Capture

الجبل الفقيه معاذ رضي الله عنه (المتوفى سنة: 18ه)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

سلسلة فقهاء عظام في تاريخ الإسلام (1)

رئيس الفقهاء، إمام العلماء، حكيم الحكماء، شيخ المعلمين، كنز المتعلمين، كبير القراء، العالم بالحلال والحرام، الورع العابد، الجواد الكريم، القانت الحنيف، كنيته أبو عبدالرحمن، واسمه مُعَاذ بن جَبَل بن عَمرو بن أوس بن عَائذِ بن عَدِي بن كعب بن عمرو بن أُدَيِّ بن سعد بن عُلَى بن أسد، بن سَارِدة بن تزيد بن جُشَم بن الخزْرَج الأنصاريِّ الخزرجيِّ الجشميِّ المدنيِّ رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلـم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كان رضي الله عنه فقيهاً عظيماً من فقهاء المسلمين، وإماماً عالماً من أئمة المؤمنين، وهذه إطلالة على أهم ملامح فقهه وإمامته رضي الله عنه:

1. الفقيه بالقرآن والسنة:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان عالماً بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «استقرئوا القرآن من أربعةٍ: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل» (مسلم: 2464)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه» (البخاري: 5004).

2. الفقيه بالحلال والحرام:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان عالماً بالحلال والحرام، فقد روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن لما بعث معاذاً: «إني قد بعثت عليكم من خير أهلي، والي علمهم، والي دينهم» (الطبقات الكبرى لابن سعد: 3/439)، وشهد عليه الصلاة والسلام له بعلم بالحلال والحرام فقال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (سنن الترمذي: 3791)، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «معاذ بن جبل أعلم الناس بحلال الله وحرامه» (حلية الأولياء: 1/228)، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «من أحب أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أحب أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أحب أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أحب أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني خازناً وقاسماً» (المصنف لابن أبي شيبة: 32896).

3. الفقيه المفتي القاضي:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان مفتياً وقاضياً، فقد روي عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه قال: «كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفرٍ من المهاجرين وثلاثةٌ من الأنصار: عمر وعثمان وعلي، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت» (الطبقات الكبرى: 2/267)، وروي عن صفوان بن سليم قال: «لم يكن يفتي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء القوم: عمر وعلي ومعاذ وأبو موسى» (تاريخ دمشق: 32/66).

4. الفقيه الموجه الناصح:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان موجهاً وموصياً وناصحاً للمسلمين، فقد روي أنه كان يحث على التمسك بالحق ويحذر من الابتداع والفتن، ومن ذلك قوله: «إن من ورائكم فتناً، يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني، وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتَّبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً» (سنن أبي داود: 4611)، وروي أنه كان يوصي بطلب العلم، «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله تعالى خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والدين عند الأجلاء، يرفع الله تعالى به أقواماً، ويجعلهم في الخير قادة وأئمة، تقتبس آثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، حتى الحيتان في البحر وهوامه، وسباع الطير وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلم، يبلغ بالعلم منازل الأخيار، والدرجة العليا في الدنيا والآخرة. والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به توصل الأرحام، ويُعْرَفُ الحلال من الحرام، إمام العمال، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء» (حلية الأولياء: 1/238).

5. الفقيه الجواد السمح:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان جواداً كريماً سمحاً، فقد روي أنه رضي الله عنه «جد نخلة (أي قطع ثمار النخلة) فلم يزل يتصدق من تمره، حتى لم يبق منها شيء، فنزلت: (ولا تسرفوا)» (مصنف عبدالرزاق: 7267)، وروي «أن عمر بن الخطاب، أخذ أربعمائة دينارٍ، فجعلها في صرةٍ، فقال للغلام: اذهب بهم إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تَلَهَّ ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها، فرجع الغلام وأخبره، فوجده قد أعد مثلها إلى معاذ بن جبل، فقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتَلَهَّ في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، واذهبي إلى بيت فلان بكذا، فَاطَّلَعَتِ امرأة معاذ، فقالت: نحن والله مساكين، فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما (أي دفعهما) إليها، ورجع الغلام إلى عمر، فأخبره وسر بذلك، وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض» (المعجم الكبير للطبراني: 46).

6. الفقيه المعلم القانت:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان معلم الناس الخير، قانتاً مطيعاً لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقد روي أن فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن معاذ بن جبلٍ كان أمةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فقلت: غلط أبو عبدالرحمن، إنما قال الله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، فأعادها علي، فقال: إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فعرفت أنه تعمد الأمر تعمداً، فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الناس الخير، والقانت المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان معاذ، كان يعلم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ولرسوله» (الطبقات الكبرى: 2/348).

7. الفقيه الصادق الوفي:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان وفياً لأصحابه يدافع عنهم ويصون أعراضهم، فقد روي عن كعب بن مالك في قصَّة غزوة تبوك، وتخلُّفِه عنها، والتي جاء فيها قوله: «ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه ونظره في عطفه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيراً» (البخاري: 4418).

8. الفقيه المتقي الورع:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان متقياً ورعاً، فقد روي عن طاوس قوله: «قدم معاذ أرضنا، فقيل له: لو أمرت فجمع من هذا الصخر والخشب، فنبني لك مسجداً، قال: إني أخاف أن أكلف حمله يوم القيامة على ظهري» (الزهد لأحمد بن حنبل، ص: 148).

9. الفقيه المصاحب للنبي صلى الله عليه وسلم:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان مصاحباً للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد شهد بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة، وشهد بدراً وأحد والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وقد أحبه النبي وقربه، فقد روي عنه رضي الله عنه: «أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم أخذ بيدِه وقال: يا معاذُ والله إني لأحِبُّك، فقال: أُوصيكَ يا معاذ لا تَدَعن في دُبُر كُل صلاةٍ تقول: اللهُمَّ أعني على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتك» (سنن أبي داود، 1522).

10. الفقيه المستشار المؤتمن:
من أهم ملامح فقهه رضي الله عنه أنه كان أحد أهل الشورى الذين استشيروا من قبل الخلفاء الراشدين، فروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه «كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، ودعا عمر وعثمان وعلياً وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت» (الطبقات الكبرى، 2/350).

ختاماً: رضي الله عن الفقيه الإمام معاذ بن جبل، وجزاه عما قدمه للإسلام والمسلمين خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.

بقلم: الدكتور ناصر بن عيسى بن أحمد البلوشي – أستاذ جامعي وباحث أكاديمي بجامعة زايد

IAI
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض