنا؟ قالوا: نسمع لغة الشافعي»، وروي عن ابن هشام قوله: «جالست الشافعيّ زماناً، فما سمعته تكلم بكلمة إذا اعتبرها المعتبر، لا يجد كلمة ‌في ‌العربية ‌أحسن ‌منها» (معجم الأدباء: 6/2402)، وروي عن الجاحظ قوله: «نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا، ‌فلم ‌أرَ ‌أحسن ‌تأليفاً من المطلبي، كأن فاه نُظِمَ دُرًّا إلى در» (الكامل للجرجاني: 1/206)، وروي عن المزني قوله: «قدم علينا الشافعي، وكان بمصر عبدالملك بن هشام صاحب المغازي، وكان علامة أهل مصر في العربية والشعر، فقيل له في المصِيرِ إلى الشافعي، فَتَثَاقَلَ، ثم ذهب إليه فقال: ما ظننتُ أنّ الله خلق مثل الشافعي. وكان ابن هشام بعد ذلك قد اتخذ قول الشافعي حجّة في اللغة»، وروي عن أبي الوليد بن الجارود قوله: «كان يقال: إن محمد بن إدريس الشافعي لغة وحده، يحتج به كما ‌يُحتج ‌بالبَطْنِ ‌من ‌العرب»، وروي عن المُبَرِّد قوله: «رحم الله الشافعي، فإنه ‌كان ‌من ‌أشعر ‌الناس، وآدب الناس، وأعرفهم بالقراءات»، وروي عن الأصمعي قوله: «‌صححت ‌أشعار ‌الهُذَليين على شاب من قريش بمكة، يقال له: محمد بن إدريس الشافعي»، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: ‌«كلام ‌الشافعي ‌في ‌اللغة حجة»، وروي عن حسين بن علي قوله: «ما رأيت مجلساً قط ‌أنبل ‌من ‌مجلس ‌الشافعي، كان يحضره أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل الشعر، وكان يأتيه كبراء أهل الفقه والشعر، فكلٌّ يتعلّم منه ويستفيد» (مناقب الشافعي للبيهقي: 1/226و279-2/42 و44 و49 و271).

2. الفقيه الأصولي الرائد:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه أول من صنف المادة العلمية لعلم أصول الفقه، ورتب أبوابه وميز مسائله ودوَّن قواعده ونظم مباحثه وحقق دقائقه، وذلك بتصنيفه كتابه القيم الموسوم بــ (الرسالة)، ولذا قال الإمام أحمد بن حنبلٍ: «لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي»، وقال الجويني في شرح الرسالة: «لم يسبقِ الشافعيَّ أحدٌ في تصانيف الأصول ومعرفتها»، وقال الزركشي: «الشافعي رضي الله عنه أول من صنف في أصول الفقه، صنف فيه كتاب الرسالة، وكتاب أحكام القرآن، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب جماع العلم… ثم تبعه المصنفون في الأصول» (البحر المحيط: 1/10)، وقال فخر الدين الرازي: «كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويعترضون ويستدلون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يُرجَع إليه في معرفة الدلائل الشرعية، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياً، يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع» (مناقب الإمام الشافعي للرازي، ص: 157).

3. الفقيه السني المتبع: 

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان متمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم اعتقاداً وقولاً وعملاً وفقهاً واستنباطاً واجتهاداً، ولا أدل على ذلك مما اشتهر عنه قوله: «إذا صح ‌الحديث ‌فهو ‌مذهبي، واتركوا قولي المخالف له» (المجموع للنووي: 6/370)، وروي عن الإمام الشافعي قوله: «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعزب عنه، فمهما قلتُ من قولٍ، أو أصَّلْتُ من أصْلٍ، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلتُ، ‌فالقول ‌ما ‌قال ‌رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي. قال الراوي: وجعل يردد هذا الكلام»، وروي أن رجلاً سأل الشافعي عن مسألة، فقال له الشافعي: «روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا. فقال له السائل: يا أبا عبدالله، أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفَرّ لونُه وقال: ويحك‌ أيّ ‌أرض ‌تقلّني، وأي سماء تظلّني، إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فلم أقل به، نعم على الرأس والعينين، على الرأس والعينين» (مناقب الشافعي للبيهقي: 1/475)، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: «ما من أحد وضع الكتب منذ ظهرت، ‌أتبع ‌للسنة ‌من ‌الشافعي» (آداب الشافعي ومناقبه للرازي، ص: 46)، وروي عنه أيضاً قوله: «لقد كان ‌يذبّ ‌عن ‌الآثار»، وروي عن قتيبة بن سعيد قوله: «مات الثوري ومات الورع، ‌ومات ‌الشافعي ‌وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع»، وروي عن حَوْثَرَة بن محمد أنه قال: ‌«تتبين ‌السنة ‌في ‌الرجل بشيئين: حبّ أحمد بن حنبل، وكَتْبُ كُتبِ الشافعي» (مناقب الشافعي للبيهقي: 1/271و 471-2/250)،

4. الفقيه العابد الورع:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان مؤمناً عابداً تقياً ورعاً عاملاً بعلمه، روي عن حسين الكرابيسي أنه قال: ‌«بت ‌مع ‌الشافعي ثمانين ليلة، فكان يصلي نحو ثلث الليل، وما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكْثَرَ فمائة، وكان لا يمرُّ بآيةِ رحمةٍ إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمرُّ بآيةِ عذابٍ إلا تعوذ بالله منها وسأل النجاة لنفسه ولجميع المؤمنين، فكأنما جمع له الرجاء والرّهبة معاً»، وروي أن عبدالله بن عبدالحكم قال للشافعي: «إن عزمت أن تسكن البلد (يعني مصر) ‌فليكن ‌لك ‌قوت ‌سنة، ومجلس من السلطان تَتَعَزَّزُ به، فقال له الشافعي: يا أبا محمد، من لم تعزَّه التقوى فلا عِزَّ له، ولقد ولدت بغزة، ورُبِّيت بالحجاز وما عندنا قوت ليلة، وما بتنا جياعاً» (مناقب الشافعي للبيهقي:2/158و168)، وروي عن الربيع بن سليمان قوله: «كان ‌الشافعي ‌قد ‌جزأ الليل ثلاثة أجزاء، الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام» (حلية الأولياء:9/135)، وروي عن البويطي قوله: «قد رأيت الناس، والله ما رأيت أحداً يشبه الشافعي ولا يقاربه في صنف من العلم، والله إن الشافعي كان عندي ‌أورع ‌من ‌كل ‌من ‌رأيته يُنسب إلى الورع» (تهذيب الأسماء واللغات: 1/62).

5. الفقيه الناصح الحكيم:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان حكيماً ناصحاً، والحكم التي رويت عنه كثيرة مستفيضة، وهذه إطلالة موجزة على شيء من حكمه العظيمة، روي عنه أنه قال للربيع بن سليمان: «يا ربيع، رضى الناس غاية لا تدرك، فعليك بما يصلحك فالزمه، فإنه لا سبيل إلى رضاهم، واعلم أن من تعلم القرآن جل في عيون الناس، ومن تعلم الحديث قويت حجته، ومن تعلم النحو هيب، ومن تعلم ‌العربية ‌رق ‌طبعه، ومن تعلم الحساب جل رأيه، ومن تعلم الفقه نبل قدره، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه، وملاك ذلك كله التقوى» (حلية الأولياء:9/123)، ‌وروي عنه أنه قال: «خير ‌الدنيا ‌والآخرة ‌في ‌خمس ‌خصال: غنى النفس، وكف الأذى، وكسب الحلال، ولباس التقوى، والثقة بالله على كل حال»، وروي عنه قوله: «‌لا ‌يكمل ‌الرجل ‌في ‌الدنيا إلا بأربع: بالديانة، والأمانة، والصيانة، والرَّزَانة»، وروي عنه أنه قال:«إنك ‌لا ‌تقدر ‌أن ‌تُرضي ‌الناس ‌كلهم، فأصلح ما بينك وبين الله، فإذا أصلحت ما بينك وبين الله، فلا تبال بالناس»، وروي عنه قوله: «زينة العلماء التقوى، وحِلْيَتُهم حسن الخلق، ‌وجمالُهم ‌كرمُ ‌النفس» (مناقب الشافعي للبيهقي: 2/148و170و199)، وروي عنه أنه قال: «اللبيب ‌العاقل، هو الفطن المتغافل» (حلية الأولياء: 9/123)، ومن حكمه التي تدل على إخلاصه في بذل العلم قوله: «‌ما ‌ناظرت ‌أحداً، فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من علم، إلا وددت أنه عند كل أحد، ولا ينسب إلي»، وقوله: «وددت أن الناس لو تعلموا هذه الكتب، ‌ولم ‌ينسبوها ‌إلي» (آداب الشافعي ومناقبه للرازي، ص: 68و248)، ومما يروى من حكمه الشعرية ما ذكره البيهقي في كتابه (مناقب الشافعي: 2/106)،  عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي ينشد:

صُنِ ‌النفسَ ‌واحملهـــا على ما يزينُها                     تعشْ سالماً والقول فيك جميــــلُ

ولا تُــوْلِـــيَنَّ الناس إلا تجمـــــــــــــلاً                      نَبا بِكَ دهــرٌ أو جفــاكَ خليــلُ

وإن ضاق رزقُ اليوم فاصبر إلى غدٍ                         عسى نكباتُ الدهرِ عنك تحولُ

ختاماً: رحم الله أديب الأئمة وفقيه الأدباء محمد بن إدريس الشافعي، وجزاه عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.

بقلم: الدكتور ناصر بن عيسى بن أحمد البلوشي – أستاذ جامعي وباحث أكاديمي بجامعة زايد

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض