منظومة تقييم العمليات

تحليل حالة منظومة تقييم العمليات في حلف الناتو

تعتبر‭ ‬عمليات‭ ‬المراجعة‭ ‬والتحليل‭ ‬المنهجية‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬العمليات‭ ‬والقتال‭ ‬وحدها‭ ‬كافيةً‭ ‬لتحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬والريادة‭ ‬والتميز‭ ‬الاحترافي،‭ ‬بل‭ ‬أمست‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬والاتصاف‭ ‬بقابلية‭ ‬التعلم‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الواقع‭ ‬العملي،‭ ‬شرطين‭ ‬لديمومة‭ ‬النجاح‭.‬

‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬اكتسبت‭ ‬عمليات‭ ‬تقييم‭ ‬الأداء‭ ‬العملياتي‭ ‬والتشغيلي‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭)‬،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬مفهوم‭ ‬العمليات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭ (‬Multi-Domain Operations‭) ‬،‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬إعادة‭ ‬التحليل‭ ‬والتقييم‭ ‬الاعتيادية‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬صراع‭ ‬تتصف‭ ‬بكونها‭ ‬متداخلة،‭ ‬متشابكة‭ ‬وسريعة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التغير‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬مركز‭ ‬التحليل‭ ‬والدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬لحلف‭ ‬الناتو‭ (‬Joint Analysis and Lessons Learned Centre‭ ‬–‭ ‬JALLC‭)  ‬التابع‭ ‬لقيادة‭ ‬التحول‭ (‬Allied Command Transformation‭ ‬–‭ ‬ACT‭) ‬،‭ ‬كمركز‭ ‬تميزٍ‭ ‬معنيٍّ‭ ‬بتحويل‭ ‬الخبرة‭ ‬العملياتية‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬منهجية‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭. ‬يعنى‭ ‬المركز‭ ‬بتقديم‭ ‬توصيات‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الأدلة‭ ‬والبراهين‭ ‬العلمية‭ ‬بقصد‭ ‬تحسين‭ ‬الجاهزية‭ ‬والتخطيط‭ ‬وتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬الحلف‭ ‬وفي‭ ‬سائر‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬فيه‭. ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬إصدارات‭ ‬المركز،‭ ‬كتيب‭ ‬‮«‬دليل‭ ‬التحليل‭ (‬JALLC Analysis Handbook‭, ‬2024‭)‬‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الرؤية‭ ‬النظرية‭ -‬الجانب‭ ‬التنظيري‭- ‬والناحية‭ ‬التطبيقية‭ -‬الجانب‭ ‬العملي‭- ‬ويقدّم‭ ‬إطاراً‭ ‬متكاملاً‭ ‬لكل‭ ‬مراحل‭ ‬عملية‭ ‬التحليل‭ ‬العلمي‭ ‬المتعمق‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬المشكلة‭ ‬ومنهجيات‭ ‬وأدوات‭ ‬التحليل،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬التقارير‭ ‬والتوصيات‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يكتسب‭ ‬الدليل‭ ‬أهميته‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬منهجاً‭ ‬مؤسسياً‭ ‬مكتملاً‭ ‬يقترح‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭ ‬والمراجعة،‭ ‬وصالحة‭ ‬للتعميم‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كافة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬نظماً‭ ‬منهجية‭ ‬لتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬واستخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬وتحسين‭ ‬الأداء‭. ‬يتجاوزالمرجع‭ ‬دور‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬التعليمات‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬التأطير‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬يرسّخ‭ ‬المنهجية‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬والتحليل‭ ‬العسكري‭. ‬

تحليل‭ ‬‮«‬منظومة‭ ‬تقييم‭ ‬العمليات‮»‬‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو

قدّم‭ ‬دليل‭ ‬التحليل‭ ‬آنف‭ ‬الذكر،‭ ‬دراسة‭ ‬حالةٍ‭ ‬تطبيقيةٍ‭ ‬توضّح‭ ‬كيف‭ ‬تعامل‭ ‬الحلف‭ ‬مع‭ ‬تحدٍّ‭ ‬مؤسسي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬وتحديث‭ ‬‮«‬منظومة‭ ‬تقييم‭ ‬العمليات‮»‬‭ (‬Operational Assessment‭- ‬OPSA‭)  ‬بما‭ ‬يلائم‭ ‬متطلبات‭ ‬بيئة‭ ‬العمليات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬صياغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬المحورية‭ ‬كخطوة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬تحليل‭. ‬تُوجّه‭ ‬الأسئلة‭ ‬المحورية‭ ‬الجهدَ‭ ‬البحثي‭ ‬وتحدّد‭ ‬نطاق‭ ‬التحليل‭ ‬وأولوياته،‭ ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬المشكلة‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬تأطيرٍ‭ ‬للتفكير‭ ‬المحدد،‭ ‬إضافة‭ ‬لتمكين‭ ‬المحلل‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬وربط‭ ‬الأسباب‭ ‬بالنتائج،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬استنتاجات‭ ‬دقيقة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتطبيق‭. ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتحليل‭ ‬منظومة‭ ‬التقييم،‭ ‬تمت‭ ‬صياغة‭ ‬السؤال‭ ‬المحوري‭ ‬كالآتي‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تطوير‭ ‬نظام‭ ‬تقييم‭ ‬العمليات‭ ‬في‭ ‬الناتو‭ ‬ليصبح‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬واستجابة‭ ‬للعمليات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬ومتعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬مع‭ ‬اقتراح‭ ‬حلول‭ ‬تنظيمية‭ ‬وإجرائية‭ ‬وأدوات‭ ‬تحليلية‭ ‬تضمن‭ ‬فعاليته‭ ‬المستقبلية؟

من‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬جودة‭ ‬المخرجات‭ ‬التحليلية‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬جودة‭ ‬منهجها،‭ ‬لذلك‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬فريق‭ ‬التحليل‭ ‬اعتماد‭ ‬نهج‭ ‬واضح‭ ‬ومتكامل‭ ‬يضمن‭ ‬الاتساق‭ ‬والدقة‭ ‬عبر‭ ‬جميع‭ ‬مراحل‭ ‬العمل‭. ‬تأسيساً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬انطلق‭ ‬فريق‭ ‬التحليل‭ ‬المكلف‭ ‬التابع‭ ‬لمركز‭ ‬التحليل‭ ‬JALLC‭ ‬من‭ ‬مقاربة‭ ‬علمية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التحليل‭ ‬الكمي‭ ‬Quantitative‭ ‬والتحليل‭ ‬النوعي‭ ‬Qualitative،‭ ‬وقام‭ ‬الفريق‭ ‬بجمع‭ ‬بيانات‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬قيادية‭ ‬مختلفة،‭ ‬ومن‭ ‬وثائق‭ ‬عملياتية‭ ‬وتقارير‭ ‬أداء‭ ‬ومقابلات‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ ‬وخبراء،‭ ‬بعدها‭ ‬تم‭ ‬دمج‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬ضمن‭ ‬بنية‭ ‬تحليلية‭ ‬موحّدة‭ ‬لتجنب‭ ‬مخاطر‭ ‬تضارب‭ ‬المعلومات‭ ‬بسبب‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬المصادر‭. ‬مكّن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬من‭ ‬تكوين‭ ‬صورة‭ ‬شاملة‭ ‬موضحة‭ ‬للعلاقات‭ ‬السببية‭ ‬بين‭ ‬الأحداث‭ ‬والأنشطة‭ ‬ومتماسكة‭ ‬تُظهر‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬التنظيمي‭ ‬والبعد‭ ‬العملي‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬OPSA،‭ ‬تمهيداً‭ ‬لصياغة‭ ‬نتائج‭ ‬وتوصيات‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭.‬

منهجية‭ ‬التحليل‭ ‬والأدوات‭ ‬المستخدمة

انطلقت‭ ‬الدراسة‭ (‬عملية‭ ‬التحليل‭) ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬إطار‭ ‬المشكلة‭ ‬العام‭ ‬وتحديد‭ ‬أهداف‭ ‬التحليل‭ ‬وسياقه‭ ‬العملياتي،‭ ‬مع‭ ‬توصيف‭ ‬المتغيرات‭ ‬التنظيمية‭ ‬والتقنية‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬منظومة‭ ‬التقييم‭. ‬لم‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬OPSA‭  ‬باعتبارها‭ ‬وظيفة‭ ‬فنية‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬كنظام‭ ‬مشترك‭ – ‬تقني‭ ‬تتفاعل‭ ‬فيه‭ ‬البيانات‭ ‬والمؤشرات‭ ‬مع‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬وآليات‭ ‬أو‭ ‬عمليات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬ثم‭ ‬وضع‭ ‬فريق‭ ‬التحليل‭ ‬خطة‭ ‬لجمع‭ ‬البيانات‭ ‬تُراعي‭ ‬تنوّع‭ ‬المصادر‭ ‬وعمقها،‭ ‬فتم‭ ‬إجراء‭ ‬مقابلات‭ ‬منظَّمة،‭ ‬مراجعة‭ ‬وثائق‭ ‬ومذكرات‭ ‬عملياتية،‭ ‬مراجعة‭ ‬سجلات‭ (‬تقارير‭) ‬تقييم‭ ‬سابقة‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬جمع‭ ‬ملاحظات‭ ‬ميدانية‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬زيارة‭ ‬المنشآت‭ ‬والتنظيمات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭. ‬وتسهيلاً‭ ‬لتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأنماط‭ ‬المتقاطعة‭ ‬cross-cutting patterns‭ ‬للمستويات‭ ‬المختلفة،‭ ‬اعتمد‭ ‬الفريق‭ ‬أسلوب‭ ‬عدم‭ ‬فصل‭ ‬البيانات‭ ‬وفقاً‭ ‬لمصادرها،‭ ‬لضمان‭ ‬تكاملها‭ ‬وارتباطها‭ ‬المنطقي‭ (‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬فصل‭ ‬البيانات‭ ‬بحسب‭ ‬مصدرها‭ ‬بفصل‭ ‬التقارير‭ ‬عن‭ ‬المقابلات‭ ‬عن‭ ‬الوثائق‭ ‬العملياتية‭ ‬مثلا،‭ ‬إلى‭ ‬تجزئة‭ ‬الصورة‭ ‬الكلية‭ ‬وفقدان‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬المعطيات،‭ ‬مما‭ ‬يُضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬العلاقات‭ ‬السببية‭ ‬بين‭ ‬الأحداث‭ ‬والقرارات‭ ‬والنتائج‭).‬

أثناء‭ ‬مرحلة‭ ‬التحليل،‭ ‬اعتمد‭ ‬الفريق‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬المترابطة،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬مخطط‭ ‬عَظْمة‭ ‬السمكة‭ (‬Ishikawa Diagram‭) ‬،‭ ‬الذي‭ ‬استُخدم‭ ‬كأداة‭ ‬للتحليل‭ ‬السببي‭ ‬بهدف‭ ‬هيكلة‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬عملية‭ ‬التقييم‭ ‬وتصنيفها‭ ‬بصورة‭ ‬منهجية،‭ ‬عبر‭ ‬ترتيبها‭ ‬ضمن‭ ‬فئات‭ ‬رئيسية‭ ‬بشرية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬وتقنية‭ ‬وزمنية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬تحديد‭ ‬جذور‭ ‬المشكلات‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بمظاهرها‭. ‬ساعد‭ ‬هذا‭ ‬الهيكل‭ ‬التحليلي‭ ‬الفريق‭ ‬على‭ ‬تتبّع‭ ‬تأثير‭ ‬كل‭ ‬عامل‭ ‬فرعي‭ – ‬مثل‭ ‬مستوى‭ ‬التدريب،‭ ‬وضوح‭ ‬الأدوار،‭ ‬توافر‭ ‬الأدوات،‭ ‬وضغط‭ ‬المواعيد‭ – ‬مما‭ ‬ارتقى‭ ‬بدقة‭ ‬عملية‭ ‬التقييم‭ ‬وجودة‭ ‬مخرجاتها‭. ‬وبفضل‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬المنهجي‭ ‬أصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬تمييز‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬الحرجة‭ ‬وتحديد‭ ‬مجالات‭ ‬التحسين‭ ‬ذات‭ ‬الأولوية،‭ ‬ضمن‭ ‬صورة‭ ‬متكاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العناصر‭ ‬البشرية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬والتقنية‭ ‬والزمانية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واحد‭ ‬يسهل‭ ‬معالجته‭ ‬ووضع‭ ‬خطط‭ ‬تصحيحية‭ ‬دقيقة‭.‬

إضافة‭ ‬لما‭ ‬تقدم،‭ ‬اعتمد‭ ‬الفريق‭ ‬مخطط‭ ‬القوسين‭ (‬Bow-Tie‭) ‬لتوصيف‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬الخلل‭ ‬وحدوث‭ ‬الفجوات،‭ ‬والنتائج‭ ‬اللاحقة‭ ‬لذلك،‭ ‬وتحديد‭ ‬نقاط‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الإجراءات‭ ‬وسبل‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬أخطاء‭ ‬الماضي‭. ‬ولتفكيك‭ ‬العلاقات‭ ‬السببية‭ ‬الدقيقة‭ ‬استُخدم‭ ‬تحليل‭ ‬السبب‭ ‬والنتيجة‭ – ‬يهدف‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬العوامل‭ ‬أو‭ ‬المسبّبات‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬أو‭ ‬مشكلات‭ ‬معينة،‭ ‬عبر‭ ‬تتبّع‭ ‬الروابط‭ ‬المنطقية‭ ‬بينها‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬جذور‭ ‬الخلل‭ ‬وتوضيح‭ ‬كيفية‭ ‬تفاعل‭ ‬المتغيرات‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ – ‬لتتبّع‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬إجراءات‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬ومعايير‭ ‬القياس‭ ‬وسلوك‭ ‬دوائر‭ ‬القرار‭. ‬وجرى‭ ‬دعم‭ ‬ذلك‭ ‬بـمصفوفات‭ ‬الترابط‭ ‬التحليلي‭ (‬Analytical Correlation Matrix‭) – ‬أداة‭ ‬منهجية‭ ‬تُستخدم‭ ‬لربط‭ ‬المتغيرات‭ ‬أو‭ ‬النتائج‭ ‬عبر‭ ‬مستويات‭ ‬مختلفة،‭ ‬تكتيكية‭ ‬وعملياتية‭/‬تشغيلية‭ ‬واستراتيجية،‭ ‬بهدف‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بينها‭ ‬وتحديد‭ ‬درجة‭ ‬تأثير‭ ‬كل‭ ‬عامل‭ ‬في‭ ‬الآخر‭ ‬بطريقة‭ ‬كمية‭ ‬ومنظمة‭ – ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬في‭ ‬دمج‭ ‬المعطيات‭ ‬عبر‭ ‬المستويات،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬مقارنة‭ ‬متوازنة‭ ‬بين‭ ‬نتائج‭ ‬وحدات‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬بيئات‭ ‬تشغيلية‭ ‬متباينة‭.‬

بعد‭ ‬بناء‭ ‬النتائج‭ ‬الأولية،‭ ‬خضعت‭ ‬المخرجات‭ ‬إلى‭ ‬مراجعات‭ ‬نظراء‭ (‬Peer Reviews‭) ‬واختبارات‭ ‬مصداقية‭ (‬Validity Tests‭) ‬مع‭ ‬خبراء‭ ‬ميدانيين،‭ ‬لضبط‭ ‬الانحيازات‭ ‬الفردية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬موثوقية‭ ‬النتائج‭ ‬ودقتها‭ ‬التطبيقية،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬تفسيرات‭ ‬نظرية‭. ‬انتهت‭ ‬العملية‭ ‬إلى‭ ‬حزمة‭ ‬توصيات‭ ‬عملية‭ ‬شملت‭ ‬تعديلات‭ ‬في‭ ‬الهيكل‭ ‬والإجراءات،‭ ‬وتطوير‭ ‬أدوات‭ ‬القياس‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتوحيد‭ ‬بروتوكولات‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬وتبادلها‭ ‬بين‭ ‬المستويات‭ ‬القيادية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬التدريب‭ ‬التحليلي‭ ‬للعاملين‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬العمليات‭.‬

أهم‭ ‬النتائج‭ ‬والدروس‭ ‬المستفادة

أظهرت‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬فاعلية‭ ‬‮«‬منظومة‭ ‬تقييم‭ ‬العمليات‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تتحدد‭ ‬بالتقنيات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تعتمد‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬تحليلية‭ ‬مؤسسية‭ ‬ناضجة‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬وسيلة‭ ‬للتعلّم‭ ‬والتحسين،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬للمحاسبة‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬تجزئة‭ ‬المعلومات‭ ‬وتباين‭ ‬منهجيات‭ ‬القياس‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬والمستويات،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬صورة‭ ‬مجزأة‭ ‬للأداء‭ (‬الصورة‭ ‬المجزأة‭ ‬للأداء‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬البيانات‭ ‬والنتائج‭ ‬المتاحة‭ ‬لا‭ ‬تُظهر‭ ‬الوضع‭ ‬الحقيقي‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬أو‭ ‬متسق،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬جهة‭ ‬أو‭ ‬مستوى‭ ‬يستخدم‭ ‬معايير‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬القياس‭ ‬والتقييم،‭ ‬أو‭ ‬يعمل‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الآخرين‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تتكون‭ ‬صورة‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬ومجزّأة‭ ‬تشبه‭ ‬قِطعاً‭ ‬متناثرة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجميعها‭ ‬بشكل‭ ‬موحد‭ ‬وواضح‭). ‬عالجت‭ ‬الدراسة‭ ‬ذلك‭ ‬بالدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬معياري‭ ‬موحّد‭ ‬للقياس‭ ‬والتقارير‭ ‬يضمن‭ ‬القابلية‭ ‬للمقارنة،‭ ‬ويربط‭ ‬المؤشرات‭ ‬التكتيكية‭ ‬بمقاصد‭ ‬عملياتية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬واضحة‭.‬

كذلك‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬الدمج‭ ‬بين‭ ‬التحليل‭ ‬الكمي‭ ‬والتحليل‭ ‬النوعي‭ ‬يوفّران‭ ‬رؤية‭ ‬متعددة‭ ‬الزوايا،‭ ‬فالأرقام‭ ‬تُظهر‭ ‬الاتجاهات‭ ‬العامة‭ ‬ضعفاً‭ ‬أو‭ ‬قوةً‭ ‬وتوضح‭ ‬المجالات‭ ‬الحرجة،‭ ‬بينما‭ ‬يفسّر‭ ‬التحليل‭ ‬النوعي‭ ‬سياقات‭ ‬القرارات‭ ‬والسلوك‭ ‬التنظيمي‭ ‬ويكشف‭ ‬الأسباب‭ ‬الجذرية‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬السببية‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بوصف‭ ‬الأعراض‭ ‬كملاحظة‭ ‬النتائج‭ ‬أو‭ ‬الظواهر‭ ‬الظاهرة‭ ‬مثل‭ ‬انخفاض‭ ‬الأداء‭ ‬أو‭ ‬تأخر‭ ‬الإنجاز‭ ‬أو‭ ‬تكرار‭ ‬الأخطاء،‭ ‬يُسهل‭ ‬اشتقاق‭ ‬توصيات‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬وموجَّهة‭ ‬نحو‭ ‬معالجة‭ ‬الخلل‭ ‬لا‭ ‬مظاهره‭. ‬ومن‭ ‬الفوائد‭ ‬العملية‭ ‬القابلة‭ ‬للتعميم،‭ ‬ضرورة‭ ‬إنشاء‭ ‬منصات‭ ‬موحّدة‭ ‬لإدارة‭ ‬البيانات‭ ‬التحليلية،‭ ‬إدماج‭ ‬آليات‭ ‬تحقق‭ ‬تشاركية‭ ‬داخل‭ ‬دورة‭ ‬التحليل،‭ ‬وتحديث‭ ‬الأدوات‭ ‬والمعايير‭ ‬بانتظام‭ ‬لمواكبة‭ ‬تغيرات‭ ‬بيئة‭ ‬الصراع‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬

‭ ‬خاتمة

كشفت‭ ‬الدراسة‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬تحويل‭ ‬التحليل‭ ‬المنهجي‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬قيادة‭ ‬للتغير‭ ‬المؤسسي‭. ‬فحين‭ ‬تُدار‭ ‬المراجعة‭ ‬باعتبارها‭ ‬عملية‭ ‬تعلّم‭ ‬منظَّمة‭ ‬تجمع‭ ‬البيانات‭ ‬الموثوقة،‭ ‬وتستعمل‭ ‬أدوات‭ ‬تفسير‭ ‬سببي،‭ ‬وتُخضع‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬للتحقق،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تعزيز‭ ‬استراتيجية‭ ‬تعزّز‭ ‬الجاهزية‭ ‬وترفع‭ ‬كفاءة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬لقد‭ ‬أظهر‭ ‬عمل‭ ‬JALLC‭  ‬أن‭ ‬التحليل‭ ‬العلمي،‭ ‬حين‭ ‬يُمارَس‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬مؤسسية‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرة،‭ ‬يُنتج‭ ‬توصيات‭ ‬واقعية‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق،‭ ‬ويُرسّخ‭ ‬ثقافة‭ ‬معرفية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الدليل‭ ‬والشفافية‭ ‬والتحسين‭ ‬المستمر‭. ‬إن‭ ‬الدروس‭ ‬المستخلصة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الناتو،‭ ‬بل‭ ‬تصلح‭ ‬نموذجاً‭ ‬يُحتذى‭ ‬لأي‭ ‬مؤسسة‭ ‬دفاعية‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬تحليلية‭ ‬ومراجعية‭ ‬راسخة‭ ‬تكفل‭ ‬لها‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬معايير‭ ‬القوة‭ ‬وأشكالها‭.‬

اللواء‭ (‬م‭)/ ‬خالد‭ ‬السميطي‭ ‬

Youtube
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض