يشهد ميدان المعارك في العصر الحديث تحولاً جوهرياً بفعل الانتشار المتسارع لمنصات القتال غير المأهولة، وعلى رأسها الطائرات المسيرة. هذا التحول لا يقتصر على البعد التقني، بل يطرح تحديات تنظيمية ومفهومية عميقة، تتصل ببنية القيادة والعقيدة القتالية، إذ يفرض التساؤل حول ما إذا كانت هذه المنصات تستحق إنشاء قدرات مستقلة وهياكل تنظيمية جديدة، أم أنه من الأجدى دمجها ضمن الأفرع التقليدية. تكمن أهمية هذا النقاش في كونه يماثل تحولات تاريخية مشابهة شهدتها الجيوش عند ظهور أسلحة مثلت طفرة نوعية مثل الدبابات والطيران القتالي (أو ما يعرف في بعض الجيوش بالطيران البري)، وهو ما يجعل من المفيد دراسة تلك النماذج التاريخية واستخلاص الدروس العملية منها لتجنّب أخطاء الماضي وتحقيق التوازن المطلوب بين مبدأ التكامل المؤسسي وحرية الابتكار التكتيكي.

إن التحول الناجح نحو حرب المسيرات يتطلب نهجاً متدرجاً واضح المراحل، يبدأ بالتجريب الميداني عبر وحدات رائدة صغيرة الحجم ومرنة القيادة، ثم مرحلة تطوير العقائد والتكتيكات بناءً على الدروس المستخلصة، وصولًا إلى تحويل هذه النتائج إلى معايير مؤسسية قابلة للتطبيق والتوسع.
من المهم التطرق إلى ضرورة وجود منظومة قيادية تتصف بالمرونة، إضافة إلى آليات اختبار سريعة وفاعلة لاستخلاص الدروس ودمجها في منظومات العمل القائمة. أما الاستعجال في اعتماد تقنيات جديدة دون اختبار كافٍ، أو تجميد التجارب داخل بيروقراطيات ثقيلة، فكلاهما يقود إلى إضعاف الفاعلية وفوات فرص التطوير. لذلك فإن نجاح أي نموذج تحولي يقوم على تحقيق التوازن بين حرية التجريب والضوابط المؤسسية التي تكفل التكامل بين الأفرع القتالية.
دروس من التاريخ: تجربة الطيران
يُعدّ الإسناد الجوي القريب مثالاً بارزاً على أهمية التكامل في مسرح العمليات. فهذه المهام تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين القوات الجوية والطيران من جهة، وتلك المسندة مثل القوات الأرضية من جهة أخرى، وذلك نظراً لقرب الأهداف من القوات الصديقة، ما يفرض تزامناً محكماً واتصالاً فورياً وتفهّماً مشتركاً لمسرح العمليات. إن أي خلل في الاتصال أو غياب لغة مشتركة يؤدي إلى أخطاء قاتلة أو تأخير في تنفيذ الضربات. وقد كشفت التجارب الأمريكية خلال الحربين الكورية والفيتنامية عن فجوات حقيقية في التنسيق ناجمة عن الفصل تنظيمياً بين القوات المساندة والقوات المسندة بعد تأسيس قيادة مستقلة للقوات الجوية عام 1947. ورغم أن هذا الاستقلال منح الطيران حرية تطوير المهام الاستراتيجية، إلا أنه أدى أيضاً إلى إضعاف فعالية الإسناد التكتيكي القريب.
تجلت آثار هذا الانفصال في تعدد قنوات القيادة، وتأخر الاستجابة، وصعوبة تحديد الأهداف بدقة في الوقت المناسب. استدركت القيادة الأمريكية هذه الثغرات لاحقاً عبر إصلاحات جوهرية شملت إنشاء ضباط ارتباط جويين (Air Liaison Officers) ووحدات للسيطرة على الهجمات الجوية النهائية (JTAC)، وتعزيز التدريب المشترك بين الأفرع ضمن مناورات الأسلحة الموحدة، وتطوير بروتوكولات تخطيط مرنة تتيح تنسيقاً لحظياً مع القوات البرية. هكذا أثبتت التجربة أن الاستقلال المفرط قد يضعف الفاعلية المشتركة، بينما الدمج المفرط يقيّد التطور والابتكار، وأن التوازن بين الجانبين هو النهج الأمثل لتحقيق الكفاءة العملياتية.
دروس من التاريخ: تجربة الدبابات
مع ظهور الدبابات كقوة جديدة في بدايات القرن العشرين، واجهت الجيوش معضلة مشابهة حول كيفية توظيفها. ففي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، تم التعامل مع الدبابات باعتبارها أدوات دعم للمشاة، دون تطوير عقائد مستقلة تعكس قدراتها الخاصة في المناورة والصدمة والحركة السريعة. أدى هذا النهج إلى إبطاء تطورها التكتيكي، إذ بقي استخدامها مقيداً بالمفاهيم التقليدية.
على النقيض مما تقدم، منحت الجيوش التي أتاحت للدبابات حرية عمل للتجربة وتنظيماً مستقلاً فرصاً أكبر للابتكار. وقد برهنت التجربة الألمانية في فترة ما بين الحربين عبر مفهوم «البلتزكريغ» (الحرب الخاطفة) على قوة التنظيم المستقل للوحدات المدرعة وتكاملها مع المشاة والمدفعية والطيران في عمليات اختراق سريعة ذات قيادة مرنة واتصالات فعالة. وفي الولايات المتحدة، تأخر التطور العقائدي للدبابات بسبب دمجها المبكر ضمن وحدات المشاة، إلى أن تم إنشاء سلاح الدروع عام 1940 الذي شكل نقطة تحول حقيقية برز في المراحل اللاحقة خاصة خلال الحرب العالمية الثانية في المسرح الإفريقي. كان الدرس الرئيسي المستفاد أن دمج قدرات جديدة في هياكل تقليدية من دون منحها مجالاً للتجربة الحرة يؤدي إلى تقييد تطوير العقائد والتكتيكات، وهي نقطة يجب أخذها في الاعتبار اليوم عند إدخال المسيرات إلى بيئة العمليات.

التجربة المعاصرة: حرب أوكرانيا
قدمت الحرب الأوكرانية نموذجاً معاصراً لاستخدام المسيرات في بيئة قتال حقيقية، حيث أنشأت القوات الأوكرانية تشكيلات متخصصة على مستوى الفصائل والوحدات الميدانية، وابتكرت تكتيكات جديدة شملت الهجمات الدقيقة على البنى العسكرية الروسية، واستخدام وسائل اتصال مقاومة للتشويش كالتثبيت بالألياف البصرية. أظهرت التجربة الأوكرانية قدرة عالية على الدمج بين المنصات المأهولة وغير المأهولة، وتبنّي مبدأ «التحول أثناء القتال» (In-Contact Transformation) الذي يسمح بتوليد تكتيكات وعقائد جديدة في زمن قصير استجابة لمتطلبات الميدان.
يبرز هذا النهج في كونه مغايراً للنماذج البيروقراطية التي شهدها التاريخ، إذ أتاح مرونة ميدانية عالية وسرعة في التعلم. فقد نجحت القوات الأوكرانية في تطوير قدرات ميدانية ذات كفاءة عالية رغم محدودية الموارد، ما يوضح أهمية الجمع بين التجريب العملي المؤطّر وربط نتائجه بهياكل القيادات العملياتية، بحيث تصبح المسيرات جزءاً فاعلاً ومتكاملاً من منظومة «الأسلحة الموحدة أو المشتركة» لا مجرد أدوات إضافية.
تحديات التحول نحو حرب المسيرات
يُعد تحديد البنية التنظيمية المثلى للمسيرات من أبرز التحديات التي تواجه الجيوش المعاصرة. ويكمن الحل في تبني تشكيلات تجريبية مبدئية قابلة للتطوير وفق نتائج الاختبارات الميدانية، دون التقيّد المسبق بنموذج جامد. ويتطلب اتخاذ القرار النهائي بشأن الاستقلال أو الدمج دراسة متأنية لمجموعة مترابطة من الجوانب تشمل العقيدة، الهيكل القيادي، متطلبات التدريب والتأهيل، الدعم اللوجستي، والأمن السيبراني.
فعلى المستوى العقائدي، ينبغي تحديد ما إذا كانت المسيرات تستلزم مفاهيم استخدام جديدة أم يمكن دمجها ضمن العقائد القائمة. أما على المستوى التنظيمي، فيلزم رسم خطوط قيادة وصلاحيات واضحة تحد من الازدواجية وتمنع التضارب بين المستويات التكتيكية والاستراتيجية. وفي جانب التدريب، يجب إنشاء مسارات تأهيل سريعة ومستدامة تشمل تدريب المشغلين والمخططين والفنيين على حد سواء. أما من حيث الدعم الفني واللوجستي، فالمطلوب إنشاء منظومات صيانة ميدانية وورش متنقلة وسلاسل توريد مرنة تقلل من زمن إصلاح الأعطال، بما يضمن استمرارية الإسناد في مختلف البيئات العملياتية.
ويمثل التكامل مع الأفرع الأخرى تحدياً جوهرياً آخر، إذ لا يمكن للمسيرات أن تحقق فاعليتها الكاملة دون دمج فعلي مع وحدات المناورة والنيران والهندسة والاتصالات ضمن إجراءات عمل موحّدة وقنوات اتصال مؤمّنة. وقد أثبتت الحرب الأوكرانية أن الاعتماد على روابط اتصال لاسلكية واحدة يجعل المسيرات عرضة للتشويش والفقدان، ما يستوجب تبني بنية اتصالات طبقية تتضمن قناة أساسية مقاومة للتشويش، وشبكات محلية منخفضة الاستجابة (Mesh Networking) التي توصف بكونها Self-Healing Network، واتصالات فضائية (SATCOM) للمدى البعيد، مدعومة بآليات انتقال تلقائي Failover) ) وتشفير قوي وبروتوكولات لأولوية البيانات. كما ينبغي تدريب وحدات السيطرة الأمامية JTAC)) وتأمين مواقع الإطلاق وصيانة الكوابل الأرضية لضمان استمرارية التشغيل.
يضاف للتحديات آنفة الذكر تحدٍّ آخر وهو ضرورة الحفاظ على المرونة المالية والقدرة على استدامة التمويل في ظل التطور السريع للتقنيات، ما يستلزم نماذج تمويل مرنة تتكيّف مع الدروس المستفادة من الميدان. وكذلك حتمية وجود آليات تقييم موضوعية تشمل مؤشرات أداء قابلة للقياس، وجداول زمنية للتجريب، ومعايير لاتخاذ قرارات التوسّع أو إعادة الهيكلة استناداً إلى بيانات واقعية. إن بناء منظومة تقييم مستمرة هو ما يضمن اتخاذ قرارات قائمة على الحقائق لا على الافتراضات، ويحول دون الانجراف وراء اتجاهات مؤقتة أو استثمارات غير مثمرة.
الخلاصة
إن التحول نحو حرب المسيرات ليس مجرد إدخال منظومة جديدة إلى ساحة القتال، بل هو عملية استراتيجية شاملة تستلزم مزيجاً من المرونة الميدانية والانضباط المؤسسي. فالتجربة التاريخية أثبتت أن القدرات الثورية، مثل الطيران أو الدبابات، لا تحقق فاعليتها القصوى إلا حين تُمنح وقتاً للتجريب وتُصاغ حولها عقائد خاصة قبل دمجها الكامل في البنية القتالية العامة. وبالمثل، فإن المسيرات تحتاج إلى فضاء تجريبي منظّم يسمح بابتكار التكتيكات وتطوير المفاهيم التشغيلية مع وجود آليات ربط تضمن تكاملها مع باقي الأفرع ضمن منظومة «الأسلحة الموحدة المشتركة».
يتحقق النجاح حين تتمكن الجيوش من تحويل المسيرات من أدوات إضافية إلى قدرات تشغيلية معيارية تخضع للتقييم والقياس، وتتكامل مع عناصر القوة الأخرى في بيئات عملياتية معقّدة ومتغيرة. فالتوازن بين حرية الابتكار والانضباط التنظيمي هو الأساس الذي يضمن بقاء الجيوش في طليعة التحوّل العسكري القادم، فلم تعد المسيرات مجرد وسيلة دعم، بل باتت رمزاً لعصر جديد من الحرب الذكية متعددة الأبعاد.
لواء م/ خالد علي السميطي










