تطورت أشكال ذيول الطائرات المقاتلة بشكل تدريجي عبر الأجيال المتعاقبة، فقد كانت في البداية عبارة عن زعنفة بسيطة، مصممة بالأساس للحفاظ على استقامة المقاتلة، لكنها تطورت بمرور الوقت لتصبح سطح تحكم متعدد المحاور. وفي هذا السياق، باتت ذيول الطائرات المقاتلة الحديثة مختلفة بشكل جذري عن الزعانف البدائية التي استخدمتها المقاتلات القديمة، إذ أضحت ذيول المقاتلات الحديثة أداة ديناميكية هوائية، ومحدداً رئيسياً في تحسين قدرة المقاتلة على المناورة، وكذا المساعدة على تقليل احتمالية رصدها.

يتكون الذيل التقليدي للطائرة، والذي يسمى بمجموعة الذيل (Empennage)، من قطعة أفقية ثابتة، تسمى «المثبت الأفقي»، وقطعة رأسية ثابتة، تسمى «المثبت الرأسي»، وظيفة كلا القطعتين هي تحقيق الاستقرار للطائرة والحفاظ على الطيران في خط مستقيم. حيث يساعد المثبت الرأسي على منع مقدمة الطائرة من الانعراج والتأرجح جانباً، بينما يحول المثبت الأفقي دون ميل مقدمة الطائرة وحركتها لأعلى وأسفل. كذلك، هناك أجزاء متحركة صغيرة توجد في الجزء الخلفي من المثبتات الأفقية والرأسية، متصلة بالأجزاء الثابتة عبر مفصلات، يسمى الجزء المتحرك في المثبت الرأسي بـ«الدفة»، ويستخدم بالأساس لتحريك الذيل إلى اليسار واليمين، بينما يسمى الجزء المتحرك في المثبت الأفقي بـ«المصعد»، وهو يستخدم لتحريك الذيل لأعلى ولأسفل. وباستثناء الطائرات ذات الأجنحة الطائرة، على غرار القاذفة الشبحية «B-2 سبيريت»، فإن غالبية الطائرات مزودة بمثبت رأسي. وقد ظل الهدف الرئيسي لذيول الطائرات خلال النصف قرن الأول من تاريخ الطيران هو تحقيق الاستقرار للطائرة، وكلما زاد حجم ذيل الطائرة انعكس ذلك على استقرارها، وقد استمر هذا الأمر حتى بدايات عصر الطائرات النفاثة. فقد اعتمدت المقاتلات «P-51 موستانج» و«سوبرمارين سبيتفاير»، على سبيل المثال، على ذيل طويل وعريض، بغرض موازنة عزم دوران مراوحها وتدفق الهواء عبر جسم الطائرة، وتجنب انحرافها بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
ومع ظهور الطائرات المقاتلة النفاثة الأولى، على غرار مقاتلة «F-86 سابر» و«ميغ – 15»، تم إدخال تعديلات على ذيول هذه المقاتلات، بحيث تتماشى مع سرعاتها العالية، حيث أضحت الذيول أخف وزناً وأكثر رفعاً، مع بنية أقوى وهندسة أكثر انسيابية، ورغم ذلك ظل الدور الرئيسي لذيول هذه المقاتلة هو الحفاظ على استقامة مقدمة الطائرة.
ومع استمرار تنامي سرعة الطائرات المقاتلة بمرور الوقت، ازداد شكل ذيولها غرابةً، ومع الوصول للسرعات التي تتجاوز سرعة الصوت، بدأت متطلبات ذيول المقاتلات تتغير بشكل كبير، حيث تؤثر هذه السرعات على تدفق الهواء، الأمر الذي يضعف من قدرة الذيول التقليدية على التحكم في استقرار الطائرة. وفي هذا الإطار، بدأت هذه الطائرات، على غرار «إف – 104 ستريتر» و«إف-4فانتوم 2»، في التزود بزعانف عمودية شاهقة، تنطوي على ألواح ضخمة يمكنها اختراق الهواء على ارتفاعات عالية، مع حفاظها على قدرة التحكم.
ورغم ذلك، أفرزت الزعنفة الواحدة الطويلة جملة من الإشكاليات المرتبطة بالتخزين على حاملات الطائرات، ناهيك عن ضعف الاستقرار في أوقات الهجوم العالية، الأمر الذي أفضى إلى ظهور المقاتلات ذات الذيلين المزودجين، على غرار طائرة «إف – 14 تومكات» وكثير من المقاتلات الحديثة. فقد تم تقسيم الذيل المركزي الكبير إلى زعنفتين أصغر مائلتين للخارج، بحيث تتشاركات الحمل الديناميكي الهوائي، الأمر الذي انعكس في تعزيز أداء المقاتلة واستقرارها، وزاد من قدرتها على المناورة والمرونة.
لكن، خلال سبعينات القرن الماضي، ظهرت تقنية التحكم الرقمي بالطيران، الأمر الذي أعاد هيكلة مفهوم «الاستقرار الديناميكي الهوائي»، إذ لم تعد المقاتلات الحديثة بحاجة إلى الاستقرار الذي توفره لها ذيولها، بفضل التصحيحات الدقيقة التي تنفذها الحواسيب. وفي هذا الإطار، ظهرت طائرة «إف -16 فايتينغ فالكون»، وهي طائرة من الجيل الرابع أسرع من الصوت، مصممة بذيل واحد صغير الحجم وحاد الانحناء. غير أن تصميم الذيلين ظل يمثل معياراً للمناورات العالية، الأمر الذي يفسر اعتماد طائرات «إف – 15 إيجل» و«إف/إيه – 18 هورنت» و«سو – 27» بذيول مزدوجة.

أهمية الذيل للطائرات المقاتلة
منذ بداية تصميم الطائرات، اهتم المهندسون على جعلها أكثر استقراراً أثناء عملية الطيران، خاصةً فيما يتعلق بالاستقرار الطولي، والذي يعد أحد أهم أنواع الاستقرار، حيث يركز على مدى ثبات الطائرات أثناء تحركها لأعلى ولأسفل. وخلال عملية الطيران، ومع ازدياد زاوية الهجوم، يتحرك مركز الضغط على الجناح للأمام، الأمر الذي يفضي إلى زيادة ميل مقدمة الطائرة للأعلى، وهو ما قد يؤدي إلى توقف الطائرة عن الطيران. ولتجنب هذا السيناريو، تم تصميم غالبية الطائرات المقاتلة بحيث يكون مركز ثقلها أمام مركز الضغط، الأمر الذي يؤدي إلى توليد عزم دوران طبيعي للأسفل في مقدمة الطائرة، يعاكسه الذيل الأفقي للطائرة.
بالتالي، لطالما كان وجود ذيل في الطائرة المقاتلة يعد محدداً رئيسياً لتحقيق الاستقرار والتحكم، كما يحتاج السهم إلى ريش لتحقيق الاستقرار أثناء الطيران، وإلا سينحرف السهم المنطلق من القوس عن مساره، ومن ثم يصعب إصابته للهدف، ولعل هذا ما يفسر تسمية ذيل الطائرة بـ «Empennage»، والمشتقة من الكلمة الفرنسية «Empenner»، والتي تعني «تركيب ريش السهم». فالطائرة تتأثر بقوة الرفع التي تسحبها للأعلى، وكذا بوزنها الذي يسحبها لأسفل، وفي ظل عدم تطابق هاتين القوتين، فينتج عن ذلك ما يعرف بـ«مجال الطيران»، ولتعويض انخفاض مقدمة الطائرة إلى الأسفل، يتطلب ذلك وجود وحدة ذيل أفقية، كما تحتاج الطائرة لوحدة ذيل عمودية، أو زعنفة، لتجنب التأرجح من جانب لآخر، أو ما يسمح بالانحراف.
ولتعزيز قدرة الطائرة على التحكم، هناك جزء من الذيل يكون قابلاً للحركة، يستخدم بالأساس في تحسين التحكم في عملية الطيران. ولضمان استقرار الطائرة، عندما تنحرف المقاتلة يميناً أو يساراً، أو لأعلى أو لأسفل، تنشأ قوى على وحدة الذيل، تساعد على إعادة الطائرة لوضعية الطيران المستقيم، وقد عمدت المقاتلات الحديثة إلى جعل وحدة الذيل الأفقية والرأسية قابلة للحركة بشكل كامل.

تباين أشكال ذيول الطائرات المقاتلة
ينقسم هيكل الطائرة غالباً إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، تتمثل فيما يلي:
جسم الطائرة: وهو الجزء الرئيسي المجوف من هيكل الطائرة.
الأجنحة: وهي المسؤولة عن قوة الرفع اللازمة لإبقاء الطائرة في الهواء.
الذيل: وهو الجزء المسؤول عن الاستقرار الاتجاهي والتحكم في الطائرة، فهو يضمن الطيران بشكل مستقيم والاستجابة الصحيحة لتوجيهات الطيار.
تجدر الإشارة إلى أن تصميم مكونات هيكل الطائرات المقاتلة يختلف تبعاً للوظيفة المخصصة لها، ما ينتج عن ذلك تصاميم ذيلية متعددة للمقاتلات. وتشير التقارير الدولية إلى وجود أكثر من عشرة أنواع من أشكال ذيول الطائرات المختلفة عالمياً، منها خمسة أنواع أكثر شيوعاً، تتمثل فيما يلي:
التصميم التقليدي للذيل: يعد هذا النوع من الذيول هو الأكثر شيوعاً، إذ تمثل حوالي 70 % من إجمالي الطائرات حول العالم، مع تركزه بالأساس في الطائرات التجارية. ويتسم هذا النوع من الذيول بخفة وزنه وسهولة صيانته، لكن يعاب عليه كبر حجمه، لدرجة أن طوله يزيد في بعض الأحيان على طول جسم الطائرة ذاتها.
الذيل على شكل حرف (T): ويتركز هذا النوع من الذيول في طائرات رجال الأعمال الصغيرة، بالإضافة للطائرات ثلاثية المحركات والطائرات الأصغر حجماً، وهو ما يسمح بتركيب المحركات على جسم الطائرة، ومن ثم تحسين الديناميكية الهوائية والاستقرار.
تصميم الذيل على شكل حرف (H): وقد كان هذا التصميم أكثر استخداماً في الطائرات القديمة ذات المحركات المكبسية، خاصةً خلال حقبة الحرب العالمية الثانية، ويتميز هذا التصميم بتقليله لتدفق الهواء الجانبي فوق الأجنحة، فضلاً عن زيادتها لاستقرار الطائرة من خلال استغلال تدفق الهواء الناتج عن وضع الدفات خلف المراوح مباشرة.
تصميم الذيل على شكل حرف (V): ويعرف هذا التصميم أيضاً باسم «الدفة والمصعد»، حيث يدمج هذا التصميم بين وظيفتي الدفة والمصعد في سطح تحكم واحد، وهو ما يقلل من الوزن الإجمالي للمقاتلة، ما يجعله أكثر شيوعاً في المقاتلات الخفيفة والمسيرات. ويعود بداية تصميم المقاتلات ذات الذيل على شكل حرف (V) إلى عام 1930، ورغم تاريخها الطويل، فإن الطائرات التي تعتمد هذا النموذج لا تزال قليلة نسبياً، لعل أبرزها الطائرة العسكرية «لوكهيد إف – 117 نايت هوك»، وكذا طائرة «فوغا ماجيستر»، والتي حلقت لأول مرة في عام 1952، كطائرة تدريب للقوات الجوية الفرنسية. ورغم أن الذيل على شكل حرف (V) يقلل من مقاومة الهواء والوزن، ولعل هذا ما يفسر استخدام كثير من الطائرات المسيرة لهذا التصميم من الذيول، لكنه غالباً ما يتطلب أنظمة تحكم معقدة، كما أن هذا هذا التصميم لا يؤدي دائماً إلى تسهيل التحكم.
تصميم الطائرات ذات الذيلين: ويعد هذا التصميم هو الأكثر استخداماً في الطائرات المقاتلة، حيث تحتاج هذه المقاتلات لمثبتات رأسية كبيرة بغية زيادة الاستقرار، كما يقلل تصميم الذيل المزدوج من المقطع العرضي الراداري، الأمر الذي يشكل أهمية كبيرة لتحقيق ميزة التخفي. كذا، يساعد هذا التصميم من تقليل ارتفاع الطائرة، وهو ما يمثل ميزة خاصة للمقاتلات التي تعمل على حاملات الطائرات.
ومنذ حقبة الحرب العالمية الثانية، بدأت العديد من الطائرات المقاتلة في استخدام الذيل المزدوج، وذلك بغية تعزيز التحكم في الطائرة عند السرعات العالية، خاصةً عندما بدأت المقاتلات في استخدام محرك واحد أو أكثر من المحركات عالية الأداء، والتي ساعدت المقاتلات على الوصول لسرعات هائلة، ما يجعلها تتجاوز حدود التحكم في الطيران، وبالتالي الحاجة لذيلين لتوفير تحكم إضافي بالطائرة والحفاظ على استقرارها عند السرعات القصوى.
لكن، هذا لا يعني بالضرورة أن الذيل الأحادي أقل كفاءة مقارنة بالذيلين، فهناك كثير من المقاتلات الحديثة تستخدم ذيلاً واحداً. فعلى سبيل المثال، عند مقارنة طائرتي «إف – 15 إيغل» و«إف – 16 فايتينغ فالكون»، يلاحظ أن كليهما يتميز بتصميم هندسي وقدرات متطورة، مع تميز الأولى بذيل مزدوج، بينما تنطوي الثانية على ذيل أحادي. غير أن اختلاف هذا التصميم ربما يعزى إلى تباين أغراض الطائرتين، فقد تم تصميم طائرة «إف – 15» لتكون قادرة على التحليق بسرعة تصل لحوالي 2.5 ماخ، والطيران على ارتفاعات شاهقة، بينما تبلغ سرعة طائرة «إف – 16» نحو 2 ماخ، مع قدرة على الطيران على ارتفاعات أقل، لذا يساعد الذيلان على تثبيت طائرة «إف-15» عند هذه السرعات، في الوقت الذي تتميز فيه «إف-16» بقدرات أعلى على المناورات عالية التسارع، وبكفاءة طاقة فائقة.
كذا، تتميز الطائرات المقاتلة البحرية، على غرار «إف – 35 لايتنينغ 2» و«إف سوبر هورنت»، بتصميم الذيل المزدوج، وذلك لتوفير ميزة احتياطية بالنسبة لهذه الطائرات التي ستحلق فوق مسطحات مائية، والتي تقل فيها مواقع الهبوط المتاحة، بحيث إذا تضرر أحد الذيلين يبقى الآخر بكفاءة لفترة كافية. ومن ثم يعتمد قرار استخدام مثبت عمودي واحد كبير أو ذيلين أصغر على نوعية المهام المصممة لها المقاتلة.

الطائرات الشبحية وتغير شكل الذيول
أدت المقاتلات الشبحية إلى إحداث تغيرات جذرية في تصميم ذيول الطائرات، ففي إطار تزايد الاهتمام بميزة التخفي في هذه المقاتلات، تميزت مقاتلات الجيل الخامس من هذه المقاتلات الشبحية بذيل متحرك بالكامل صارف لطاقة الرادار، ويعمل هذا الذيل كدفة توجيه أو مكابح هوائية وفقاً لوضعية الطيران.
وفي إطار التنافس الدولي الراهن بشأن تطوير مقاتلات الجيل السادس، بدأت الصين في إجراء تجارب طيران على طائرتيها النموذجيتين «J-36» و«J-50»، كما اختارت الولايات المتحدة شركة «بوينغ» لتصنيع مقاتلتها المستقبلية من الجيل السادس «F-47»، ورغم أن هذه المقاتلات تشترك مع مقاتلات الجيل الخامس، غلى غرار طائرات «F-35 لايتنينغ 2» و«F-22 رابتور» الأمريكية ومقاتلة «J-20» الصينية وطائرة «سو- 57» الروسية، في التركيز على تقنية التخفي، بيد أن الجيل الجديد من المقاتلات سيشمل تطورات كبيرة في تصميم هيكل الطائرات، بما يشمل جسم الطائرة والأجنحة والذيل وعجلات الهبوط.
وفي هذا السياق، تشير التقارير الغربية إلى أن أبرز السمات الشائعة في مقاتلات الجيل السادس هو تقليص أو إزالة الذيل العمودي في مؤخرة الطائرة، وكذا أسطح التحكم الخاصة بها. وبينما كان الذيل في مقاتلات الجيل الخامس يوفر استقراراً اتجاهياً وتحكماً أثناء الطيران، الأمر الذي يعزز من قدرة هذه المقاتلات على المناورة والحفاظ على مسارها، غير أن مقاتلات الجيل السادس يمكنها تحقيق هذا التحكم بمساعدة توجيه الدفع والقدرة على التلاعب باتجاه المحركات.
كذا، تتجه بعض مقاتلات الجيل السادس إلى استبدال دور الذيل العمودي للمقاتلات الحالية جزئياً بأجهزة تسمى «المحركات السائلة» Fluidic Actuators. وتشير التقارير الغربية إلى أن إزالة الذيل العمودي في مقاتلات الجيل التالي ستعزز من قدرة هذه الطائرات على التخفي.
ومن هذا المنطلق، يعكس تصميم الطائرات المقاتلة الشبحية توازناً دقيقاً بين أداء الطيران من ناحية، وتقنيات التخفي من ناحية أخرى. وفي هذا الإطار، تشكل الذيول العمودية إشكالية من منظور البصمة الراديوية، الأمر الذي نتج عنه تصميمات حديثة تستغني تماماً عن أسطح الذيل العمودية، في محاولة لتحسين البصمة الراديوية لهيكل الطائرة، بيد أن هذا الخيار يتطلب تنازلات كبيرة تتعلق بالاستقرار والتحكم في مراحل الطيران المختلفة. ولتفادي هذا الأمر، طرحت بعض الأدبيات فكرة دمج ذيل عمودي متحرك، بحيث يمكن من خلاله الاستفادة من تأثير تثبيت الذيل في المراحل الحرجة من الطيران، خاصةً عند الإقلاع والهبوط والمناورة، مع تحسين البصمة الراديوية عند طي الذيل أثناء الطيران.
بالتالي، تشير الأدبيات الغربية إلى أن الاستغناء عن الذيل العمودي قد يكون مفيداً للمقاتلات الحديثة من منظور التخفي، وكذا من الناحية الديناميكية الهوائية، ورغم ذلك فإن اعتبارات ديناميكيات الطيران ترجح استخدام الأسطح المثبتة، ولدمج المزايا الخاصة بكلا الجانبين، ترى هذه الأدبيات أهمية استخدام الزعانف القابلة للطي، بحيث تحصل المقاتلات على مزايا ديناميكية هوائية، وكذا بصمة مميزة، خلال مراحل محددة من الطيران، مع قدرتها على الحفاظ على وظائف التثبيت في مراحل أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن فكرة الذيول الرأسية القابلة للطي لا تعد طرحاً جديداً، فقد ظهرت أشكال مختلف من هذا التصميم خلال العقود الماضية، كان أولها قاذفة القنابل «بوينغ بي- 50 سوبر فورترس»، والتي كان من الممكن طي ذيولها الرأسية عند قاعدتها. كذا، استخدمت كثير من الطائرات المصممة للاستخدام على حاملات الطائرات زعانف قابلة للطي وذيل رأسي متحرك بالكامل، على غرار طائرة «نورث أمريكان إيه – 5 فيجيلانتي».
تطور المقاتلات عديمة الذيل
تشكل الطائرات المقاتلة بدون ذيل إعادة تصور لكيفية طيران هذه المقاتلات، ولطالما ظلت هذه الفكرة محل اهتمام المهندسين لنحو قرن من الزمان، لكن كافة المحاولات السابقة باءت بالفشل، قبل أن يتوصل هؤلاء المهندسون لإثبات أنه يمكن باستخدام الحيل الديناميكية الهوائية المناسبة أن تتخلى المقاتلات الحديثة عن الذيول. وتشير بعض التقارير الغربية إلى أن هذه التصميمات ربما تحدث ثورة في مستقبل الطيران والحروب الجوية الحديثة، وأن هذه المقاتلات عديمة الذيل مصممة لتكون أكثر استقراراً وكفاءةً، ناهيك عن وزنها الخفيف، رغم افتقارها لأسطح التحكم الأفقية، غير أن تشغيلها قد يبدو أكثر صعوبة.
وتنطوي المقاتلات عديمة الذيل على جناح ثابت بدون أي سطح ديناميكي هوائي أفقي سوى جناحها الرئيسي، ما يعني افتقارها لسطح الذيل أو الجناح الأمامي، مع دمجها لوظائف الاستقرار الطولي والتحكم والرفع في الجناح الرئيسي. ويتمثل أبرز عوامل الاستقرار في الطائرات المقاتلة عديمة الذيل هو العلاقة بين مركز الثقل ومركز الضغط، فعادةً ما يتم وضع مركز الثقل أمام مركز الضغط في هذا النوع من المقاتلات، ما يساعد على منع ميل مقدمة الطائرة لأعلى بشكل غير مرغوب، ومن ثم الحفاظ على مقدمة المقاتلة مستوية، أو انخفاضها قليلاً لتبدأ في الاستقرار التدريجي، وذلك عن طريق ثني الحافة الأمامية للجناح للخلف، أو تقليل زاوية سقوط الجزء الخارجي من الجناح. وخلال الطيران الأفقي، يتم ضبط الطائرة بتصميم يجعل أطراف الأجنحة لا تضيف قوة رفع، بل على العكس قد تؤدي إلى ضغط خفيف للأسفل، على غرار الدور الذي يقوم به الذيل. ورغم أن هذا التصميم يجعل الأجنحة أقل كفاءة، لكنه يقلل من مقوامتها للهواء والوزن والتكلفة، مقارنة بحالة استخدام الذيل التقليدي. وتجدر الإشارة إلى أن فكرة تصميم طائرات بدون ذيل يعود إلى بدايات القرن العشرين، عندما طرح المصمم البريطاني، جيه دبليو دان، تصميم لطائرتي «دي- 5» و«دي- 8» بدون ذيل وبأجنحة مائلة، مع انحناء مخروطي للجناح في الأعلى لتحقيق الاستقرار، وهو ما أدى إلى انحناء متزايد باتجاه الأطراف. وبعد ثلاثة عقود من محاولات دان، قام الأخوان هورتن في ألمانيا بتطوير أجنحة طائرة «هورتن هو 229» بدون ذيل ذات مقاومة ديناميكية هوائية منخفضة، وقد شكلت هذه المحاولات الأساس للطائرات الشبحية المستقبلية، على غرار طائرة «B-2» الأمريكية. وفي الولايات المتحدة، شكلت محاولات جاك نورثروب بداية تطوير هذا النوع من المقاتلات، حيث طرح تصميمات أولية، مثل «N-1M». ورغم فشل اختبار هذه النماذج، غير أنها أظهرت إمكانية تطوير مقاتلات عديمة الذيل، وتشير التقارير الغربية إلى أن هذه الطائرات تسلك مساراً واعداً.
وفي هذا السياق، كشفت الصين، في نوفمبر 2025، عن تجريبها لمقاتلتها من الجيل السادس، وهي المقاتلة «J-36»، بتصميم ديناميكي هوائي يخلو من الذيل، وذلك بعد نحو عشرة أشهر فقط من إعلانها عن بدء تطويرها لهذه المقاتلة، والتي تم تزويدها بإلكترونيات متطورة وأنظمة حرب إلكترونية حديثة، فضلاً عن تزويدها بوحدة تحكم خاصة بإدارة أسراب من المسيرات، ويبلغ النطاق القتالي لهذه المقاتلة أكثر من 4000 كيلومتر، بسرعة قصوة تتجاوز الـ3 ماخ.
في الختام، على الرغم من أن الطائرات عديمة الذيل تستخدم أسطح تحكم ذكية، للحفاظ على استقرارها وتعزيز قدرتها على المناورة دون الحاجة للذيل التقليدي، مع تقليلها لمقاومة الهواء، فضلاً عن تعزيزها لكفاءة استهلاك الوقود، وتحسين قدرات التخفي، بيد أنها لا تزال تنطوي على بعض التحديات، على غرار حساسية الوزن وحاجتها لأنظمة طيران متطورة، كما أن الأجنحة المائلة التي تستخدمها هذا الطائرات لتحقيق الاستقرار تزيد من مقاومة الهواء عن السرعات المنخفضة، ما يعني حاجتها لسرعات إقلاع وهبوط أعلى.
عدنان موسى مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة










