في العشر الأواخر من شهر رمضان، يتغيّر نمط الحياة بشكل واضح، حيث يطول السهر، تقل ساعات النوم، ويزداد الجهد الجسدي والذهني، مع كثرة القيام والعبادة، حرصاً على اغتنام كل لحظة من هذه الأيام المباركة.
ووسط هذا الاجتهاد، يبرز دور التغذية كعامل أساسي، قد يكون داعماً للجسم، ومعيناً على الطاعة، أو على العكس قد يكون سبباً خفياً للإرهاق والتعب دون أن ننتبه.
فالكثير من الناس خلال هذه الفترة يقعون في أحد النمطين الشائعين: إما تقليل الأكل بشكل كبير ظناً أن ذلك أخف على الجسم، وإما الاعتماد على وجبات سريعة ودسمة بحكم ضيق الوقت وكثرة الانشغال بالعبادة، وكلا الخيارين من الناحية الصحية لا يخدم الجسم في هذه المرحلة الحساسة، فالعشر الأواخر تتطلب طاقة مستقرة، وليست طاقة سريعة تزول بعد فترة قصيرة، وعلمياً الجسم خلال الصيام والسهر يحتاج إلى مصدر طاقة متوازن يحافظ على مستوى السكر في الدم بشكل مستقر، والإفطار المليء بالدهون والسكريات يرفع مستوى السكر بسرعة، لكن يتبعه هبوط حاد بعد فترة قصيرة، وهذا الهبوط هو السبب الرئيسي للشعور بالنعاس، الخمول، ضعف التركيز، والدوخة أحياناً، خاصة أثناء الوقوف الطويل في صلاة التراويح أو القيام.
كما أن الوجبات الدسمة تبطئ عملية الهضم وتحوّل طاقة الجسم نحو الجهاز الهضمي بدل أن تكون متاحة للعضلات والدماغ، لذلك يشعر البعض بثقل شديد بعد الإفطار، وصعوبة في أداء العبادات بخشوع ونشاط.
في المقابل، تلعب وجبة الإفطار المتوازنة دوراً محورياً في الحفاظ على طاقة ثابتة، حيث إن وجود البروتين مثل اللحوم الخفيفة، الدجاج، السمك، أو البقوليات، يساعد على الإحساس بالشبع لفترة أطول، ويدعم العضلات التي تتأثر بالإجهاد وقلة النوم، أما الكربوهيدرات المعقّدة مثل الأرز البني، الخبز الأسمر، أو الحبوب الكاملة، فتمنح الجسم طاقة تدريجية ومستقرة بدل الارتفاع والهبوط المفاجئ، وتأتي الخضار لتكمّل هذه المعادلة لما تحتويه من ألياف تحسّن عملية الهضم، وفيتامينات ومعادن تساعد الجسم على مقاومة الإجهاد والتعب.
الحلويات… متى وكيف؟
تناول الحلويات يعتبر جزءاً من الأجواء الرمضانية الشائعة، وتوقيتها ونوعها يصنعان فرقاً كبيراً على صحة الصائم، فتناول الحلويات الثقيلة مباشرة بعد التراويح يرهق الجهاز الهضمي، ويرفع السكر في الدم في وقت يكون فيه الجسم بحاجة إلى الهدوء والاستعداد للنوم، لذا يفضل استبدال هذه الحلويات بخيارات أخف مثل الفواكه، الزبادي، أو كميات صغيرة من الحلويات الخفيفة، للحفاظ على توازن السكر وعدم التأثير على جودة النوم.
السحور… وقود الصيام في العشر الأواخر
وجبة السحور تكتسب أهمية مضاعفة في العشر الأواخر، لأنها الوجبة التي تدعم الصيام في ظل قلة النوم وزيادة الجهد، وإهمال السحور أو الاكتفاء بوجبات خفيفة غير مدروسة يزيد من الإحساس بالجوع والعطش، ويرفع من احتمالية الاصابة بالإرهاق والصداع خلال النهار.
ولوجبة سحور صحية، يفضل اختيار أطعمة بطيئة الهضم، مثل الشوفان، الخبز الأسمر، البيض، الزبادي، مع إضافة مصادر دهون صحية بكميات معتدلة مثل المكسرات أو زيت الزيتون، فهذه الأطعمة تساعد على إطالة الإحساس بالشبع، وتزويد الجسم بطاقة تدوم لساعات أطول، كما أن من الضروري شرب كمية كافية من الماء خلال السحور يقلل من الجفاف ويخفف الشعور بالإرهاق والصداع أثناء النهار.
التغذية والعبادة… علاقة تكامل
التغذية في العشر الأواخر ليست مجرد أكل لسد الجوع، بل هي وسيلة لدعم الجسد ليكون قادراً على العبادة بخشوع واستمرارية، وعندما نختار وجباتنا بوعي فنحن لا نحافظ فقط على صحتنا الجسدية، بل نهيّئ عقولنا للحضور الذهني، وقلوبنا للطمأنينة، وأجسامنا للحيوية والنشاط.
العناية بالتغذية خلال هذه الأيام المباركة هي شكل من أشكال شكر النعمة، واحترام الجسد الذي يحملنا في رحلة العبادة، ومع التوازن في الأكل والشرب تصبح العشر الأواخر فرصة حقيقية للارتقاء الروحي دون أن يكون التعب الجسدي عائقاً، فنعيشها بطاقة ثابتة، وخشوع أعمق، وطمأنينة تمتد آثارها لما بعد رمضان.
الدكتورة بدرية الحرمي، استشارية الصحة العامة










