شهد التاريخ عدة غزوات وحروب، كانت نتائجها حاسمة في تغيير مجراه، وسنتناول على صفحات «الجندي» بعضًا من هذه المعارك الفاصلة.
وقعت معركة ذات الصواري بين الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ممثلة بالأسطول الإسلامي بقيادة عبد الله بن أبي السرح، وبين الدولة البيزنطية بقيادة الإمبراطور قسطنطين الثاني، وانتهت بانتصار حاسم للمسلمين، أنهى الهيمنة البيزنطية على شرق البحر المتوسط، ومهّد لظهور القوة البحرية الإسلامية كعامل مؤثر في موازين الصراع الدولي آنذاك.
البداية
بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول بلاد الشام ومصر تحت رايتها، باتت السواحل الإسلامية عرضة لهجمات الأسطول البيزنطي، الذي كان يعتبر البحر المتوسط مجال نفوذ حصريًا له.
وأمام هذا التحدي، أدرك المسلمون أن حماية الفتوحات البرية لا تكتمل إلا ببناء قوة بحرية قادرة على الردع والمواجهة.
وبموافقة الخليفة عثمان بن عفان، بدأ والي مصر عبد الله بن أبي السرح بتجهيز أسطول إسلامي، مستفيدًا من خبرات أهل السواحل من العرب والقبط، لتكون تلك الخطوة تحولًا استراتيجيًا في الفكر العسكري الإسلامي.
التوجه إلى ساحة القتال
تحرك الأسطول الإسلامي لملاقاة الأسطول البيزنطي في عرض البحر المتوسط قرب سواحل آسيا الصغرى، في منطقة عُرفت لاحقًا باسم ذات الصواري، نسبة إلى كثرة صواري السفن المشاركة في المعركة.
وكان الأسطول البيزنطي متفوقًا عددًا وخبرة، ويضم مئات السفن المدربة على القتال البحري، في حين كانت التجربة البحرية الإسلامية لا تزال في بداياتها.
المعركة
عند التقاء الأسطولين سنة 35هـ / 655م، بدأت المواجهة باشتباكات بحرية متفرقة، سرعان ما تحولت إلى قتال عنيف.
وأمام تفوق الروم في المناورة البحرية، اتخذ المسلمون قرارًا تكتيكيًا جريئًا تمثّل في ربط السفن الإسلامية بعضها ببعض، وكذلك سفن العدو عند الالتحام، لتحويل المعركة إلى قتال قريب يشبه المعارك البرية التي برع فيها المسلمون.
وبذلك تحوّل سطح السفن إلى ميدان مواجهة مباشرة، بالسيوف والرماح، حيث ظهر التفوق المعنوي والانضباط القتالي، واستمرت المعركة لساعات طويلة، سقط خلالها عدد كبير من القتلى من الجانبين.
نتائج المعركة
انتهت المعركة بهزيمة الأسطول البيزنطي وانسحابه، محمّلًا بخسائر فادحة، بينما ثبت المسلمون أقدامهم في البحر كما ثبتوها من قبل على البر.
المكان الجغرافي
وقعت معركة ذات الصواري في شرق البحر المتوسط، قرب سواحل ليكيا في آسيا الصغرى (جنوب غرب تركيا حاليًا)، في منطقة كانت تشكّل خط تماس بحري مباشر بين المسلمين والروم.
أسباب الانتصار
يرجع انتصار المسلمين في معركة ذات الصواري إلى عدة أسباب رئيسية:
وحدة القيادة والطاعة العسكرية، حيث التزم المقاتلون بالأوامر رغم حداثة تجربتهم البحرية.
الابتكار التكتيكي بتحويل القتال البحري إلى مواجهة قريبة.
الروح المعنوية العالية والإيمان بعدالة القضية.
المرونة في التعامل مع ميدان قتال جديد وعدم التقيد بأساليب تقليدية.
نتائج معركة ذات الصواري
كسر التفوق البحري البيزنطي في شرق المتوسط.
تثبيت أقدام الدولة الإسلامية كقوة بحرية صاعدة.
تأمين السواحل الإسلامية في الشام ومصر.
فتح الباب أمام توسع إسلامي بحري لاحقًا نحو الجزر والموانئ.
تغيير موازين القوى في الصراع الإسلامي–البيزنطي.
دلالات تاريخية وحضارية
أكدت المعركة أن القوة الشاملة تشمل البر والبحر معًا، وأظهرت قدرة الجيوش الإسلامية على التكيف مع بيئات قتال جديدة، وبيّنت أهمية الابتكار العسكري في مواجهة التفوق التقني، ومثّلت بداية عصر جديد من الصراع البحري في التاريخ الإسلامي.
الخاتمة
لم تكن معركة ذات الصواري مجرد مواجهة بحرية، بل كانت نقطة تحول استراتيجية في التاريخ الإسلامي، نقلت المسلمين من مرحلة الدفاع البحري إلى مرحلة المبادرة والسيطرة، فقد برهنت هذه المعركة أن الإرادة والانضباط والقدرة على الابتكار قادرة على تجاوز الفوارق المادية، وصناعة النصر حتى في أكثر الميادين تحديًا.
وهكذا تبقى ذات الصواري شاهدًا على أن الجندية في الإسلام لم تكن حكرًا على البر، بل امتدت لتشمل البحر، فصنعت تاريخًا جديدًا، ورسخت قواعد قوة بحرية غيرت وجه المنطقة لقرون طويلة.
إعداد: أحمد سعيد الكعبي










