alh

(القادة العظام في تاريخ الإسلام)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

سبط رسول الله صلى الله عليه وسلـم وريحانته، وحفيد أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ابن علي المرتضى وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، خامس الخلفاء الراشدين، أمير المؤمنين،القائد المصلح، حكيم الأمة، جامع الكلمة، شبيه المصطفى، الطيب التقي، السيد الزكي، سيد شباب أهل الجنة، أحد اثنين انحصرت بهما ذرية نبي الأمة صلى الله عليه وسلـم ، وأحد الأربعة الذين باهل بهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلـم نصارى نجران.

كنيته أبومحمد، واسمه الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي الهاشمي القرشي رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلـم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

كان رضي الله عنه أميراً حكيماً من أمراء المؤمنين، وخليفةً راشداً من خلفاء المسلمين، وقائداً مصلحاً من قادة مدرسة رسول رب العالمين، وهذه إطلالة على أهم ملامح قيادته رضي الله عنه:

 

  1. القائد العابد الناسك:

من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه أنه كان قائداً عابداً مقبلاً على الصالحات والطاعات، فروي أنه كان إذا فرغ من الوضوء ‌تغير ‌لونه، فقيل له في ذلك فقال: «حق على من أراد أن يدخل على ذي العرض أن يتغير لونه» (وفيات الأعيان: 2/69)، وكان رضي الله عنه مداوماً على ذكر ربه، فيروى أنه كان إذا فرغ من صلاة الغداة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلـم جلس في مصلاه ‌يذكر ‌الله ‌حتى ‌ترتفع الشمس (البداية والنهاية: 11/193)، ويروى أنه كان يقول إذا طلعت الشمس: «سمع ‌سامع بحمد الله الأعظم لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سمع ‌سامع بحمد الله الأمجد لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (الطبقات الكبرى: 6/371)، وكان رضي الله عنه يقوم الليل، فقد روي أنه كان «يأخذ بنصيبه من القيام من ‌أول ‌الليل، وكان الحسين عليه السلام يأخذه من آخر الليل» (الزهد لأحمد: 141)، وكان رضي الله عنه مكثراً من حج بيت الله الحرام، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشياً، ولقد حج الحسن بن علي خمساً وعشرين حجة ماشياً، وإن النجائب لتقاد معه، ولقد ‌قاسم ‌الله ‌ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي الخف ويمسك النعل» (سير أعلام النبلاء: 3/260).

 

  1. القائد الجواد الكريم:

من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه أنه كان قائداً جواداً كريماً منفقاً محسناً سخياً، فيروى أنه رضي الله عنه سمع رجلاً إلى جانبه يدعو الله أن ‌يملكه ‌عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه (سير أعلام النبلاء: 11/195)، ويروى أنه «رأى غلاماً يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلباً هناك لقمة، فقال له الحسن: ما حملك على هذا؟ فقال: إني أستحي منه أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه، واشترى الحائط الذي هو فيه، فأعتقه وملكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي، ‌قد ‌وهبتُ ‌الحائط للذي وهبتني له» (البداية والنهاية: 11/196)، ويروى أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعث إلى الحسن بمائة ألف، فقال الحسن لجلسائه: من أخذ شيئاً فهو له (البداية والنهاية: 11/444)، ويروى أنه «دخل على أسامة بن زيد وهو يجود بنفسه ويقول: واكرباه واحزناه، فقال: وما الذي ‌أحزنك يا عم؟ فقال له: يا ابن رسول الله ستون ألف درهم دين عليَّ لا أجد لها قضاء، فقال الحسن: هي عليّ، قال: فك الله رهانك يا ابن النبي صلى الله عليه وسلـم، الله أعلم حيث يجعل رسالاته» (المحاسن والمساوئ، ص: 25).

 

  1. القائد العالم البليغ:

من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه أنه كان عالماً حكيماً وخطيباً مفوهاً وفصيحاً بليغاً، فقد رويت عنه خطب ومواعظ وحكم بليغة، فمما يروى عنه من الأقوال والحكم قوله رضي الله عنه: «هلاك الناس في ثلاث: الكِبْر والحرص والحسد، فالكبر هلاك الدين، وبه لُعن إبليس، والحرص عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل»، وقوله: «من اتكل على حسن اختيار الله له، لم يتمن أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له، وهذا حد الوقوف على الرضا بما ‌تصرف ‌به ‌القضاء» (البداية والنهاية: 11/199)، ويروى أنه رضي الله عنه قال ذات يوم لأصحابه: «إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً من سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجاً من سلطان جهله، فلا يمد يداً إلا على ثقة المنفعة، كان لا يسخط ولا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غلب على الكلام ‌لم ‌يغلب ‌على ‌الصمت، كان أكثر دهره صامتاً، فإذا قال بَذَّ القائلين، وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضياً، يقول ما يفعل، ويفعل ما لا يقول تفضلاً وتكرماً، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يستخص بشيء دونهم، كان لا يلوم أحداً فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتدأه أمران لا يرى أيهما أقرب إلى الحق، نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه» (البداية والنهاية: 11/199-200)، ويروى عنه قوله: «يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسم الله لك تكن غنياً، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن عادلاً، إنه كان بين أيديكم قوم يجمعون كثيراً ويبنون مشيداً ويأملون بعيداً، أصبح جمعهم بوراً وعملهم غروراً ومساكنهم قبوراً، يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فجد بما في يدك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع، وتلا هذه الآية: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ ‌خَيْرَ ‌الزَّادِ التَّقْوَى)«.

 

  1. القائد المصلح المسالم:

من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه أنه كان قائداً مصلحاً مسالماً، حيث مال إلى الصلح والسلم وتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه؛ حقناً لدماء المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ونبذاً للفرقة، وكراهةً للفتنة، ومراعاةً لمصلحة الدين ومآل الأمة، ورغبة فيما عند الكريم، وزهداً عن رياسة الدنيا الفانية، ورغبةً في الآخرة الباقية، فقد روى البخاري في صحيحه أن الحسن بن علي استقبل معاوية «بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس -عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز- فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فأعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه. فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما وقالا له وطلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب، قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الراوي: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلـم على المنبر -والحسن بن علي إلى جنبه-، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (البخاري: ٢٧٠٤)، وقال رضي الله عنه: «قد كان ‌جماجم ‌العرب في يدي، يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله تعالى، وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلـم» (المستدرك للحاكم: ٤٧٩٥)، وقال: «خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً، أو أكثر أو أقلُّ، كلهم تنضح ‌أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيمهُرِيق دمه» (تاريخ دمشق: 13/281)، وقال: «ما أحببت أن ألي من أمة محمد مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم، قد علمت ‌ما ‌ينفعني ‌مما ‌يضرني» (تاريخ دمشق: 13/263).

هكذا يتضح من موقف الحسن رضي الله عنه أنه بلغ ذروة السيادة بحسن أخلاقه وصلحه وحلمه، وحقنه لدماء المسلمين، وحرصه على صيانة الدماء والأموال والحرمات، وإزالة الشحناء والبغضاء والأحقاد، وقوة نظرته الاستشرافية في العواقب، فخلد التاريخ اسمه ورفع الله قدره وأجل المسلمون ذكره.

 

وبتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ومبايعته له، تنتهي بذلك فترة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وهي ثلاثون سنة، كما أخبر بذلك الصادق الأمين صلى الله عليه وسلـم بقوله: «خلافة النبوة ‌ثلاثون ‌سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء» (أبو داود: ٤٦٤٦)، وقال عليه الصلاة والسلام: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» (مسند أحمد: ١٨٤٠٦)، قال ابن كثير رحمه الله: «وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي رضي الله عنه، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك ‌كمال ‌ثلاثين ‌سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلـم، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من أكبر دلائل النبوة» (البداية والنهاية: 11/134).

 

وختاماً: رضي الله عن الصحابي الجليل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلـم وريحانته، الذي أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

 

بقلم: الدكتور ناصر عيسى أحمد البلوشي

كبير باحثين بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بإمارة دبي

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض