تعتبر عمليات المراجعة والتحليل المنهجية ركيزة أساسية في تطوير أداء المؤسسات الوطنية بشكل عام، والمؤسسات العسكرية بشكل خاص. لم تعد الكفاءة في ميادين العمليات والقتال وحدها كافيةً لتحقيق التفوق والريادة والتميز الاحترافي، بل أمست القدرة على استخلاص الدروس والاتصاف بقابلية التعلم المستمر من تجارب الواقع العملي، شرطين لديمومة النجاح.

في ظل هذا التحول، اكتسبت عمليات تقييم الأداء العملياتي والتشغيلي أهمية متزايدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خصوصاً مع صعود مفهوم العمليات متعددة المجالات (Multi-Domain Operations) ، الذي فرض إعادة التحليل والتقييم الاعتيادية بما يتناسب مع بيئة صراع تتصف بكونها متداخلة، متشابكة وسريعة النظر في أساليب التغير.
في هذا الإطار، يبرز دور مركز التحليل والدروس المستفادة لحلف الناتو (Joint Analysis and Lessons Learned Centre – JALLC) التابع لقيادة التحول (Allied Command Transformation – ACT) ، كمركز تميزٍ معنيٍّ بتحويل الخبرة العملياتية إلى معرفة منهجية قابلة للتطبيق. يعنى المركز بتقديم توصيات تستند إلى الأدلة والبراهين العلمية بقصد تحسين الجاهزية والتخطيط وتطوير القدرات في قيادة الحلف وفي سائر الدول الأعضاء فيه. كان من أبرز إصدارات المركز، كتيب «دليل التحليل (JALLC Analysis Handbook, 2024)» الذي يجمع بين الرؤية النظرية -الجانب التنظيري- والناحية التطبيقية -الجانب العملي- ويقدّم إطاراً متكاملاً لكل مراحل عملية التحليل العلمي المتعمق بدءاً من تعريف المشكلة ومنهجيات وأدوات التحليل، وصولاً إلى صياغة التقارير والتوصيات.
إضافة إلى ذلك، يكتسب الدليل أهميته من كونه منهجاً مؤسسياً مكتملاً يقترح إجراءات عملية قابلة للقياس والمراجعة، وصالحة للتعميم والاستفادة منها من قبل كافة المؤسسات، خاصة تلك التي تتطلب نظماً منهجية لتحليل البيانات واستخلاص الدروس وتحسين الأداء. يتجاوزالمرجع دور «كتاب التعليمات» إلى دور التأطير الفكري الذي يرسّخ المنهجية العلمية في التقييم والتحليل العسكري.

تحليل «منظومة تقييم العمليات» في حلف الناتو
قدّم دليل التحليل آنف الذكر، دراسة حالةٍ تطبيقيةٍ توضّح كيف تعامل الحلف مع تحدٍّ مؤسسي يتمثل في تطوير وتحديث «منظومة تقييم العمليات» (Operational Assessment- OPSA) بما يلائم متطلبات بيئة العمليات متعددة المجالات، كما يؤكد أهمية صياغة الأسئلة المحورية كخطوة جوهرية في أي عملية تحليل. تُوجّه الأسئلة المحورية الجهدَ البحثي وتحدّد نطاق التحليل وأولوياته، كما تسهم في تحويل المشكلة العامة إلى تأطيرٍ للتفكير المحدد، إضافة لتمكين المحلل من جمع البيانات ذات الصلة، وربط الأسباب بالنتائج، والوصول إلى استنتاجات دقيقة وقابلة للتطبيق. فيما يتعلق بتحليل منظومة التقييم، تمت صياغة السؤال المحوري كالآتي: كيف يمكن تطوير نظام تقييم العمليات في الناتو ليصبح أكثر فاعلية واستجابة للعمليات واسعة النطاق ومتعددة المجالات، مع اقتراح حلول تنظيمية وإجرائية وأدوات تحليلية تضمن فعاليته المستقبلية؟
من المعلوم أن جودة المخرجات التحليلية لا تتجاوز جودة منهجها، لذلك يجب على فريق التحليل اعتماد نهج واضح ومتكامل يضمن الاتساق والدقة عبر جميع مراحل العمل. تأسيساً على ما تقدم، انطلق فريق التحليل المكلف التابع لمركز التحليل JALLC من مقاربة علمية تجمع بين التحليل الكمي Quantitative والتحليل النوعي Qualitative، وقام الفريق بجمع بيانات من مستويات قيادية مختلفة، ومن وثائق عملياتية وتقارير أداء ومقابلات مع قادة وخبراء، بعدها تم دمج ما تم جمعه ضمن بنية تحليلية موحّدة لتجنب مخاطر تضارب المعلومات بسبب الفصل بين المصادر. مكّن هذا النهج من تكوين صورة شاملة موضحة للعلاقات السببية بين الأحداث والأنشطة ومتماسكة تُظهر الروابط بين البعد التنظيمي والبعد العملي داخل منظومة OPSA، تمهيداً لصياغة نتائج وتوصيات قابلة للتطبيق.
منهجية التحليل والأدوات المستخدمة
انطلقت الدراسة (عملية التحليل) من تعريف إطار المشكلة العام وتحديد أهداف التحليل وسياقه العملياتي، مع توصيف المتغيرات التنظيمية والتقنية المؤثرة في أداء منظومة التقييم. لم يُنظر إلى OPSA باعتبارها وظيفة فنية معزولة، بل كنظام مشترك – تقني تتفاعل فيه البيانات والمؤشرات مع الثقافة السائدة في المؤسسة وآليات أو عمليات اتخاذ القرار. ثم وضع فريق التحليل خطة لجمع البيانات تُراعي تنوّع المصادر وعمقها، فتم إجراء مقابلات منظَّمة، مراجعة وثائق ومذكرات عملياتية، مراجعة سجلات (تقارير) تقييم سابقة ذات الصلة، كما تم جمع ملاحظات ميدانية ضمن خطة زيارة المنشآت والتنظيمات ذات الصلة. وتسهيلاً لتعزيز القدرة على اكتشاف الأنماط المتقاطعة cross-cutting patterns للمستويات المختلفة، اعتمد الفريق أسلوب عدم فصل البيانات وفقاً لمصادرها، لضمان تكاملها وارتباطها المنطقي (قد يؤدي فصل البيانات بحسب مصدرها بفصل التقارير عن المقابلات عن الوثائق العملياتية مثلا، إلى تجزئة الصورة الكلية وفقدان الترابط بين المعطيات، مما يُضعف القدرة على فهم العلاقات السببية بين الأحداث والقرارات والنتائج).
أثناء مرحلة التحليل، اعتمد الفريق حزمة من الأدوات المترابطة، كان من أبرزها مخطط عَظْمة السمكة (Ishikawa Diagram) ، الذي استُخدم كأداة للتحليل السببي بهدف هيكلة العوامل المؤثرة في جودة عملية التقييم وتصنيفها بصورة منهجية، عبر ترتيبها ضمن فئات رئيسية بشرية وتنظيمية وتقنية وزمنية، بما يتيح تحديد جذور المشكلات بدل الاكتفاء بمظاهرها. ساعد هذا الهيكل التحليلي الفريق على تتبّع تأثير كل عامل فرعي – مثل مستوى التدريب، وضوح الأدوار، توافر الأدوات، وضغط المواعيد – مما ارتقى بدقة عملية التقييم وجودة مخرجاتها. وبفضل هذا التصنيف المنهجي أصبح بالإمكان تمييز نقاط الضعف الحرجة وتحديد مجالات التحسين ذات الأولوية، ضمن صورة متكاملة تجمع بين العناصر البشرية والمؤسسية والتقنية والزمانية في إطار واحد يسهل معالجته ووضع خطط تصحيحية دقيقة.
إضافة لما تقدم، اعتمد الفريق مخطط القوسين (Bow-Tie) لتوصيف الأسباب التي تسببت في الخلل وحدوث الفجوات، والنتائج اللاحقة لذلك، وتحديد نقاط السيطرة على الإجراءات وسبل الوقاية من الوقوع في أخطاء الماضي. ولتفكيك العلاقات السببية الدقيقة استُخدم تحليل السبب والنتيجة – يهدف هذا الأسلوب إلى تحديد العوامل أو المسبّبات التي أدت إلى نتائج أو مشكلات معينة، عبر تتبّع الروابط المنطقية بينها للكشف عن جذور الخلل وتوضيح كيفية تفاعل المتغيرات المؤثرة في النظام – لتتبّع الروابط بين إجراءات جمع البيانات ومعايير القياس وسلوك دوائر القرار. وجرى دعم ذلك بـمصفوفات الترابط التحليلي (Analytical Correlation Matrix) – أداة منهجية تُستخدم لربط المتغيرات أو النتائج عبر مستويات مختلفة، تكتيكية وعملياتية/تشغيلية واستراتيجية، بهدف الكشف عن العلاقات المتبادلة بينها وتحديد درجة تأثير كل عامل في الآخر بطريقة كمية ومنظمة – التي ساعدت في دمج المعطيات عبر المستويات، ما أتاح مقارنة متوازنة بين نتائج وحدات مختلفة داخل بيئات تشغيلية متباينة.
بعد بناء النتائج الأولية، خضعت المخرجات إلى مراجعات نظراء (Peer Reviews) واختبارات مصداقية (Validity Tests) مع خبراء ميدانيين، لضبط الانحيازات الفردية والتنظيمية والتحقق من موثوقية النتائج ودقتها التطبيقية، والتأكد من أن الاستنتاجات قابلة للتطبيق وليست مجرد تفسيرات نظرية. انتهت العملية إلى حزمة توصيات عملية شملت تعديلات في الهيكل والإجراءات، وتطوير أدوات القياس الرقمية، وتوحيد بروتوكولات جمع البيانات وتبادلها بين المستويات القيادية، إلى جانب تعزيز التدريب التحليلي للعاملين في تقييم العمليات.

أهم النتائج والدروس المستفادة
أظهرت الدراسة أن فاعلية «منظومة تقييم العمليات» لا تتحدد بالتقنيات وحدها، بل تعتمد بالأساس على ثقافة تحليلية مؤسسية ناضجة ترى في التقييم وسيلة للتعلّم والتحسين، لا مجرد أداة للمحاسبة. فقد كان من أبرز أسباب التباين في النتائج تجزئة المعلومات وتباين منهجيات القياس بين الجهات والمستويات، ما كان يتسبب في توليد صورة مجزأة للأداء (الصورة المجزأة للأداء تعني أن البيانات والنتائج المتاحة لا تُظهر الوضع الحقيقي بشكل كامل أو متسق، لأن كل جهة أو مستوى يستخدم معايير مختلفة في القياس والتقييم، أو يعمل بمعزل عن الآخرين. ونتيجة لذلك، تتكون صورة غير مكتملة ومجزّأة تشبه قِطعاً متناثرة لا يمكن تجميعها بشكل موحد وواضح). عالجت الدراسة ذلك بالدعوة إلى إطار معياري موحّد للقياس والتقارير يضمن القابلية للمقارنة، ويربط المؤشرات التكتيكية بمقاصد عملياتية واستراتيجية واضحة.
كذلك تبيّن أن الدمج بين التحليل الكمي والتحليل النوعي يوفّران رؤية متعددة الزوايا، فالأرقام تُظهر الاتجاهات العامة ضعفاً أو قوةً وتوضح المجالات الحرجة، بينما يفسّر التحليل النوعي سياقات القرارات والسلوك التنظيمي ويكشف الأسباب الجذرية. كما أظهرت التجربة أن التركيز على العلاقات السببية بدل الاكتفاء بوصف الأعراض كملاحظة النتائج أو الظواهر الظاهرة مثل انخفاض الأداء أو تأخر الإنجاز أو تكرار الأخطاء، يُسهل اشتقاق توصيات قابلة للتنفيذ وموجَّهة نحو معالجة الخلل لا مظاهره. ومن الفوائد العملية القابلة للتعميم، ضرورة إنشاء منصات موحّدة لإدارة البيانات التحليلية، إدماج آليات تحقق تشاركية داخل دورة التحليل، وتحديث الأدوات والمعايير بانتظام لمواكبة تغيرات بيئة الصراع والتكنولوجيا.
خاتمة
كشفت الدراسة عن كيفية تحويل التحليل المنهجي إلى أداة قيادة للتغير المؤسسي. فحين تُدار المراجعة باعتبارها عملية تعلّم منظَّمة تجمع البيانات الموثوقة، وتستعمل أدوات تفسير سببي، وتُخضع الاستنتاجات للتحقق، تتحول إلى أداة تعزيز استراتيجية تعزّز الجاهزية وترفع كفاءة اتخاذ القرار. لقد أظهر عمل JALLC أن التحليل العلمي، حين يُمارَس ضمن بيئة مؤسسية منفتحة على النقد وتبادل الخبرة، يُنتج توصيات واقعية قابلة للتطبيق، ويُرسّخ ثقافة معرفية قائمة على الدليل والشفافية والتحسين المستمر. إن الدروس المستخلصة من هذه التجربة لا تقتصر على الناتو، بل تصلح نموذجاً يُحتذى لأي مؤسسة دفاعية تتطلع إلى بناء قدرات تحليلية ومراجعية راسخة تكفل لها التفوق في عالم تتسارع فيه معايير القوة وأشكالها.
اللواء (م)/ خالد السميطي










