أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله

السُّني الفقيه أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله (المتوفى سنة: 241ه)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

فقهاء عظام في تاريخ الإسلام الجزء (10)

إمام أهل السنة والجماعة، فقيه الإسلام، محدث الأنام، الحافظ الكبير، الشيخ المبجل، المفتي المخلص، العابد الورع، التقي الزاهد، العفيف الحيي، الصابر المحتسب، المتواضع المهاب، الحليم النبيل، الجواد الكريم، الناصح الحكيم، كنيته أبو عبدالله، واسمه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبدالله بن حيان بن عبدالله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة الشيباني الذهلي رحمه الله ورحم الله فقهاء المسلمين.

كان “رحمه الله” فقيهاً سنياً من فقهاء المسلمين، وإماماً محدثاً من أئمة المؤمنين، وهذه إطلالة على أهم ملامح فقهه وإمامته “رحمه الله”:

1. الفقيه الحافظ المحدث:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان حافظاً لأحاديث نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام ومحدثاً بها، ثقة، حجة، صدوقاً، إمام المحدثين وشيخ الحفاظ، وقد رحل إلى بلاد كثيرة ليسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتقنه ويحفظه ويجمعه ويفهمه ويستنبط منه الأحكام ويعمل به ويبلغه إلى عباد الله، ولا أدل على ذلك من شهادة كبار علماء الإسلام بعظم حفظه وإمامته في الحديث، فيروى عن عبدالله بن أحمد بن حنبل أنه قال: «قال لي أبي: ‌خذ ‌أي ‌كتاب ‌شئت ‌من ‌كتب ‌وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام» (مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: 76)، وروي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: ‌«انتهى ‌الحديث ‌إلى ‌أربعة: إلى أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به» (تاريخ بغداد: 11/259)، ويروى عن أبي زرعة الرازي أنه قال: «كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ‌ذاكرته ‌فأخذت ‌عليه الأبواب» (تاريخ بغداد: 6/90)، ويروى أنه قيل لأبي زرعة: ‌«من ‌رأيت ‌من ‌المشايخ ‌المحدثين أحفظ، فقال: أحمد بن حنبل حُزرت كتبه اليوم الذي مات فيه، فبلغت اثني عشر حملاً، ما على ظهر كتاب منها: حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، وكل ذلك كان يحفظه من ظهر قلبه» (الجامع لأخلاق الراوي: 2/177)، وروي عن علي ابن المديني قوله: «‌ليس ‌في ‌أصحابنا ‌أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل» (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1/295)، ومن أعظم الدلائل على كونه إمام المحدثين وشيخ الحفاظ مسنده العظيم الذي «‌جمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره» (وفيات الأعيان: 1/64).

2. الفقيه المجتهد العالم:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان مجتهداً عالماً بالأصول والفروع، واستنباط الأحكام من الأصلين العظيمين الكتاب والسنة، حتى صار له مذهب فقهي أصيل له منهجه وأصوله، واعتبر أحد المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة، وقد شهد بفقهه كبار العلماء، فروي عن عبدالرزاق الصنعاني قوله: ‌«ما ‌رأيت ‌أفقه ‌من ‌أحمد بن حنبل ولا أروع»، وروي عن الخلال أنه قال: «وكان أحمد قد ‌كتب ‌كُتب ‌الرأي وحفظها، ثم لم يلتفت إليها، وكان إذا تكلم في الفقه تكلم كلام رجل قد انتقد العلوم، فتكلم عن معرفة» (مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: 79 و87)، وروي عن أبي زرعة قوله: «ما أعلم في ‌أصحابنا ‌أسود ‌الرأس أفقه من أحمد بن حنبل» (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1/294)، وقال ابن قيم الجوزية: «إمام أهل السنة على الإطلاق: أحمد بن حنبل، الذي ملأ الأرض علماً وحديثاً وسنة، حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعُه إلى يوم القيامة، وكان “رضي اللَّه عنه” شديدَ الكراهة لتصنيف الكتُب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يُكتب كلامُه، ويشتد عليه جداً، فعلم اللَّه حُسْنَ نيته وقَصْده، فكتب من كلامه وفَتْواه أكثر من ثلاثين سفراً، ومَنَّ اللَّه سبحانه علينا بأكثرها، فلم يَفُتْنَا منها إلا القليل، ‌وجمع ‌الخَلَّالُ ‌نصوصه في “الجامع الكبير” فبلغ نحو عشرين سِفْراً أو أكثر، ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّثَ بها قرناً بعد قرن، فصارت إماماً وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعَظِّمونَ نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأَمَّلَ فتواه وفتاوى الصحابة رأى مُطابقة كل منهما للأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مِشْكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم» (إعلام الموقعين: 2/49).

3. الفقيه السني المتبع: 

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان معظماً ومجلاً ومحبّاً وعاملاً ومعلماً ومتبعاً لسنة نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد دل على ذلك كثير من النصوص والآثار التي رويت عنه، من ذلك ما روي عن الحسن بن أيوب البغدادي أنه قال: «قيل لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: أحياك الله يا أبا عبدالله على الإسلام. قال: والسنة»، وروي عن عبدالملك الميموني أنه قال: «ما ‌رأت ‌عيني ‌أفضل من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحداً من المحدثين أشد تعظيماً لحرمات الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إذا صحت عنده، ولا أشد اتباعاً منه»، وروي عن صالح بن أحمد بن حنبل أنه قال: «سمعت أبي يقول: مَن عَظَّمَ أصحاب الحديث، تعظم في عين رسول الله، ومن حقرهم، سقط من عين رسول الله، لأن أصحاب الحديث أحبار رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وروي عن أبو بكر المروذي أنه قال:«قلت لأبي عبدالله: من مات على الإسلام والسنة مات على خير؟ فقال لي: اسكت، من مات على الإسلام والسنة قد مات على الخير كله»، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: «من رد حديث رسول الله فهو على شفا هلكة» (مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: 243، 247، 248، 249).

4. الفقيه العابد الزاهد:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان عابداً تقياً عفيفاً ورعاً زاهداً، وقد رويت كثير من الآثار عن عبادته وورعه، من ذلك ما روي عن عبدالله بن أحمد أنه قال: «‌رأيت ‌أبي ‌لما كبر وأسن اجتهد في قراءة القرآن، وكثرة الصلاة بين الظهر والعصر، فإذا دخلت عليه انفتل من الصلاة، وربما تكلم وربما سكت، فإذا رأيت ذلك خرجت، فيعود لصلاته، ورأيته وهو مختف أكثر يقرأ القرآن» (مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: 385)، وروي عن عبدالله بن أحمد أنه قال: «كان أبي يقرأ في كل يوم سبعاً، يختم في كل سبعة أيام، ‌وكانت ‌له ‌ختمة ‌في كل سبع ليالٍ، سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلى عشاء الآخرة ينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو»، وروي عن علي بن المديني قوله: «دخلت منزل أحمد بن حنبل، ‌فما ‌بيته ‌إلا ‌بما وصف به بيت سويد بن غفلة من زهده وتواضعه» (حلية الأولياء: 9/174و181)، وروي عن أبي داود أنه قال: «كانت ‌مجالس ‌أحمد ‌مجالس ‌الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط» (سير أعلام النبلاء: 11/199)، وروي عن أبي عمر بن النحاس وذكر أحمد يوماً فقال: «رحمه الله في الدين ما كان أبصره، ‌وعن ‌الدنيا ‌ما ‌كان ‌أصبره، وفي الزهد ما كان أخبره، وبالصالحين ما كان ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها» (البداية والنهاية: 14/407).

5. الفقيه الكريم الحليم:

من أهم ملامح فقهه “رحمه الله” أنه كان جواداً كريماً حليماً عفوّاً متواضعاً، فقد روي عن يحيى بن هلال الوراق أنه قال: «جئت إلى محمد بن عبدالله بن نمير فشكوت إليه، فأخرج إلي أربعة دراهم أو خمسة دراهم، وقال: هذا نصف ما أملك، قال: وجئت مرة إلى أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل فأخرج إلى أربعة وقال: ‌هذه ‌جميع ‌ما ‌أملك» (مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: 325)، وروي عن عبدالله بن هانئ أنه قال: «كنت عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبدالله قد اغتبتك، فاجعلني في حل، قال: ‌أنت ‌في ‌حل ‌إن لم تعد»، وروي عن يحيى بن معين قوله: «ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ‌صحبناه ‌خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير» (حلية الأولياء: 9/174و181)، وروي عن المروذي قوله: «لم أرَ الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد، ‌كان ‌مائلاً ‌إليهم، مُقصِراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا، لا يتكلم حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده، لم يتصدر» (سير أعلام النبلاء: 11/218)، وروي عن الربيع بن سليمان أنه قال: «قال لنا الشافعي: ‌أحمد ‌إمام ‌في ‌ثماني ‌خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة» (طبقات الحنابلة لابي يعلى: 1/5).

ختاماً: رحم الله ناصر السنة وفقيه الملة أحمد بن حنبل الشيباني، وجزاه عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.

بقلم: الدكتور ناصر بن عيسى بن أحمد البلوشي، أستاذ جامعي وباحث أكاديمي بجامعة زايد

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض