1

أخلاقيات الثورة الصناعية الرابعة في الشريعة الإسلامية (1)

Share on email
Share on facebook
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on twitter

بقلم: الدكتور ناصر عيسى أحمد البلوشي
كبير باحثين بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

يشهد العالم اليوم ثورة صناعية رابعة، ثورة ينتج عنها خدمات ومنتجات وتقنيات ذكية غير مسبوقة في قطاعات الحياة المختلفة من صحة وتعليم ومياه وطاقة ونقل وتكنولوجيا، فهي ثورة رقمية تتميز بالسرعة المتزايدة والجودة العالية والنطاق الشامل والتأثير الكبير على جميع قطاعات الحياة؛ لإنتاج وتقديم خدمات متميزة ومنتجات متقنة ذات جودة عالية، وقد ظهر جزء من آثار هذه الثورة وجزء كبير سيظهر في المستقبل.
وهذه إطلالة على أهم الأخلاقيات والأسس الشرعية لهذه الثورة التي تنبغي مراعاتها ليستفاد من إيجابياتها وتُجتنب سلبياتها على قطاعات الحياة المختلفة:

1.العدالة:
بأن تكون تقنيات الثورة الصناعية متاحة للجميع ويستطيع الكل استخدامها، ولا يقتصر استخدامها على فئة دون الأخرى، بحيث يستطيع الحصول عليها والاستفادة منها كل من يرغب بها أو يحتاجها، بما يحقق السعادة وجودة الحياة لكافة أفراد المجتمع.
فالمتأمل والناظر في التوقعات المستقبلية للثورة الصناعية، يجد أن الخدمات التي ستنتج عنها ستكلف بالتأكيد ميزانية عالية، قد يجعلها في متناول بعض أفراد المجتمع دون غيرهم، ونحن نجد في ديننا ما يدعونا لتحقيق مبدأ العدالة، وذلك عملاً بمقتضى كثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تدل على العدل في سائر شؤون الحياة، كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90)، وقوله سبحانه: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (الشورى: 15)، وقوله جل وعلا: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (الأعراف: 181)، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (مسلم: 1827).
فيتضح من مجموع هذه الآيات والأحاديث أهمية تحقيق العدالة في جميع جوانب الحياة، ومنها ما يتعلق بالحقوق المجتمعية وتيسير حياة الناس.
وعليه فينبغي أن تكون تقنيات الثورة الصناعية الرابعة متاحة ضمن استطاعة أفراد المجتمع، بحيث يستطيع الجميع أن يتمتع بها ويستفيد منها، سواء أكانت تقنيات تخدم الجانب الطبي أو التعليمي أو الغذائي أو النقل والمواصلات أو غير ذلك.
فعلى سبيل المثال ينبغي أن يحصل كل أفراد المجتمع على المياه النظيفة والتعليم الجيد والعلاج الصحي المتطور الذي سينتج عن الثورة الصناعية الرابعة.

2.تشريع الأنظمة:
بأن توضع أنظمة تشريعية لأجهزة الذكاء الاصطناعي، تنظم التقنيات والصناعات التي ستنتج عن الثورة الصناعية الرابعة.
فمجالات الثورة الصناعية ستتطور وتتنوع وتشمل العديد من جوانب الحياة، فهذا سيعني استحداث أمور جديدة لم تكن معهودة من قبل، تترتب عليها آثار وتبعات، لذا ينبغي أن ينظم ذلك وفق نظام خاص دقيق يراعي المصالح ويدرأ المفاسد المحتملة، ويحفظ الحقوق، لذا فإنه من الحكمة سن أنظمة تشريعية؛ وذلك عملاً بالدليل الشرعي (المصالح المرسلة)، الذي أجاز لولي الأمر أن يسن من الأنظمة التشريعية ما فيه مصلحة للناس ما لم تخالف أحكام الشريعة الإسلامية.
وعليه فينبغي وضع أنظمة تشريعية وسياسات إرشادية تنظم عمل التقنيات والأجهزة والصناعات التي ستنتجها الثورة الصناعية الرابعة للحفاظ على سلامة الجنس البشري والبيئة.
فعلى سبيل المثال من المهم وضع أنظمة تشريعية توضح ما يترتب على ارتكاب الروبوت لجرائم واعتداءات بشرية أو بيئية أو أخلاقية، أو قيامه باختراق خصوصية الآخرين، أو قيام الروبوت المقاتل بقتل مدنيين في الحروب، أو قيام الروبوت الطبي بارتكاب أخطاء طبية أثناء إجراء العمليات الطبية، بالإضافة إلى وضع أنظمة وحدود للروبوت في التعامل والعناية بالأطفال وكبار السن في المنازل، ومسؤولية الحوادث التي تنتج عن السيارات والطائرات ذاتية القيادة، وغيرها من الأمور التي تستدعي وضع ضوابط تحفظ الأمن وتكفل الحقوق وتؤدي للسلامة من الضرر.

3.المرجعية الشرعية:
بأن تكون تقنيات الثورة الصناعية الرابعة مباحة في الشريعة الإسلامية ومجازة من قبل علماء الشريعة المختصين، فلا بد من أخذ الحكم الشرعي من المجامع الفقهية المعتمدة أو هيئات الإفتاء المعتمدة في الدول الإسلامية، قبل تصنيع أي تقنية واستخدامها، لمعرفة مدى موافقتها للشرع المطهر.
فالمجتمع الإسلامي يتميز بأن شؤونه منظمة بدقة تراعي مصالح الناس فتحفظ عليهم دينهم ودنياهم، فجميع شؤون المجتمع ومجالاته وقطاعاته تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية السمحة، التي تنظم للناس أمر دنياهم بما لا يتعارض مع دينهم، وهذا يعطي المجتمع ميزة وقوة؛ لأن الشريعة ما جاءت إلا بكل خير وصلاح للعباد والبلاد.
فالشريعة الإسلامية تشجع على العلم والتعلم، ولا تقف في وجه كل مستجد وجديد، وإنما تنظم ذك بحدود تكفل الصلاح للفرد والأمة على حد سواء.
ومع قدوم الثورة الصناعية الرابعة فإنه مما لا شك فيه أن هناك مستجدات تطال كثيراً من جوانب الحياة في المجتمع، مما يستدعي أن يشارك في الإشراف عليها وتنظيم شؤونها والإفتاء في أمرها نخبة من علماء الدين يجمعون بين العلم الشرعي والإلمام الكافي ليستطيعوا الحكم على التقنيات الحديثة إن كانت توافق مقاصد وأحكام الدين الحنيف أم تتعارض معه، وكيف السبيل لتصحيح ما لا يناسب الدين، وما البدائل الشرعية المتاحة، وذلك عملاً بما دلت عليه آيات الكتاب الحكيم من تحكيم الشرع المطهر في كل أمور الحياة، كما في قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) (المائدة: 49)، وقوله جل وعلا: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (النساء: 65)، وقوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب: 36)، وقوله عز وجل: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) (الأعراف: 54)، وقوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية: 18).
فيتبين من مجموع هذه الآيات أنه يجب تحكيم الشريعة في كل جوانب الحياة، ومن ذلك ما يستجد في حياة المسلمين، ومنها المستجدات التي ستشهدها الثورة الصناعية الرابعة، سواء أكانت هذه المستجدات في المجال التعليمي أو الصحي أو البيئي أو غير ذلك.
فعلى سبيل المثال ينبغي أن يؤخذ الحكم الشرعي للجزئيات النانوية التي ستربط بأجسام الأشخاص للتعرف على الخلايا السرطانية والقضاء عليها، وكذلك حكم العلاج الجيني والتعديل الجيني وبناء الأعضاء التي يراد منها أن تكون كبدائل لجسم الإنسان، وحكم استخدام الهندسة الوراثية في مكافحة الأمراض في جسم الإنسان، وحكم الاستعانة بالهندسة الجينية للوقاية من انتقال الأمراض الوراثية وإزالتها من الجنس البشري بالكامل، وحكم الولادة في الأرحام الاصطناعية بقصد الحفاظ على الجنين.
وختاماً: نسأل المولى العظيم أن يفقهنا في دينه، وأن يديم نعمة الأمن والأمان والخير والعز والسعادة والاطمئنان على بلادنا وبلاد الإسلام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض