UKRAINE-CRISIS-KHARKIV-REGION

تحديات التحول نحو حرب المسيرات

يشهد‭ ‬ميدان‭ ‬المعارك‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬تحولاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬بفعل‭ ‬الانتشار‭ ‬المتسارع‭ ‬لمنصات‭ ‬القتال‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬التقني،‭ ‬بل‭ ‬يطرح‭ ‬تحديات‭ ‬تنظيمية‭ ‬ومفهومية‭ ‬عميقة،‭ ‬تتصل‭ ‬ببنية‭ ‬القيادة‭ ‬والعقيدة‭ ‬القتالية،‭ ‬إذ‭ ‬يفرض‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬تستحق‭ ‬إنشاء‭ ‬قدرات‭ ‬مستقلة‭ ‬وهياكل‭ ‬تنظيمية‭ ‬جديدة،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الأجدى‭ ‬دمجها‭ ‬ضمن‭ ‬الأفرع‭ ‬التقليدية‭. ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬يماثل‭ ‬تحولات‭ ‬تاريخية‭ ‬مشابهة‭ ‬شهدتها‭ ‬الجيوش‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬أسلحة‭ ‬مثلت‭ ‬طفرة‭ ‬نوعية‭ ‬مثل‭ ‬الدبابات‭ ‬والطيران‭ ‬القتالي‭ (‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الجيوش‭ ‬بالطيران‭ ‬البري‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬دراسة‭ ‬تلك‭ ‬النماذج‭ ‬التاريخية‭ ‬واستخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬العملية‭ ‬منها‭ ‬لتجنّب‭ ‬أخطاء‭ ‬الماضي‭ ‬وتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬المطلوب‭ ‬بين‭ ‬مبدأ‭ ‬التكامل‭ ‬المؤسسي‭ ‬وحرية‭ ‬الابتكار‭ ‬التكتيكي‭.‬

إن‭ ‬التحول‭ ‬الناجح‭ ‬نحو‭ ‬حرب‭ ‬المسيرات‭ ‬يتطلب‭ ‬نهجاً‭ ‬متدرجاً‭ ‬واضح‭ ‬المراحل،‭ ‬يبدأ‭ ‬بالتجريب‭ ‬الميداني‭ ‬عبر‭ ‬وحدات‭ ‬رائدة‭ ‬صغيرة‭ ‬الحجم‭ ‬ومرنة‭ ‬القيادة،‭ ‬ثم‭ ‬مرحلة‭ ‬تطوير‭ ‬العقائد‭ ‬والتكتيكات‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الدروس‭ ‬المستخلصة،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬إلى‭ ‬معايير‭ ‬مؤسسية‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬والتوسع‭.‬

من‭ ‬المهم‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬وجود‭ ‬منظومة‭ ‬قيادية‭ ‬تتصف‭ ‬بالمرونة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬اختبار‭ ‬سريعة‭ ‬وفاعلة‭ ‬لاستخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬ودمجها‭ ‬في‭ ‬منظومات‭ ‬العمل‭ ‬القائمة‭. ‬أما‭ ‬الاستعجال‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬دون‭ ‬اختبار‭ ‬كافٍ،‭ ‬أو‭ ‬تجميد‭ ‬التجارب‭ ‬داخل‭ ‬بيروقراطيات‭ ‬ثقيلة،‭ ‬فكلاهما‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬الفاعلية‭ ‬وفوات‭ ‬فرص‭ ‬التطوير‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬نموذج‭ ‬تحولي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬التجريب‭ ‬والضوابط‭ ‬المؤسسية‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الأفرع‭ ‬القتالية‭.‬

دروس‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭: ‬تجربة‭ ‬الطيران

يُعدّ‭ ‬الإسناد‭ ‬الجوي‭ ‬القريب‭ ‬مثالاً‭ ‬بارزاً‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬التكامل‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات‭. ‬فهذه‭ ‬المهام‭ ‬تتطلب‭ ‬تنسيقاً‭ ‬دقيقاً‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬والطيران‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتلك‭ ‬المسندة‭ ‬مثل‭ ‬القوات‭ ‬الأرضية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وذلك‭ ‬نظراً‭ ‬لقرب‭ ‬الأهداف‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬الصديقة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬تزامناً‭ ‬محكماً‭ ‬واتصالاً‭ ‬فورياً‭ ‬وتفهّماً‭ ‬مشتركاً‭ ‬لمسرح‭ ‬العمليات‭. ‬إن‭ ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬الاتصال‭ ‬أو‭ ‬غياب‭ ‬لغة‭ ‬مشتركة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أخطاء‭ ‬قاتلة‭ ‬أو‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬الضربات‭. ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬التجارب‭ ‬الأمريكية‭ ‬خلال‭ ‬الحربين‭ ‬الكورية‭ ‬والفيتنامية‭ ‬عن‭ ‬فجوات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬الفصل‭ ‬تنظيمياً‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬المساندة‭ ‬والقوات‭ ‬المسندة‭ ‬بعد‭ ‬تأسيس‭ ‬قيادة‭ ‬مستقلة‭ ‬للقوات‭ ‬الجوية‭ ‬عام‭ ‬1947‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاستقلال‭ ‬منح‭ ‬الطيران‭ ‬حرية‭ ‬تطوير‭ ‬المهام‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أدى‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬فعالية‭ ‬الإسناد‭ ‬التكتيكي‭ ‬القريب‭.‬

تجلت‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬الانفصال‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬قنوات‭ ‬القيادة،‭ ‬وتأخر‭ ‬الاستجابة،‭ ‬وصعوبة‭ ‬تحديد‭ ‬الأهداف‭ ‬بدقة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭. ‬استدركت‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬هذه‭ ‬الثغرات‭ ‬لاحقاً‭ ‬عبر‭ ‬إصلاحات‭ ‬جوهرية‭ ‬شملت‭ ‬إنشاء‭ ‬ضباط‭ ‬ارتباط‭ ‬جويين‭ (‬Air Liaison Officers‭) ‬ووحدات‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الهجمات‭ ‬الجوية‭ ‬النهائية‭ (‬JTAC‭)‬،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التدريب‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬الأفرع‭ ‬ضمن‭ ‬مناورات‭ ‬الأسلحة‭ ‬الموحدة،‭ ‬وتطوير‭ ‬بروتوكولات‭ ‬تخطيط‭ ‬مرنة‭ ‬تتيح‭ ‬تنسيقاً‭ ‬لحظياً‭ ‬مع‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭. ‬هكذا‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬الاستقلال‭ ‬المفرط‭ ‬قد‭ ‬يضعف‭ ‬الفاعلية‭ ‬المشتركة،‭ ‬بينما‭ ‬الدمج‭ ‬المفرط‭ ‬يقيّد‭ ‬التطور‭ ‬والابتكار،‭ ‬وأن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬هو‭ ‬النهج‭ ‬الأمثل‭ ‬لتحقيق‭ ‬الكفاءة‭ ‬العملياتية‭.‬

دروس‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭: ‬تجربة‭ ‬الدبابات

مع‭ ‬ظهور‭ ‬الدبابات‭ ‬كقوة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬واجهت‭ ‬الجيوش‭ ‬معضلة‭ ‬مشابهة‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬توظيفها‭. ‬ففي‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬تم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الدبابات‭ ‬باعتبارها‭ ‬أدوات‭ ‬دعم‭ ‬للمشاة،‭ ‬دون‭ ‬تطوير‭ ‬عقائد‭ ‬مستقلة‭ ‬تعكس‭ ‬قدراتها‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬المناورة‭ ‬والصدمة‭ ‬والحركة‭ ‬السريعة‭. ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬إلى‭ ‬إبطاء‭ ‬تطورها‭ ‬التكتيكي،‭ ‬إذ‭ ‬بقي‭ ‬استخدامها‭ ‬مقيداً‭ ‬بالمفاهيم‭ ‬التقليدية‭.‬

على‭ ‬النقيض‭ ‬مما‭ ‬تقدم،‭ ‬منحت‭ ‬الجيوش‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬للدبابات‭ ‬حرية‭ ‬عمل‭ ‬للتجربة‭ ‬وتنظيماً‭ ‬مستقلاً‭ ‬فرصاً‭ ‬أكبر‭ ‬للابتكار‭. ‬وقد‭ ‬برهنت‭ ‬التجربة‭ ‬الألمانية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحربين‭ ‬عبر‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬البلتزكريغ‮»‬‭ (‬الحرب‭ ‬الخاطفة‭) ‬على‭ ‬قوة‭ ‬التنظيم‭ ‬المستقل‭ ‬للوحدات‭ ‬المدرعة‭ ‬وتكاملها‭ ‬مع‭ ‬المشاة‭ ‬والمدفعية‭ ‬والطيران‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬اختراق‭ ‬سريعة‭ ‬ذات‭ ‬قيادة‭ ‬مرنة‭ ‬واتصالات‭ ‬فعالة‭. ‬وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تأخر‭ ‬التطور‭ ‬العقائدي‭ ‬للدبابات‭ ‬بسبب‭ ‬دمجها‭ ‬المبكر‭ ‬ضمن‭ ‬وحدات‭ ‬المشاة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬سلاح‭ ‬الدروع‭ ‬عام‭ ‬1940‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬حقيقية‭ ‬برز‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬اللاحقة‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬الإفريقي‭. ‬كان‭ ‬الدرس‭ ‬الرئيسي‭ ‬المستفاد‭ ‬أن‭ ‬دمج‭ ‬قدرات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬هياكل‭ ‬تقليدية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬منحها‭ ‬مجالاً‭ ‬للتجربة‭ ‬الحرة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقييد‭ ‬تطوير‭ ‬العقائد‭ ‬والتكتيكات،‭ ‬وهي‭ ‬نقطة‭ ‬يجب‭ ‬أخذها‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬اليوم‭ ‬عند‭ ‬إدخال‭ ‬المسيرات‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬العمليات‭.‬

التجربة‭ ‬المعاصرة‭: ‬حرب‭ ‬أوكرانيا

قدمت‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬نموذجاً‭ ‬معاصراً‭ ‬لاستخدام‭ ‬المسيرات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬قتال‭ ‬حقيقية،‭ ‬حيث‭ ‬أنشأت‭ ‬القوات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬تشكيلات‭ ‬متخصصة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفصائل‭ ‬والوحدات‭ ‬الميدانية،‭ ‬وابتكرت‭ ‬تكتيكات‭ ‬جديدة‭ ‬شملت‭ ‬الهجمات‭ ‬الدقيقة‭ ‬على‭ ‬البنى‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية،‭ ‬واستخدام‭ ‬وسائل‭ ‬اتصال‭ ‬مقاومة‭ ‬للتشويش‭ ‬كالتثبيت‭ ‬بالألياف‭ ‬البصرية‭. ‬أظهرت‭ ‬التجربة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬قدرة‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬الدمج‭ ‬بين‭ ‬المنصات‭ ‬المأهولة‭ ‬وغير‭ ‬المأهولة،‭ ‬وتبنّي‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬التحول‭ ‬أثناء‭ ‬القتال‮»‬‭ (‬In-Contact Transformation‭) ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بتوليد‭ ‬تكتيكات‭ ‬وعقائد‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬قصير‭ ‬استجابة‭ ‬لمتطلبات‭ ‬الميدان‭.‬

يبرز‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬مغايراً‭ ‬للنماذج‭ ‬البيروقراطية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬التاريخ،‭ ‬إذ‭ ‬أتاح‭ ‬مرونة‭ ‬ميدانية‭ ‬عالية‭ ‬وسرعة‭ ‬في‭ ‬التعلم‭. ‬فقد‭ ‬نجحت‭ ‬القوات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬قدرات‭ ‬ميدانية‭ ‬ذات‭ ‬كفاءة‭ ‬عالية‭ ‬رغم‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد،‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬أهمية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬التجريب‭ ‬العملي‭ ‬المؤطّر‭ ‬وربط‭ ‬نتائجه‭ ‬بهياكل‭ ‬القيادات‭ ‬العملياتية،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬المسيرات‭ ‬جزءاً‭ ‬فاعلاً‭ ‬ومتكاملاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬‮«‬الأسلحة‭ ‬الموحدة‭ ‬أو‭ ‬المشتركة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬إضافية‭.‬

تحديات‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬حرب‭ ‬المسيرات

يُعد‭ ‬تحديد‭ ‬البنية‭ ‬التنظيمية‭ ‬المثلى‭ ‬للمسيرات‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الجيوش‭ ‬المعاصرة‭. ‬ويكمن‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬تشكيلات‭ ‬تجريبية‭ ‬مبدئية‭ ‬قابلة‭ ‬للتطوير‭ ‬وفق‭ ‬نتائج‭ ‬الاختبارات‭ ‬الميدانية،‭ ‬دون‭ ‬التقيّد‭ ‬المسبق‭ ‬بنموذج‭ ‬جامد‭. ‬ويتطلب‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬النهائي‭ ‬بشأن‭ ‬الاستقلال‭ ‬أو‭ ‬الدمج‭ ‬دراسة‭ ‬متأنية‭ ‬لمجموعة‭ ‬مترابطة‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬تشمل‭ ‬العقيدة،‭ ‬الهيكل‭ ‬القيادي،‭ ‬متطلبات‭ ‬التدريب‭ ‬والتأهيل،‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني‭.‬

فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬العقائدي،‭ ‬ينبغي‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المسيرات‭ ‬تستلزم‭ ‬مفاهيم‭ ‬استخدام‭ ‬جديدة‭ ‬أم‭ ‬يمكن‭ ‬دمجها‭ ‬ضمن‭ ‬العقائد‭ ‬القائمة‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التنظيمي،‭ ‬فيلزم‭ ‬رسم‭ ‬خطوط‭ ‬قيادة‭ ‬وصلاحيات‭ ‬واضحة‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬الازدواجية‭ ‬وتمنع‭ ‬التضارب‭ ‬بين‭ ‬المستويات‭ ‬التكتيكية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬وفي‭ ‬جانب‭ ‬التدريب،‭ ‬يجب‭ ‬إنشاء‭ ‬مسارات‭ ‬تأهيل‭ ‬سريعة‭ ‬ومستدامة‭ ‬تشمل‭ ‬تدريب‭ ‬المشغلين‭ ‬والمخططين‭ ‬والفنيين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الدعم‭ ‬الفني‭ ‬واللوجستي،‭ ‬فالمطلوب‭ ‬إنشاء‭ ‬منظومات‭ ‬صيانة‭ ‬ميدانية‭ ‬وورش‭ ‬متنقلة‭ ‬وسلاسل‭ ‬توريد‭ ‬مرنة‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬إصلاح‭ ‬الأعطال،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الإسناد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬البيئات‭ ‬العملياتية‭.‬

ويمثل‭ ‬التكامل‭ ‬مع‭ ‬الأفرع‭ ‬الأخرى‭ ‬تحدياً‭ ‬جوهرياً‭ ‬آخر،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمسيرات‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬فاعليتها‭ ‬الكاملة‭ ‬دون‭ ‬دمج‭ ‬فعلي‭ ‬مع‭ ‬وحدات‭ ‬المناورة‭ ‬والنيران‭ ‬والهندسة‭ ‬والاتصالات‭ ‬ضمن‭ ‬إجراءات‭ ‬عمل‭ ‬موحّدة‭ ‬وقنوات‭ ‬اتصال‭ ‬مؤمّنة‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬روابط‭ ‬اتصال‭ ‬لاسلكية‭ ‬واحدة‭ ‬يجعل‭ ‬المسيرات‭ ‬عرضة‭ ‬للتشويش‭ ‬والفقدان،‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬تبني‭ ‬بنية‭ ‬اتصالات‭ ‬طبقية‭ ‬تتضمن‭ ‬قناة‭ ‬أساسية‭ ‬مقاومة‭ ‬للتشويش،‭ ‬وشبكات‭ ‬محلية‭ ‬منخفضة‭ ‬الاستجابة‭ (‬Mesh Networking‭) ‬التي‭ ‬توصف‭ ‬بكونها‭ ‬Self-Healing Network،‭ ‬واتصالات‭ ‬فضائية‭ (‬SATCOM‭)  ‬للمدى‭ ‬البعيد،‭ ‬مدعومة‭ ‬بآليات‭ ‬انتقال‭ ‬تلقائي‭ ‬Failover‭) ) ‬وتشفير‭ ‬قوي‭ ‬وبروتوكولات‭ ‬لأولوية‭ ‬البيانات‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬تدريب‭ ‬وحدات‭ ‬السيطرة‭ ‬الأمامية‭ ‬JTAC‭)) ‬وتأمين‭ ‬مواقع‭ ‬الإطلاق‭ ‬وصيانة‭ ‬الكوابل‭ ‬الأرضية‭ ‬لضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬التشغيل‭.‬

يضاف‭ ‬للتحديات‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر‭ ‬تحدٍّ‭ ‬آخر‭ ‬وهو‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المرونة‭ ‬المالية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬استدامة‭ ‬التمويل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التطور‭ ‬السريع‭ ‬للتقنيات،‭ ‬ما‭ ‬يستلزم‭ ‬نماذج‭ ‬تمويل‭ ‬مرنة‭ ‬تتكيّف‭ ‬مع‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬الميدان‭. ‬وكذلك‭ ‬حتمية‭ ‬وجود‭ ‬آليات‭ ‬تقييم‭ ‬موضوعية‭ ‬تشمل‭ ‬مؤشرات‭ ‬أداء‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس،‭ ‬وجداول‭ ‬زمنية‭ ‬للتجريب،‭ ‬ومعايير‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬التوسّع‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬واقعية‭. ‬إن‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬تقييم‭ ‬مستمرة‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الحقائق‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الافتراضات،‭ ‬ويحول‭ ‬دون‭ ‬الانجراف‭ ‬وراء‭ ‬اتجاهات‭ ‬مؤقتة‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭ ‬غير‭ ‬مثمرة‭.‬

الخلاصة

إن‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬حرب‭ ‬المسيرات‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬إدخال‭ ‬منظومة‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬القتال،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭ ‬تستلزم‭ ‬مزيجاً‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬الميدانية‭ ‬والانضباط‭ ‬المؤسسي‭. ‬فالتجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬القدرات‭ ‬الثورية،‭ ‬مثل‭ ‬الطيران‭ ‬أو‭ ‬الدبابات،‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬فاعليتها‭ ‬القصوى‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬تُمنح‭ ‬وقتاً‭ ‬للتجريب‭ ‬وتُصاغ‭ ‬حولها‭ ‬عقائد‭ ‬خاصة‭ ‬قبل‭ ‬دمجها‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬القتالية‭ ‬العامة‭. ‬وبالمثل،‭ ‬فإن‭ ‬المسيرات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬تجريبي‭ ‬منظّم‭ ‬يسمح‭ ‬بابتكار‭ ‬التكتيكات‭ ‬وتطوير‭ ‬المفاهيم‭ ‬التشغيلية‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬آليات‭ ‬ربط‭ ‬تضمن‭ ‬تكاملها‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬الأفرع‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬‮«‬الأسلحة‭ ‬الموحدة‭ ‬المشتركة‮»‬‭.‬

يتحقق‭ ‬النجاح‭ ‬حين‭ ‬تتمكن‭ ‬الجيوش‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬المسيرات‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬إضافية‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬تشغيلية‭ ‬معيارية‭ ‬تخضع‭ ‬للتقييم‭ ‬والقياس،‭ ‬وتتكامل‭ ‬مع‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬عملياتية‭ ‬معقّدة‭ ‬ومتغيرة‭. ‬فالتوازن‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬الابتكار‭ ‬والانضباط‭ ‬التنظيمي‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬بقاء‭ ‬الجيوش‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬التحوّل‭ ‬العسكري‭ ‬القادم،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المسيرات‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬دعم،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬رمزاً‭ ‬لعصر‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الذكية‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭.‬

لواء‭ ‬م‭/ ‬خالد‭ ‬علي‭ ‬السميطي

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض