يشهد النظام الدولي منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحوّلاً عميقاً أعاد إلى الواجهة مفاهيم ظُنّ أنها أصبحت من إرث الحرب الباردة، مثل الحروب عالية الكثافة والاستنزاف الطويل وتعبئة الموارد الوطنية. غير أن هذه العودة لا تعني استنساخ الماضي، بل تعكس انتقالاً إلى بيئة صراعية أكثر تعقيداً تتداخل فيها ساحات القتال التقليدية مع الفضاء السيبراني وسلاسل الإمداد العالمية والبنى التحتية الحيوية وحرب المعلومات. وبذلك لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت ضغطاً شاملاً يستهدف الدولة بوصفها منظومة متكاملة.

في هذه البيئة تتبلور تهديدات مركبة تتجاوز الفصل التقليدي بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية. فالضربة السيبرانية على منظومة طاقة قد تعادل في أثرها ضربة صاروخية، وتعطيل شبكات الاتصالات قد يربك القيادة والسيطرة بقدر ما تفعل خسارة وحدة ميدانية، كما أن اضطراب سلاسل الإمداد قد يحد من قدرة الدولة على تعويض خسائرها العسكرية. وهكذا يتداخل العسكري بالاقتصادي والتقني بالمجتمعي في مشهد تتآكل فيه الحدود بين زمن السلم وزمن الحرب.
ضمن هذا التحول، تعود القوات البرية إلى قلب التفكير الاستراتيجي، إذ تبقى السيطرة على الأرض الشرط الحاسم لتحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي. فالأرض هي المجال الذي تتجسد فيه السيادة وتُحمى فيه المؤسسات والسكان والبنى التحتية الحيوية. ومع ذلك، فإن استعادة مركزية القوات البرية لا تعني العودة إلى الجيوش الكتلية الضخمة، بل تفرض إعادة تعريف مفهوم التعبئة نفسه.
لم يعد السؤال الأساسي عدد الجنود الذين يمكن استدعاؤهم، بل ما إذا كانت الدولة تمتلك نظام تعبئة قادراً على توليد الكتلة البشرية والعمق النوعي والمرونة التنظيمية والاستدامة الصناعية في آن واحد. فكثير من الجيوش المهنية التي نشأت بعد الحرب الباردة تمتلك احتياطاً بشرياً، لكنها تفتقر إلى منظومة تعبئة استراتيجية متكاملة، بعد أن استُبدلت أنظمة التعبئة الواسعة بنموذج احترافي يركز على الجاهزية الفورية أكثر من القدرة على التوسع.
وقد أدى هذا التحول إلى إضعاف البعد المجتمعي للدفاع، إذ أصبح الأمن في نظر قطاعات واسعة شأناً يخص الجيوش المهنية وحدها. غير أن الصراعات الطويلة تكشف أن الحسم لا يعتمد فقط على كفاءة الوحدات القتالية، بل على قدرة الدولة ككل على امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم مواردها وتحمل كلفة المواجهة.
لذلك يبرز اليوم تحدي الانتقال من نموذج «الجيش المهني» إلى نموذج «الدولة القابلة للتحول»، حيث تُربط القوات البرية بشبكة أوسع تشمل الصناعة الدفاعية والبنى التحتية الحيوية والجامعات والشركات التقنية والسلطات المحلية. فإصلاح نظام التعبئة لا يتعلق فقط بتنظيم القوات المسلحة، بل بإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وهكذا يعيد عصر التهديدات المركبة طرح سؤال الدولة بوصفها كياناً قادراً على التحول في زمن الأزمات. وفي قلب هذا السؤال تقف القوات البرية، ليس فقط كقوة قتال، بل كركيزة لإعادة بناء القدرة الوطنية على الصمود والتعبئة الشاملة.
في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة التحولات الجارية في وظيفة القوات البرية ضمن بيئة الصراعات المعاصرة، واستكشاف انعكاساتها على مفهوم التعبئة الاستراتيجية، وذلك من خلال أربعة محاور مترابطة: أولاً تحليل طبيعة التهديدات المركبة وإعادة تعريف دور القوات البرية في مواجهتها؛ ثانياً مناقشة التوازن بين الكتلة البشرية والعمق النوعي للقوة العسكرية؛ ثالثاً تفكيك حدود النموذج العسكري الذي تشكّل في سياق ما بعد الحرب الباردة؛ ورابعاً استشراف ملامح نموذج تعبئة استراتيجية شامل قادر على تعزيز مرونة الدولة وقدرتها على الصمود في الصراعات الممتدة.

أولاً: التهديدات المركبة وإعادة تعريف وظيفة القوات البرية
تتسم التهديدات المركبة بثلاث خصائص رئيسية تعيد صياغة مفهوم الصراع المعاصر: تعددية الساحات، وتسارع الإيقاع، واستهداف البنية المجتمعية بالتوازي مع القوة العسكرية. فالحرب لم تعد حدثاً منفصلاً زمنياً ومكانياً، بل عملية ممتدة ومتشابكة تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الفضاء السيبراني، وشبكات الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الرقمي، والإعلام، والرأي العام. إنها حرب تُدار في آن واحد عبر الدبابات والطائرات، وعبر الخوارزميات والشبكات والمنصات. وفي هذا السياق، يصبح الفصل التقليدي بين «الجبهة» و«الداخل» فصلاً نظرياً أكثر منه واقعياً.
تعددية الساحات تعني أن الخصم لا يراهن فقط على التفوق العسكري المباشر، بل على خلق ضغوط متزامنة عبر مجالات مختلفة. فقد يترافق تحرك بري محدود مع هجمات سيبرانية تستهدف شبكات القيادة والسيطرة، ومع حملات تضليل إعلامي تهدف إلى إضعاف الثقة الداخلية، ومع ضغوط اقتصادية أو صناعية تقوّض قدرة الدولة على التعويض. هذا التزامن يفرض على القوات البرية العمل في بيئة تتسم بعدم اليقين، حيث لا يكون التهديد مرئياً دائماً في شكل وحدات معادية، بل في صورة تعطّل شبكات أو ارتباك معلوماتي أو نقص في الإمدادات.
أما تسارع الإيقاع، فيرتبط بالتحولات التكنولوجية التي قلّصت الفجوة الزمنية بين القرار والتنفيذ، وبين الاكتشاف والاستهداف. في النزاعات الحديثة، يمكن أن تنتقل المعلومات من الاستشعار إلى النيران خلال دقائق، وأن تتغير معادلات الميدان في ساعات قليلة. هذا التسارع يضع القوات البرية أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على مرونة تكتيكية عالية في الميدان، والقدرة على التكيّف الاستراتيجي السريع في بنية القيادة والتعبئة. لم يعد الزمن يسمح ببناء قدرات تدريجية في لحظة الأزمة؛ بل يتطلب وجود منظومة جاهزة للتوسع الفوري.
الخاصية الثالثة، وهي استهداف البنية المجتمعية، تمثل أخطر أبعاد التهديدات المركبة. فالصراع لا يستهدف القوات المسلحة فقط، بل يسعى إلى تقويض الثقة بالمؤسسات، وإرباك الحياة اليومية، وتعطيل الخدمات الأساسية، وإثارة الانقسامات الداخلية. الهجوم على شبكة كهرباء أو على نظام مالي أو على بنية اتصالات قد يكون هدفه النهائي إضعاف الإرادة السياسية قبل إضعاف القدرة العسكرية. في هذا السياق، تتحول الجبهة الداخلية إلى ساحة صراع قائمة بذاتها، وتصبح حماية التماسك المجتمعي جزءاً لا يتجزأ من مهمة الدفاع.
ضمن هذه البيئة المعقدة، يعاد تعريف وظيفة القوات البرية. فهي لم تعد مجرد أداة مناورة ونيران في مسرح عمليات محدد، بل تتحول إلى ركيزة صمود ومرتكز تنظيمي للدفاع الوطني. وجودها على الأرض يمنح الدولة قدرة على التثبيت والاستقرار، وعلى تأمين الفضاء الحيوي الذي تجري فيه الحياة اليومية. فالقوات البرية هي التي تحمي محطات الطاقة، والموانئ، والمطارات، والمخازن اللوجستية، ومراكز الاتصالات، وهي التي تضمن استمرار عمل المؤسسات في ظل الضغط.
إن السيطرة على الأرض ليست مسألة رمزية أو معنوية فحسب، بل شرط مادي لاستمرارية الدولة. فالأرض هي المجال الذي تُمارس فيه السيادة، وتُفرض فيه القوانين، وتُحمى فيه المؤسسات. وفي غياب حضور بري منظم، قد تتحول أي منطقة إلى فراغ أمني قابل للاستغلال. لذلك، فإن القدرة على الانتشار السريع، والتثبيت، والاحتفاظ بالمناطق، تمثل جوهر الدور البرّي في عصر التهديدات المركبة.
كما أن حماية البنى التحتية الحيوية – من شبكات الكهرباء إلى مراكز البيانات، ومن محطات المياه إلى عقد النقل – لا يمكن أن تتحقق دون قوة برية قادرة على العمل ضمن بيئة مختلطة تجمع بين المهام القتالية ومهام الحماية المدنية. فالقوات البرية مطالبة اليوم بأن تكون قادرة على القتال في بيئة حضرية كثيفة، وعلى إدارة مناطق متضررة، وعلى التنسيق مع سلطات مدنية، وعلى مواجهة خصوم غير نظاميين في آن واحد.
ومع ارتفاع معدلات استهلاك الذخائر والمعدات في النزاعات الحديثة، تصبح القدرة على التعويض السريع واستدامة الجهد القتالي عاملاً حاسماً في الحسم. فالخبرة المعاصرة تشير إلى أن النزاع طويل الأمد يستهلك الموارد بوتيرة تفوق التوقعات المسبقة. وهنا يتجاوز دور القوات البرية الأداء التكتيكي ليشمل القدرة على إعادة التشكيل، وتعويض الخسائر، والحفاظ على الجاهزية رغم الاستنزاف.
غير أن هذا التحول يكشف فجوة بنيوية عميقة. فقد بُنيت الجيوش المهنية خلال العقود الماضية على فرضية العمليات المحدودة، قصيرة المدى، ذات الكثافة المنخفضة نسبياً، حيث تكون الجاهزية العالية للقوة الفاعلة كافية لتحقيق الأهداف. أما النزاع طويل الأمد فيتطلب شيئاً مختلفاً تماماً: قدرة دولة كاملة على التحول، لا مجرد قدرة جيش على الانتشار. يتطلب منظومة تعبئة قادرة على توسيع القاعدة البشرية، ودمج الخبرات المدنية، وتأمين العمق الصناعي، وضمان الشرعية السياسية.
من هنا، فإن إعادة تعريف وظيفة القوات البرية في عصر التهديدات المركبة لا تقتصر على تحديث العتاد أو تطوير العقيدة القتالية، بل تمتد إلى إعادة بناء مفهوم التعبئة ذاته. فالقوات البرية، كي تضطلع بدورها الجديد، تحتاج إلى نظام تعبئة استراتيجية شامل يمكّنها من التحول السريع، ويمنحها عمقاً بشرياً وتقنياً وصناعياً، ويجعلها قادرة على العمل كعقدة مركزية في شبكة الدفاع الوطني الشامل.

ثانياً: التوازن بين «الكتلة البشرية» و«العمق النوعي»– مأزق النموذج العددي
يمثل التمييز بين «الكتلة البشرية» و«العمق النوعي» أحد المفاتيح المفاهيمية الأساسية لفهم المأزق الذي تواجهه القوات البرية في بيئة التهديدات المركبة. فالسماكة تشير إلى القدرة على زيادة الحجم العددي للقوات، أي توفير كتلة بشرية كافية للانتشار والدعم وتعويض النقص الظرفي. أما العمق فيحيل إلى شيء مختلف وأكثر تعقيداً: توافر المهارات المتخصصة، والخبرات النوعية، والقدرات التقنية والتنظيمية التي تضمن الاستمرارية والمرونة والقدرة على التكيّف تحت الضغط الممتد.
المشكلة أن النموذج القائم في العديد من الجيوش لا يزال متمركزاً حول الكتلة البشرية. فهو مصمم أساساً لدعم الجهد اليومي، وتأمين المهام الروتينية، وتعويض النقص في الوحدات العاملة، وتوفير حضور إقليمي أو داخلي عند الحاجة. غير أن هذا التركيز، رغم ضرورته، لا يرقى إلى مستوى بناء عمق استراتيجي قابل للتفعيل السريع في حال اندلاع صراع واسع النطاق. فالكتلة العددية وحدها قد تمنح انطباعاً بالقوة، لكنها لا تضمن القدرة على الاستمرار في مواجهة استنزاف طويل ومعقد.
في حرب عالية الكثافة، لا يكفي أن تمتلك الدولة عدداً كبيراً من الأفراد المدرجين في قوائم الاحتياط. بل يجب أن تكون قادرة على تعويض الخسائر البشرية والمادية بسرعة، وإعادة تشكيل الوحدات، والحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية رغم الضغط. كما يتعين عليها دمج خبرات تقنية معقدة في منظومة القيادة والسيطرة، وتأمين استدامة لوجستية وصناعية ممتدة، تسمح بتعويض الذخائر والمعدات واستبدال المنظومات المتضررة.
إن إدارة الموارد البشرية بمنطق «التدفق» المستمر، أي التجنيد التدريجي والإدماج المتدرج للأفراد ، قد تكون فعالة في زمن السلم أو في سياق عمليات محدودة. لكنها لا تؤسس لوجود «خزانات» مسبقة التحديد من الكفاءات المصنفة والقابلة للاستدعاء الفوري. ففي غياب خرائط دقيقة للمهارات، وآليات تفعيل سريعة، وربط عضوي بين الاحتياط والوحدات النظامية، يتحول الاحتياط إلى رقم نظري أكثر منه قدرة تشغيلية حقيقية.
وتتعمق الأزمة حين يتعلق الأمر بالكفاءات الحرجة التي أصبحت تشكل جوهر التفوق في الحرب المعاصرة. فالأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاتصالات المشفرة، وإدارة الطاقة، والصيانة الصناعية الثقيلة، والتحليل المتقدم للبيانات، كلها مجالات حاسمة في إدارة العمليات البرية الحديثة. هذه المهارات لا تُعد تكميلية، بل هي شرط أساسي لفعالية القيادة والسيطرة، ولحماية الشبكات، ولتوجيه النيران بدقة، ولضمان استمرارية الإمداد.
غير أن هذه المجالات توجد في الغالب خارج المؤسسة العسكرية، داخل القطاع المدني، في شركات التكنولوجيا، ومختبرات البحث، وقطاعات الصناعة المتقدمة. وهنا تظهر المفارقة البنيوية: أكثر المهارات حسماً في الحرب الحديثة هي الأقل خضوعاً لآليات التعبئة التقليدية. فهذه الكفاءات مرتبطة بسوق عمل تنافسي، وبمسارات مهنية خاصة، وبالتزامات اقتصادية تجعل استدعاءها في لحظة الأزمة مسألة معقدة إن لم تكن مستحيلة في غياب ترتيبات مسبقة.
إن الاقتصار على الكثافة العددية من دون بناء عمق نوعي يؤدي إلى هشاشة استراتيجية. فالقوة قد تبدو كبيرة في بداية النزاع، لكنها سرعان ما تواجه صعوبات في التكيف مع التحولات التكنولوجية، أو في حماية شبكاتها، أو في تعويض خسائرها الصناعية. أما العمق، فيمثل القدرة على امتصاص الصدمة، وإعادة التشكيل، واستدعاء الخبرات المناسبة في الوقت المناسب.
من هنا، يصبح التحدي الحقيقي أمام القوات البرية هو الانتقال من نموذج عددي إلى نموذج طبقي مركّب يجمع بين الكتلة والمهارة. المطلوب ليس فقط زيادة عدد الاحتياطيين، بل بناء منظومة تعبئة قادرة على تصنيف الكفاءات، وتأمين توافرها، وضمان اندماجها السلس في الهياكل القيادية. وهذا التحول يستلزم إعادة التفكير في إدارة الموارد البشرية، وفي العلاقة مع القطاع الخاص، وفي الحوكمة التنظيمية، بحيث يتحول الاحتياط من مخزون بشري عام إلى عمق استراتيجي حقيقي.
ثالثاً: محدودية النموذج السائد – منطق السلم في زمن الحرب
تكشف المقارنة الدولية أن الأنظمة التي نجحت في بناء تعبئة فعالة لم تعتمد على الاحتياط العددي وحده، بل على هندسة مؤسسية متكاملة تربط بين الدولة والاقتصاد والمجتمع ضمن تصور مسبق لإدارة الأزمات الكبرى. فالتعبئة الناجحة لا تُبنى في لحظة الطوارئ، بل تُصمَّم في زمن السلم عبر آليات قانونية وتنظيمية وثقافية تجعل الانتقال إلى وضع الحرب امتداداً منطقياً لبنية قائمة، لا قفزة اضطرارية في المجهول.
الولايات المتحدة تمثل نموذجاً متقدماً في هذا المجال، حيث جرى تطوير منظومة متكاملة لدمج الخبراء المدنيين في الاحتياط العسكري ضمن أطر قانونية تحمي وظائفهم المدنية وتضمن إعادة إدماجهم بعد الخدمة، وتوفر في الوقت ذاته حوافز مالية وتعليمية تجعل الانخراط في الاحتياط خياراً عقلانياً. إن حماية المسار المهني، وتقديم مزايا تعليمية وتأمينية، ووجود قيادة واضحة للاحتياط داخل المؤسسة العسكرية، كلها عناصر حولت الاحتياط من التزام هامشي إلى مكوّن مؤسسي دائم في بنية القوة.
أما إسرائيل، فقد بنت نظاماً قائماً على الاستمرارية بين الخدمة الإلزامية والاحتياط، بحيث تتحول الخبرة المدنية المكتسبة لاحقاً إلى قيمة عسكرية مضافة. فالمهندس الذي يعمل في شركة تكنولوجية، أو الطبيب في مؤسسة صحية، أو الخبير في تحليل البيانات، يعود إلى الاحتياط وهو يحمل معه خبرة مدنية تعزز قدرته العسكرية. هذه الحلقة المتصلة بين التجنيد، والخدمة الفعلية، والحياة المدنية، أنتجت ثقافة تعبئة متجذرة في المجتمع، حيث لا يُنظر إلى الاحتياط كعبء استثنائي، بل كامتداد طبيعي للمواطنة.
في السياق الأوكراني، كشفت لحظة الأزمة عن أهمية وجود بنية تعبئة إقليمية مرنة قادرة على دمج المتطوعين والخبراء بسرعة في سلسلة القيادة. فعندما اندلع النزاع واسع النطاق، كان الحسم الأولي مرتبطاً بقدرة السلطات على تفعيل شبكات محلية، وتنظيم الدفاع الإقليمي، ودمج الطاقات المدنية في المجهود العسكري. ورغم أن هذا النموذج نشأ في سياق اضطراري، فإنه أبرز قيمة اللامركزية المنضبطة والارتباط الوثيق بين الجيش والمجتمع المحلي.
أما السويد، فقد أعادت تفعيل مفهوم «الدفاع الشامل»، الذي لا يحصر المسؤولية في القوات المسلحة وحدها، بل يدمج الشركات والبنى التحتية الحيوية والمؤسسات العامة ضمن تصور تعبوي مسبق. فالشركات الكبرى، ومشغلو الطاقة، وقطاع النقل، جميعهم جزء من منظومة الدفاع الوطني، يخضعون لخطط طوارئ واضحة تضمن استمرارية الوظائف الحيوية في زمن الأزمة. بهذا المعنى، يصبح الاقتصاد جزءاً من معادلة الردع، لا مجرد خلفية محايدة.
في المقابل، تُظهر الدراسات أن النموذج السائد في الكثير من جيوش العالم يعاني اختلالات بنيوية تعكس استمرار «منطق السلم» في زمن يتطلب استعداداً للحرب. فغياب قيادة موحدة للتعبئة، وتشتت الحوكمة بين جهات متعددة، يحدّان من القدرة على التخطيط المسبق وعلى الانتقال السريع من حالة السلم إلى حالة الحرب. وعندما تتوزع المسؤوليات بين إدارات وهيئات مختلفة من دون مركز قرار واضح، يصبح الانتقال من وضع الاعتياد إلى وضع الطوارئ عملية بطيئة ومعقدة.
كما أن غياب خرائط دقيقة للكفاءات المدنية، وعدم وجود قاعدة بيانات محدثة للمهارات الحرجة، يحول دون الاستفادة المثلى من رأس المال البشري الوطني. فالدولة قد تمتلك آلاف الخبراء في مجالات حيوية، لكنها تفتقر إلى آلية منظمة لتحديدهم، وتصنيفهم، وتحديد أدوارهم المحتملة في حال التعبئة. وبدون آليات تعاقد واضحة مع القطاع الخاص، تظل العلاقة بين الجيش والشركات رهينة التفاهمات الظرفية، لا إطاراً مؤسسياً مستقراً.
إن هذا الوضع يجعل التعبئة في زمن الأزمة رهينة الارتجال. فعندما لا تكون آليات التنسيق محددة سلفاً، ولا تكون المسؤوليات واضحة، ولا تكون الشراكات مُمأسسة، يتحول كل قرار إلى تفاوض جديد تحت ضغط الزمن. وهذا ما يعكس مأزق النموذج السائد: فهو يعمل بكفاءة نسبية في زمن السلم، لكنه يفتقر إلى المرونة المؤسسية التي تسمح له بتغيير حجمه ووظيفته بسرعة في زمن الحرب.
من هنا، يتضح أن محدودية النموذج السائد لا يعود إلى نقص الإرادة أو الموارد فقط، بل إلى استمرار تصور تعبوي صُمم لبيئة مستقرة نسبياً. أما في عصر التهديدات المركبة، فإن الإبقاء على منطق السلم في زمن الحرب يشكل مخاطرة استراتيجية، لأن الفجوة بين التهديد والاستعداد قد تتسع بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على التكيف.
رابعاً: نحو نموذج تعبئة استراتيجية شامل للقوات البرية
تشير الأدبيات العسكرية الحديثة إلى أن تعبئة القوات البرية تمثل عملية استراتيجية تهدف إلى تحويل القوة العسكرية البرية من حالة الاستعداد في زمن السلم إلى قدرة عملياتية قادرة على تنفيذ مهام قتالية أو أمنية في ظروف الأزمات أو الحرب. ولا تقتصر هذه العملية على زيادة حجم القوات، بل تشمل تنظيم الموارد البشرية والمادية، واستدعاء الاحتياط، وإعادة توجيه الموارد الوطنية بما يضمن تحقيق الجاهزية المطلوبة. وقد أظهرت الخبرة التاريخية أن التعبئة قد تتخذ أشكالاً متعددة، تتراوح بين تعبئة جزئية مرتبطة بأزمات محدودة وتعبئة شاملة ترتبط عادة بالحروب الكبرى. ومن ثم فإن مفهوم التعبئة يتجاوز البعد العسكري الضيق ليشمل تفاعل الدولة والمجتمع والاقتصاد ضمن منظومة أمنية متكاملة.
وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن الانتقال من الاحتياط العددي إلى التعبئة الاستراتيجية الشاملة للقوات البرية لا يمثل مجرد تعديل إداري، بل يعكس تحولاً أعمق في فلسفة الدفاع. فالقضية لم تعد مرتبطة بزيادة عدد الاحتياطيين فحسب، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة تجعل القوات البرية جزءاً من شبكة وطنية قادرة على التحول السريع والمنظم في مواجهة الأزمات الممتدة. وبهذا المعنى تصبح التعبئة بنية دائمة للاستعداد والتحول، لا مجرد لحظة استدعاء طارئة.
ويقود هذا التحول بالضرورة إلى إعادة تعريف العلاقة بين القوات البرية والدولة ككل. فالقوات البرية لا يمكن أن تعمل بمعزل عن الاقتصاد الوطني أو النسيج الصناعي أو الجامعات ومراكز البحث أو السلطات المحلية. لذلك يصبح بناء ترابط مؤسسي بين هذه المكونات شرطاً أساسياً لضمان أن الانتقال من السلم إلى الحرب لا يبدأ من نقطة الصفر، بل ينطلق من ترتيبات مسبقة تسمح بتفعيل الموارد البشرية والصناعية والتقنية بسرعة وكفاءة.
في هذا الإطار، يتمثل المرتكز الأول للنموذج المقترح في إنشاء حوكمة موحدة للتعبئة داخل القوات البرية تتولى التخطيط بعيد المدى وإعداد خرائط دقيقة للكفاءات وإدارة مستويات الإنذار والتدرج التعبوي، إضافة إلى التنسيق مع القطاع الخاص والسلطات الإقليمية. فالتعبئة التي تُدار عبر مراكز قرار متعددة من دون تنسيق واضح غالباً ما تؤدي إلى بطء في الاستجابة وتضارب في الأولويات. أما وجود قيادة واضحة وممركزة فيتيح الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، ويجعل التعبئة جزءاً من التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
ويقوم المرتكز الثاني على إعادة تنظيم الاحتياط البشري وفق منطق «الخزانات المصنفة»، أي إنشاء قائمة مخزون بشري منظم ومقسم مسبقاً بحسب نوع الكفاءات والوظائف، بدلاً من الاكتفاء باحتياط عددي عام غير مميز. ويعني ذلك تحديد الخبرات الحرجة مسبقاً وتصنيفها ضمن فئات تشغيلية واضحة. ويمكن في هذا الإطار التمييز بين احتياط إقليمي يضمن حضوراً سريعاً في المناطق الحساسة، واحتياط عملياتي يعزز الوحدات القتالية، واحتياط خبراء تقنيين يدعم منظومات القيادة والسيطرة، إضافة إلى احتياط لوجستي وصناعي يؤمّن استمرارية الدعم وسلاسل الإمداد. ويسمح هذا التنظيم بتحويل الاحتياط من مجرد رقم إجمالي إلى قدرة تشغيلية فعلية، إذ تصبح قيمته الاستراتيجية مرتبطة بطبيعة المهارات المتوفرة وسرعة تفعيلها، لا بحجمه العددي فقط.
أما المرتكز الثالث فيتعلق بتأمين الكفاءات المدنية عبر أطر قانونية وتعاقدية واضحة تضمن حماية المسار المهني وتوفير حوافز مناسبة، إضافة إلى تحديد آليات واضحة للاستدعاء في حالات الأزمات. فالدولة لا تستطيع الاعتماد على خبرات متقدمة في مجالات مثل الأمن السيبراني أو الطاقة أو الذكاء الاصطناعي إذا لم تمتلك منظومة مؤسسية تضمن توافر هذه الكفاءات عند الحاجة. ومن ثم يصبح دمج الخبرات المدنية في المنظومة الدفاعية شرطاً أساسياً لتحويل رأس المال البشري الوطني إلى عمق استراتيجي حقيقي.
وبجمع هذه المرتكزات الثلاثة يتضح أن التعبئة لم تعد مجرد إجراء عددي لزيادة القوات، بل أصبحت مشروعاً وطنياً لإعادة تنظيم القدرة الدفاعية للدولة. فالقوات البرية في عصر التهديدات المركبة تحتاج إلى منظومة مترابطة تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الصناعية والخبرة التقنية والمرونة المؤسسية. ومن خلال هذا الترابط تصبح التعبئة أداة ردع فعّالة، لأنها تمنح الدولة القدرة على التحول السريع والاستمرار تحت الضغط، لا مجرد إظهار الجاهزية في اللحظة الأولى من الأزمة.
خاتمة
إن عصر التهديدات المركبة لا يفرض تعديلاً جزئياً في بنية القوات البرية، بل يقتضي إعادة نظر أعمق في مفهوم القوة ذاته. فالمعيار الحاسم لم يعد حجم القوات أو مستوى تسليحها، بل قدرة الدولة على التحول السريع والمنظم تحت الضغط. وبذلك ينتقل السؤال الاستراتيجي من عدد الجنود إلى قدرة الدولة على توسيع قوتها وتكييف وظائفها بسرعة، مع دمج المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا في معادلة الصمود.
ويُظهر التشخيص المقارن أن كثيراً من الدول تمتلك احتياطاً عدديّاً مهماً، لكنها تفتقر إلى نظام تعبئة استراتيجية يجمع بين الكتلة والعمق والمرونة. فالكتلة تتيح الانتشار الأولي، والعمق يضمن الاستمرارية، بينما تسمح المرونة بالتكيف مع طبيعة التهديد المتغير. ومن دون هذا التكامل يبقى الاحتياط رقماً في السجلات أكثر منه قدرة عملياتية قابلة للتفعيل.
ومن ثم، فإن إعادة هندسة القوة البرية لا تعني زيادة الأعداد أو تعديل بعض الإجراءات الإدارية، بل تتطلب تحولاً بنيوياً يمس الحوكمة العسكرية، وإدارة الموارد البشرية، وآليات التخطيط، والعلاقة مع القطاع الخاص، والثقافة الاستراتيجية الوطنية. الهدف هو تحويل التعبئة من إجراء استثنائي إلى جزء دائم من بنية الدولة وقدرتها على التحول.
في هذا الإطار، تمثل القوات البرية عقدة مركزية في شبكة الدفاع الوطني الشامل، لأنها القوة التي تحمي الأرض والبنى الحيوية وتثبت الاستقرار في الأزمات. غير أن أداء هذا الدور يفترض ارتباطها الوثيق بالاقتصاد الوطني والعمق الصناعي والخبرة التقنية، إضافة إلى إطار قانوني ومجتمعي يمنح التعبئة شرعيتها واستدامتها.
وانطلاقاً من هذه الخلاصة، يصبح إصلاح منظومة التعبئة أولوية استراتيجية تقوم على عدة مرتكزات مترابطة. أولها تبني نموذج تعبئة مرن ومتدرج يسمح بالانتقال المنظم من السلم إلى العمليات وفق مستويات مختلفة من التهديد. وثانيها تعزيز التكامل بين الجيش والاقتصاد والمجتمع بحيث تتحول التعبئة إلى قدرة وطنية شاملة لا إلى إجراء عسكري محدود. كما يتطلب ذلك تطوير منظومة احتياط فعّالة قابلة للاستدعاء السريع تحول الاحتياط من كتلة عددية إلى قدرة عملياتية حقيقية. وفي الوقت نفسه، ينبغي دعم هذا التوسع المحتمل عبر بنية تدريبية قابلة للتوسع قادرة على استيعاب أعداد كبيرة خلال فترات قصيرة، إلى جانب تعزيز الجاهزية اللوجستية والصناعية لضمان استمرارية الإمداد وزيادة الإنتاج الدفاعي في الأزمات. ولتحقيق الاتساق المؤسسي، يجب دمج التخطيط للتعبئة في الاستراتيجيات الدفاعية طويلة المدى بحيث تصبح التعبئة جزءاً من التصميم الاستراتيجي للقوة. وأخيراً، ينبغي أن تأخذ هذه المنظومة في الاعتبار طبيعة التهديدات المركبة التي تجمع بين الأبعاد العسكرية، والاقتصادية، والسيبرانية والإعلامية.
وبذلك، فإن الدولة التي تنجح في تحويل احتياطها إلى عمق استراتيجي حقيقي، وتربط كتلتها البشرية بقدرتها التقنية والصناعية، وتؤسس آليات عادلة وفعّالة للتعبئة، ستكون أكثر قدرة على الردع والاستمرار. ففي عالم يتجه نحو مزيد من المنافسة الجيوسياسية وتسارع التحولات التكنولوجية، يصبح الاستمرار تحت الضغط معيار القوة الحاسم، وتغدو إعادة هندسة القوة البرية ضرورة استراتيجية لضمان قدرة الدولة على الدفاع عن سيادتها ومصالحها في بيئة دولية متقلبة وغير يقينية.
الأستاذ الدكتور وائل صالح مدير بمركز تريندز للبحوث والاستشارات بفرنسا وكندا










