ذو النورين

القادة العظام في تاريخ الإسلام (الجزء الرابع)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

صاحب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، خليفة الفاروق رضي الله عنه، ثالث الخلفاء الراشدين، أمير المؤمنين، قائد المسلمين، جامع القرآن، فاتح البلدان، ذو الهجرتين، الحيي الحليم، المحسن المنفق، الرفيق الورع، التقي العابد، المتواضع الزاهد، رابع من أسلم من الرجال، أحد العشرة المبشرين بالجنة، الشهيد الصابر، كنيته أبو عبدالله، ولقبه ذو النورين، واسمه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبدشمس بن عبدمناف بن قصي بن كلاب الأموي القرشي رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

كان رضي الله عنه أميراً محسناً من أمراء المؤمنين، وخليفةً راشداً من خلفاء المسلمين، وقائداً حليماً من قادة مدرسة رسول رب العالمين، وهذه إطلالة على أهم ملامح قيادته رضي الله عنه:

1 القائد المخلص المسؤول: من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه أنه كان مخلصاً مسؤولاً عن قيادته، ولا أدل على ذلك مما يروى من قوله حين بويع بالخلافة: «أما بعد، فإني قد حُملت وقد قبلت، ألا وإني متبعٌ ولست بمبتدعٍ، ألا وإن لكم عليَّ بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسنّ سنة أهل الخير فيما لم تسنُّوا عن ملأٍ، والكفّ عنكم إلا فيما استوجبتم، ألا وإن الدنيا خضرةٌ قد شُهيت إلى الناس، ومال إليها كثيرٌ منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقةٍ، واعلموا أنها غير تاركةٍ إلا من تركها» (تاريخ الطبري: 4/422)، ومن شدة إخلاصه أنه كان يكتب إلى ولاته وعمال الخراج وقادة الأجناد وعامة الناس يوصيهم بتقوى الله ومراقبته وأداء حقوق الرعية ورعاية مصالح الناس والأمانة والعدل والعمل بشريعة الله والاتباع والحذر من الابتداع، ومن أمثلة هذه الكتب التي كان يوجهها إلى ولاته، قوله: «أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاةً، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباةً، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاةً، لم يخلقوا جباةً، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباةً ولا يكونوا رعاةً، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء.

ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو الذي تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء» (تاريخ الطبري: 4/245).

2 القائد الرباني الخلوق: من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه الإيمان العظيم بربه والاجتهاد في عبادة مولاه وخوفه وبكاؤه ومحاسبته لنفسه والحلم والسماحة واللين والتواضع والزهد والعفو والحياء والمروءة والعفة والكرم والشجاعة والحزم والصبر والعدل، فمما يدل على خلقه العظيم، ما رواه عمران بن عبدالله بن طلحة: «أن عثمان رضي الله عنه خرج لصلاة الغداة، فدخل من الباب الذي كان يدخل منه، فزحمه الباب، فقال: انظروا، فنظروا فإذا رجلٌ معه خنجرٌ أو سيفٌ، فقال له عثمان رضي الله عنه: ما هذا؟ قال: أردت أن أقتلك، قال: سبحان الله، ويحك علام تقتلني؟ قال: ظلمني عاملك باليمن، قال: أفلا رفعت ظلامتك إلي، فإن لم أنصفك أو أعديك على عاملي أردت ذاك مني؟ فقال لمن حوله: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، عدو أمكنك الله منه، فقال: عبدٌ همَّ بذنبٍ فكفه الله عني، آتني بمن يكفل بك، لا تدخل المدينة ما وليت أمر المسلمين، فأتاه برجلٍ من قومه فكفل به، فخلى عنه، قال عمران: فوالله ما ضربه سوطاً، ولا حبسه يوماً» (تاريخ المدينة لابن شبة: 3/1028).

3 القائد الاقتصادي المحسن: من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه انتهاجه لسياسة مالية عادلة في ضوء تعاليم الشريعة الإسلامية ومبادئها وأصولها وقواعدها التي تضمن الحياة الكريمة للرعية وتحرس الدين والعقيدة، فقد أخذ ما على المسلمين بالحق لبيت المال، وأعطاهم ما لهم من بيت المال بالحق، وأوصى بعدم ظلم أهل الذمة الذين يقيمون في دولة الإسلام وأخذ ما عليهم لبيت المال بالحق وإعطائهم حقوقهم بالحق ما داموا يؤدون الجزية، وأوصى عماله الذين يجمعون الخراج بالأمانة والوفاء، وبين رضي الله عنه للناس قواعد ومبادئ زكاة أموالهم، وقد اقترض من مصرف الزكاة وأنفقه للمصالح العامة وأنفق من الزكاة على الطعام للفقراء وأبناء السبيل، وأنشأ من أموال الزكاة منازل للضيافة، وأعطى من بيت المال لكل مملوك نصيبه من الزكاة، وقد انتهج سياسة مالية عامة بشأن خمس غنائم الفتوحات، فلم يسهم للصبي من الغنائم، وجعل السلب الذي يكون على القتيل في الحرب للقاتل الذي قتله، وأنفق نصيب النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته من خمس الغنائم الذي آل إلى بيت المال على الكراع والسلاح في الفتوحات، ولم يأخذ رضي الله عنه من بيت مال المسلمين شيئاً له ولا لأهله، وإنما ينفق من ماله الخاص على نفسه وأهل بيته، وقد جعل من بيت مال المسلمين مصدراً لتمويل الأهداف العليا للدولة، فقد كان بيت المال مصدراً للإنفاق على إدارة شؤون الدولة ومصالح الرعية وصرف مرتبات الولاة والجند والمؤذنين وعمال الدولة والإنفاق على الحج وكسوة الكعبة ونشر دعوة الإسلام، وتمويل إعادة بناء المسجد النبوي وتوسعة المسجد الحرام، والإنفاق على إنشاء أول أسطول بحري، وتمويل حفر الآبار.

4 القائد المجتهد الفقيه: من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه أنه كان قائداً مجتهداً فقيهاً، فقد عرف عنه رضي الله عنه اجتهادات في أقضية قضى بها ومسائل اجتهد بها في العبادات والمعاملات، فقد أتم الصلاة بالناس بمنى أربعاً؛ وذلك شفقة على ضعفاء المسلمين أن يفتنوا في دينهم، وزاد الأذان الثاني يوم الجمعة؛ وذلك لتنبيه الناس عن قرب وقت صلاة الجمعة بعد أن اتسعت رقعة المدينة، وبين أن سجود التلاوة على تالي القرآن وعلى الجالس لسماع القرآن وليس لمن سمعه من غير قصد، وقد جعل القنوت قبل الركوع دائماً؛ وذلك ليدرك الناس الركعة مع الإمام، وقد رأى رضي الله عنه أن الإفراد أفضل من القرآن والتمتع في الإحرام للحج، ولم يجز أن يأكل المحرم من الصيد الذي صاده هو أو صاده غيره له، وكره أن يجمع بين القرابة في الزواج؛ مخافة الضغائن، وكان يرى الحجر على السفيه والمفلس، ومنع من الاحتكار ونهى عنه سواء أكان طعاماً أو غيره، وقد حكم في ضوالِّ الإبل أن تعرف ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، وحكم بتوريث المرأة إذا طلقها زوجها في مرض الموت مطلقاً سواء مات زوجها وهي في العدة أو بعدها.. إلى آخر المسائل التي اجتهد فيها رضي الله عنه.

5 القائد القرآني الموحد: من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه عندما اتسعت الدولة لإسلامية في عهده، حمله الناس على القراءة بوجه واحد، فأمر بجمع القرآن على لغة (لهجة) قريش؛ وذلك خشية الفتنة عند اختلاف قراء أهل العراق والشام وغيرهما من بلاد الإسلام في حروف القراءات، وتفضيل كل منهم لقراءته ولهجته، فأمر رضي الله عنه عدداً من أشهر قراء الصحابة إتقاناً لحفظ القرآن ووعياً لحروفه وأداءً لقراءته وفهماً لإعرابه ولغته بأن يقوموا بهذه المهمة، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه «أن حذيفة بن اليمان، قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابتٍ، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشامٍ فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابتٍ في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريشٍ، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفقٍ بمصحفٍ مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفةٍ أو مصحفٍ أن يحرق» (البخاري: 4987).

6 القائد الفاتح المنتصر: من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه اتساع الدولة الإسلامية في عهده، فقد فتح المسلمون في عهده بلاداً كثيرة، حيث أعيد فتح كل من أذربيجان بقيادة الوليد بن عقبة بعدما تمرد أهلها أكثر من مرة، وأعيد فتح الري بقيادة قريظة بن كعب الأنصاري، وأحبطت تحركات الروم نحو الشام في عهده بقيادة حبيب بن مسلمة الفهري وسلمان بن ربيعة الباهلي، وفتحت طبرستان في عهده بقيادة سعيد بن العاص، وفتحت مدن خراسان وفارس كأبرشهر وطوس وبيورد ونسا وسرخس ومرو والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان بقيادة عبدالله بن عامر، وفتحت قبرص بقيادة معاوية بن أبي سفيان، وأعيد فتح الإسكندرية بقيادة عمرو بن العاص بعد استرجاعها من الروم، وفتح بلاد النوبة وإفريقية بقيادة عبدالله بن سعد بن أبي السرح.

7 القائد الحكيم الصابر: من أهم ملامح قيادته رضي الله عنه الحكمة والحلم، ولا أدل على ذلك من حرصه على أن لا يقتل أحد بسببه؛ وذلك في قصة استشهاده رضي الله عنه، فبعد أن ولي عدداً من السنين خليفة للمسلمين، بدأت أحداث الفتنة في النصف الثاني من ولايته، إلى أن دبر المنافقون ومن عاونهم من الجهال الحاقدين المتعصبين قتله في سنة (35ه)، فحاصروه رضي الله عنه في داره، فهددوه بالقتل، فتحرك جمع من الصحابة لرد هذه الفئة الباغية وقتالهم، فوجه رضي الله عنه الصحابة لعدم قتال المحاصرين وسفك دماء المسلمين من أجله، فتقوم بسببه فتنة بين المسلمين، فهاجم البغاة الخارجون دار عثمان وهجموا عليه فقتلوه، وهو صائم يقرأ في المصحف، فانتضح الدم إثر قطع يده على قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) (البقرة: 137).

ختاماً: رضي الله عن الصحابي الجليل الشهيد عثمان ذي النورين، الذي كان خير الصاحب لنبينا صلى الله عليه وسلم، وخير القائد والأمير للمؤمنين، والذي سخر حياته وماله دفاعاً عن الإسلام والمسلمين وكتابهم الكريم، والحمد لله رب العالمين.

الدكتور ناصر عيسى البلوشي (كبير باحثين بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي)

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض