تلعب المناورات العسكرية أدواراً عدة، فهي قد تهدف إلى تحقيق أهداف عدة، مثل رفع كفاءة القوات، وتعزيز التشغيل البيني للقوات المختلفة، بالإضافة إلى التدرب على بعض التكتيكات، واختبار بعض الخطط العسكرية، كما أنها توظف أحياناً لتحقيق الردع، أي أنها تمثل رسالة للخصوم لردعهم عن التصعيد العسكري عبر تغيير حساباتهم فيما يتعلق بالمكاسب التي قد يجنوها من الحرب، أو تبني خطوات معينة. ومن ذلك على سبيل المثال، المناورات الصينية المتكررة حول تايوان، والتي كان آخرها “مهمة العدالة 2025” (Justice Mission 2025) في ديسمبر 2025.

ويكشف التاريخ العسكري، أحياناً، عن استخدام المناورات العسكرية أحياناً كغطاء للحرب، كما في حرب أكتوبر 1973، بالإضافة إلى إمكانية توظيفها لإظهار تنامي القدرات العسكرية، مثل المناورات الصينية حول تايوان، والتي تهدف إلى تأكيد قدرتها على تنفيذ عمليات قتالية بالأسلحة المشتركة، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات الحصار البحري، فضلاً عن قدرة الجيش الصيني على تنفيذ ضربات عسكرية دقيقة تستهدف البنية التحتية الحيوية . وسوف يهدف التحليل إلى توضيح استخدامات وأهداف المناورات العسكرية، مع الإشارة إلى المناورات البحرية الصينية حول تايوان، وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي.
المفهوم والاستخدامات:
يجب التمييز بين عدة مفاهيم ترتبط بألعاب الحرب، وهي النماذج والمحاكاة وألعاب الحرب. وفي حين يتم استخدام المصطلحات الثلاثة السابقة باعتبارها مرادفات لبعضها بعضاً، فإن هناك فوارق دقيقة بينها. فالنماذج تمثل الواقع. أما المحاكاة، فتهدف إلى تمثيل الواقع مع إدخال عامل الزمن، أو الوقت. تتضمن ألعاب الحرب، في المقابل، عنصراً من السرد، حيث يغمر اللاعبون أنفسهم في عالم اللعبة ويسعون للتأثير في نتيجتها، إذ إن بيئة لعبة الحرب ليست ثابتة. على عكس المحاكاة، فإن نتائج لعبة الحرب لا تُحدد بالكامل من خلال المدخلات، ولكن كذلك من خلال التفاعل بين الخصوم. لذلك، فإنه في حين يضع مؤلفو ألعاب الحرب الخطوط العامة للعبة، فإنه يمكن للاعبين أنفسهم ويجب عليهم تحديد المسار الذي تسلكه اللعبة. وبهذا المعنى، لا يمكن أن تُلعب لعبة حرب واحدة بنفس الشكل مرتين أبداً .
ويعود تاريخ توظيف ألعاب الحرب إلى إمبراطورية جوبتا في القرن السادس قبل الميلاد، وغالباً ما يُشار إلى لعبة الشطرنج المجردة الاستراتيجية «شاتورانغا» باعتبارها أقدم نسخة من ألعاب الحرب. وقد وجدت نماذج مشابهة في اليونان القديمة «بيزوي» (Pessoi)، ومصر «تاو وسينيت» (Senet وT’au)، والصين «وي شي» (Wei-chi). تعود جذور ألعاب الحرب الحديثة إلى أوائل القرن التاسع عشر، حيث نشأت من الاعتقاد السائد في عصر التنوير بأن أي مسعى بشري، بما في ذلك فوضى المعركة، يمكن تحليله عبر المنهج العلمي. ومع ذلك، مع مرور الوقت، باتت ألعاب الحرب تتبنى عناصر أخرى، بما في ذلك الصدفة، التي تُبرز الجوانب الأقل عقلانية للصراع .
وبهذا المعنى كذلك، كانت ألعاب الحرب موجودة منذ العصور القديمة، حيث قدمت حضارات متقدمة مثل المصريين والآشوريين أمثلة مبكرة على ألعاب الحرب. وغالباً ما استُخدمت للتدريب العسكري والتخطيط الاستراتيجي، مما ساعد على إعداد الجنود للمعركة، ومكنّهم من ممارسة التكتيكات في بيئة آمنة مناسبة لاختبار النظريات وتطوير مسارات العمل المثلى من خلال التجريب. وعلى الرغم من أن ألعاب الحرب وُجدت بأشكال مختلفة منذ فجر الحضارة، فإن استخدامها في السياقات العسكرية ازداد بشكل كبير في القرن التاسع عشر. استُخدمت ألعاب الشطرنج ومجسمات الطاولة لمحاكاة ودراسة استراتيجيات الحرب المختلفة، وبدأت الجيوش حول العالم في اعتمادها لأغراض التدريب. ومع تقدم التكنولوجيا، تعقدت ألعاب الحرب أيضاً، لتبلغ ذروتها في ألعاب الفيديو الحديثة التي تقدم محاكاة واقعية لمناطق الحروب وساحات المعارك .
وبمراجعة الدراسات ذات الصلة، وجد أنه عادة ما تستخدم التدريبات العسكرية لتحقيق عدد من الأهداف، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي:
1. التدريب على الاستراتيجية والتكتيكات: تتباين أهداف المحاكاة بتعدد أشكالها، فهي قد يتم ممارستها على المستويات الاستراتيجية، وكذلك على المستويات التكتيكية. وعلى سبيل المثال، فإن ألعاب الحرب على المستوى الاستراتيجي تهدف إلى تطوير قدرات مثل التفكير الاستراتيجي متعدد الأبعاد، وإدارة الموارد، والقدرة على التأقلم في مواجهة تغير تكتيكات العدو بسرعة، وهو ما ينعكس على تعزيز كفاءة التخطيط العملياتي، واتخاذ القرار وقت المعركة. وعلى الجانب الآخر، قد يتم إجراء محاكاة على الحرب السيبرانية أو استخدام الطائرات المسيرة .
2. طمأنة الحلفاء: يُعَدّ تركيز الولايات المتحدة على التدريبات المشتركة مع القوات المسلحة للدول الأخرى جزءاً من استراتيجية متعمّدة تهدف إلى دعم الحلفاء وردع التهديدات المحتملة. فهي تعد بمثابة استعراض للقوة العسكرية، ومن ثم تساهم في تعزيز ثقة الأصدقاء وتذكّر الخصوم المحتملين بتكلفة الاشتباك مع الجيش الأمريكي. تُجري أفرع القوات المسلحة الأمريكية الأربع، إلى جانب القوات الحليفة، تدريبات سنوية تتراوح بين تدريبات ميدانية روتينية ومحاكاة لصراعات واسعة النطاق تشمل آلاف الجنود وعناصر معقدة من الدعم اللوجستي والإسناد ومراكز القيادة. ويُنفَّذ العديد من هذه التدريبات سنوياً منذ عقود، مثل تمرين «حافة المحيط الهادئ» (RIMPAC) في شرق آسيا، و»النسر الحازم» (Foal Eagle) في كوريا الجنوبية، و»كوبرا جولد» (Cobra Gold) في تايلاند، و»باليكاتان» (Balikatan) في الفلبين، و»سي بريز» (Sea Breeze) في أوكرانيا .
3. إكراه الخصوم: توظف الولايات المتحدة التدريبات العسكرية المشتركة أحياناً بهدف إكراه الخصوم، أي الضغط عليهم لدفعهم لتغيير سلوكهم، أو لدفعهم لتقديم تنازلات معينة. ومع ذلك، تكشف العديد من الأمثلة التاريخية عن أن التدريبات الأمريكية نادراً ما نجحت في تغيير سلوك الخصوم. على سبيل المثال، فإن التدريبات العسكرية المشتركة لحلف الناتو مع أوكرانيا لم تمنع موسكو من إعلان الحرب ضد أوكرانيا، كما أن التدريبات العسكرية للجيش الأمريكي وجيش كوريا الجنوبية لم ينجح في إقناع كوريا الشمالية بالدخول في مفاوضات لنزع سلاحها النووي، كما ترغب واشنطن .
4. تعزيز التشغيل البيني: تهدف التدريبات العسكرية المشتركة كذلك لتعزيز الفهم المتبادل مع الشركاء بما يعزّز قابلية التشغيل البيني، ويُسهِم في نهاية المطاف في الاستعداد للحرب. فعلى سبيل المثال، يقوم الجيش الأمريكي بالتدريبات، في أغلب الأحوال، بالتزامن مع عمليات الانتشار بالتناوب لاختبار وتحسين قدرة القوات المسلحة الأمريكية على تنفيذ العمليات المشتركة والانتشار السريع لدعم الدول الحليفة .
5. جمع المعلومات الاستخباراتية: يمكن أن تكون للتدريبات العسكرية قيمة استخباراتية عندما تُستخدم لاستكشاف وضع العدو وقدراته، خصوصاً في الحالات التي تستفز الخصم، وتدفعه إلى تبني ردود فعل تكشف عن دفاعات الخصم .
6. غطاء للحرب: تستخدم الدول التدريبات العسكرية كغطاء للحرب أحياناً. ويعد التدريب العسكري أفضل غطاء على الاستعداد للحرب، لأنه يتضمن أحياناً تعبئة عدد ضخم من القوات، قد تماثل أو تقترب من الأعداد التي سوف تشارك فعلاً في العمليات العسكرية الهجومية. وهناك مثالان تاريخيان على ذلك. المثال الأول هو التدريبات العسكرية وتعبئة القوات التي تمت ثلاث مرات آخرها كان في يوم 6 أكتوبر 1973، وهو اليوم الذي شنّت فيه مصر حربها لاستعادة أراضيها المحتلة من إسرائيل. فقد أدى التكرار المتعمد لإجراءات التعبئة العامة واستدعاء القوات على طول الجبهة الغربية لقناة السويس ثم تسريحها، إلى جعل القيادة الإسرائيلية مترددة للغاية في إعلان حالة الجاهزية القصوى إزاء كل تعبئة تقوم بها مصر وفي تنفيذ تعبئة كاملة للقوات يوم اندلاع الحرب .
ولم يتوقف الأمر عند مجرد تعبئة القوات وتسريحها، فقد كانت القوات المصرية طوال صيف عام 1972، تتدرب على عبور القناة أمام قوات إسرائيل، في منطقة تفريعة جزيرة البلاح شمال الإسماعيلية، حيث أعد المصريون شواطئ للنزول عليها. وقابلت إسرائيل هذه المشاهد بالضحك والسخرية معتقدين أن القوات المصرية عاجزة على عبور أكبر خط دفاعي في التاريخ. والغريب أن عبور القوات المصرية في السادس من أكتوبر كان مطابقاً تماماً لما حدث سابقاً بكل تفاصيله الدقيقة، ولذلك اعتقد العدو أنه كان تمريناً تدريبياً عادياً، وكان كذلك بالفعل، ولكنه في الوقت نفسه كان تمريناً عملياً على خطة العبور .
أما المثال الثاني، فيتمثل في الحرب الروسية – الأوكرانية، فقد أقدمت موسكو على تعبئة قواتها العسكرية حول أوكرانيا، وذلك في مناورات «زاباد 2021»، حيث قامت بتعبئة حوالي مائتي ألف جندي حول أوكرانيا، في سبتمبر 2021، أي قبل الحرب ببضعة أشهر، غير أنه يمكن القول هنا إن روسيا لم تكن تكترث لإخفاء نواياها الهجومية، حتى وإن نفت ذلك دبلوماسياً، نظراً لأنه كان من الواضح أن القوات التي تم نشرها كانت تكشف عن استعداد قتالي، كما أن روسيا استخدمت القوات كورقة تفاوضية وقتها لإكراه أوكرانيا على الانصياع لطلبات الكرملين بالتخلي عن الانضمام نهائياً لحلف الناتو. وكانت الطلبات الروسية واضحة، وهي إما إذعان أوكرانيا وإعلان عدم الانضمام إلى الناتو، أو الحرب.

مناورات «مهمة العدالة 2025»
قامت الصين، في ديسمبر 2025، بحشد وحدات من الجيش والبحرية والقوات الجوية والصواريخ حول تايوان، في مناورات عسكرية واسعة النطاق لاختبار ما وصفته بالجاهزية القتالية، ولتوجيه «تحذير جاد» ضد أي تحرك لاستقلال تايوان. وكانت الصين قد كثفت بشكل ملحوظ تدريبات تطويق تايوان منذ عام 2022، عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة، نانسي بيلوسي، إلى تايبيه، والتي نظرت إليها بكين على أنها دعماً أمريكياً لانفصال تايوان عن بكين .
تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المناورات البحرية الصينية كانت السادسة منذ العام 2022، وكان مسببها الرئيسي هذه المرة هو تبني الولايات المتحدة واليابان وتايوان خطوات هدفت إلى تأكيد استقلال الأخيرة عن الصين. فقد صرحت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، أن بلادها قد ترد عسكريا إذا تحركت الصين للاستيلاء على تايوان بالقوة . كما أعلنت الولايات المتحدة عن مبيعات عسكرية لتايوان قيمتها 11.1 مليار دولار، بالإضافة إلى تعهد تايوان بزيادة الإنفاق العسكري. وركزت المبيعات العسكرية الأمريكية على إمداد تايبيه بالأسلحة التي تهدف إلى عرقلة قدرة بكين على فرض حصار بحري على جزيرة تايوان، مثل راجمات هيمارس، وأنظمة أتاكامس، وذلك إلى جانب الطائرات المسيرة «ألتيوس» (Altius)، وصواريخ جافلين المضادة للدبابات . وتشبه أغلب الأسلحة الأمريكية لتايوان تلك التي أمدت واشنطن بها أوكرانيا لدعمها في حربها ضد روسيا .
على الجانب الأخر، هدفت المناورات البحرية الصينية حول تايوان إلى تحقيق هدفين أساسيين، أولاً، تطويق الجزيرة، وذلك عبر محاكاة حصار الموانئ الرئيسية، ومهاجمة الأهداف البحرية. فقد قامت القوات البحرية الصينية بمحاكاة عملية حصار ضد كيلونغ، وهي مدينة ساحلية رئيسية مجاورة لتايبيه، كما أن عمليات الحصار ضد تايوان قد تكون ذا فاعلية عسكرية كبيرة، خاصة وأن الجزيرة تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخارج، والتي يصل معظمها عبر ميناء كاوشيونغ. وثانياً، صد «التدخل» الأجنبي، وهو ما وضح في إقدام الصين على مناورات تستهدف رصد الغواصات المعادية، بينما اتخذت سفن صينية في الجنوب مواقع يمكنها من منع القوات الأجنبية من دخول مضيق تايوان مع قطع الطريق إلى ميناء كاوشيونغ، أكبر ميناء في تايوان. وأشارت صحف صينية إلى أن قوات البحرية الصينية المنتشرة شرق تايوان تدربت على منع أي قوات عسكرية معادية من الوصول إلى الجزيرة، على الأرجح عن طريق حصار مدينة هوا ليان الساحلية. من المحتمل أن تكون قوات جيش التحرير الشعبي الصيني قد نشرت قواتها في طرق الملاحة البحرية والجوية الرئيسية لإثبات قدرتها على تعطيل هذه الاتصالات بالقوة العسكرية وممارسة التحركات اللازمة للقيام بذلك . وبالتالي، تسعى بكين للتأكيد لتايوان بأن واشنطن لن تستطيع القدوم لدعم تايوان إذا ما قررت الصين فرض حصار بحري على تايوان بالقوة العسكرية. وأكد على هذا الأمر إعلان الجيش الصيني صراحة أن هدف العمليات العسكرية هو اختبار التنسيق بين القوات البحرية والجوية والبحث الدقيق عن الأهداف وتحييدها، بما في ذلك الهجمات على الغواصات والأهداف البحرية الأخرى .
وبالتالي، فإنه في حقيقة الأمر جاء الدعم العسكري الأمريكي لتايوان، وكذلك المناورات الصينية حول الأخيرة لتكون بمثابة رسائل تهديد من واشنطن وبكين تجاه الطرف الأخر. ويلاحظ أن الرسائل الصينية إلى تايوان من خلال المناورات كانت مكلفة، وذلك نظراً لأنها تستعرض أمام الجيش التايواني والأمريكي جانب من الإجراءات التي سوف تقدم على تنفيذها عسكرياً إذا ما سعت الجزيرة لإعلان انفصالها، وهو ما يعني أنه سوف يتوجب عليها تغيير جانب منها، واستحداث عنصر جديد للمفاجئة، نظراً لأن الجيشين التايواني والأمريكي اطلعا على المناورات، وسوف يقومومان بوضع خطط عسكرية مناوئة لها.
وعلى الجانب الآخر، فإن الصين أطلقت صواريخ في المياه القريبة من تايوان، وذلك بهدف ترك أثر نفسي على سكان الجزيرة، وقادتها السياسيين الداعمين للانفصال، إذ أن البرلمان التايواني منقسم بين فصيلين، الفصيل الأول الداعم لعلاقات ودية مع الصين، وحتى وحدة مشروطة. يمثل هذا الفصيل حزب الكومينتانج المعارض، وحليفه حزب الشعب التايواني، واللذان معاً يمتلكان الأغلبية في البرلمان التايواني، والحزب الديمقراطي التقدمي، والذي يدعو لاستقلال تايوان عن الصين. صحيح أن الحزب الأخير صار أقلية في البرلمان التايواني، غير أن رئيس تايوان، لاي تشينغ-ته، ينتمي لهذا الحزب، ويدفع باتجاه استقلال تايوان عن الصين .
وعلى الرغم من محاولة الرئيس التايواني، في يوليو 2025، إجراء انتخابات لعزل حوالي 31 نائباً من حزب كومينتانغ المعارض، بعد اتهامهم بالموالاة للصين وتشكيل تهديد أمني، في محاولة لاستبدالهم بالموالين له، إذ كان يحتاج إلى عزل ما لا يقل عن 12 نائباً من كومينتانغ لضمان غالبية مؤقتة في البرلمان، إلا أنه أخفق في هذا المسعى، إذ أكدت الانتخابات شعبية الأعضاء المعارضين. وكان الرئيس التايواني يرغب في التخلص من المعارضة، نظراً لأنهم عارضوا أجندته، والتي يأتي من ضمنها رفع الإنفاق العسكري، كما كانت حزبي المعارضة يقترح تشريعات يراها الرئيس التايواني أنها تستهدف إضعاف دفاعات تايوان . وتجدر الإشارة هنا إلى أن حزب الكومينتانغ المعارض، انتخب النائبة السابقة تشينغ لي-وون رئيسةً للحزب، والتي سبق وأن حذرت من أن تصبح تايوان ضحية الجيوبوليتيك. وأعلنت تشينغ لي-وون، أثناء حملتها الانتخابية أنها ترفض زيادة الإنفاق العسكري، وهو الأمر الذي يدعمه الرئيس التايواني المدعوم من الولايات المتحدة .
ويبدو أن الصين، بمناوراتها البحرية تلك، تستهدف التأثير على الحسابات الداخلية لسكان الجزيرة، عبر دفعهم لتجنب ويلات الحرب، ومساندة الأحزاب التي ترفض الاستقلال عن الصين. ويدعمها في ذلك مآلات الحرب الروسية – الأوكرانية، والتي لا يبدو أنها سوف تنتهي، في ظل موازين القوى السائدة، لصالح كييف، على الرغم من الدعم الغربي الكامل لها.
أما عسكرياً، فإن الاستعدادات للحرب لم تتوقف، ففي أواخر نوفمبر 2025، أعلن الرئيس التايواني نيته تجهيز جيش بحلول العام 2027 قادر على مواجهة الصين، وهو التاريخ الذي رجحه وليام بيرنز، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية في العام 2023، ليكون موعد الغزو الصيني المحتمل لتايوان. كما أعلن الرئيس التايواني، في يناير 2026، أي في أعقاب المناورات الصينية، الدفاع بحزم عن السيادة الوطنية، وتعزيز الدفاع الوطني وصمود المجتمع، وإنشاء قدرات ردع فعالة. ويكشف ما سبق أن كلا الطرفين، الصيني والتايواني، يستعدان للحرب، في مشهد مشابه للحرب الروسية – الأوكرانية، والتي بدأ الاستعداد لها منذ العام 2014، أي منذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا.
الخاتمة
يكشف التحليل السابق على أن المناورات العسكرية تلعب عدة أدوار، إذ أنها يمكن أن توظف بهدف ردع الخصوم، أو تحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية عبر إخفاء الاستعدادات لشن حرب عسكرية، وذلك إلى جانب مهامها التقليدية، والتي تتمثل في رفع كفاءة القوات، وتعزيز التخطيط العسكري. وبالانتقال إلى حالة المناورات العسكرية الصينية السادسة حول تايوان، يمكن القول إن إجراء الصين لمناورات عسكرية متكررة حول الجزيرة تؤشر إلى عزيمتها على منع انفصال تايوان عنها، باعتبارها جزءاً لا تتجزأ من سيادتها الوطنية. صحيح أنها تأمل في أن يتم حل القضية دبلوماسياً وسياسياً، من خلال القوى على الجزيرة الداعمة لهذا الخيار، غير أن ذلك لا يعني أن الخيار العسكري سوف يسقط، سواء للضغط على السياسيين التايوانيين الداعمين للانفصال، أو للتأكيد للولايات المتحدة على جديتها في منع استقلال الجزيرة. ويثير ما سبق التساؤل، وهو هل تتعلم تايوان من الدرس الأوكراني، أم تتحول إلى إحدى ضحايا الجيوبوليتيك.●
د. شادي عبدالوهاب أستاذ مشارك في كلية الدفاع الوطني ـــــ أبوظبي










