مع نهاية كل عام وبداية آخر يزداد شعورنا بأن أمامنا صفحة جديدة نستطيع أن نخطّ عليها ما نشاء من أحلام وأهداف وتطلعات، ورغم أن هذه اللحظة تتكرر كل 12 شهراً إلا أنها تمنحنا في كل مرة فرصة ذهبية لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل: صحتنا، مشاعرنا، علاقاتنا، وحتى الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا.
فالعام الجديد ليس مجرد تاريخ يتغير بل هو دعوة إلى التجديد، إلى التقاط الأنفاس، وإلى اتخاذ قرارات واعية حول ما نرغب في الاحتفاظ به وما حان الوقت لتركه خلفنا.
والتخطيط الحقيقي لا يبدأ بقوائم طويلة من الوعود التي تتلاشى بعد أسابيع بل يبدأ بفهم الذات وبناء أهداف واقعية تساعد على تبني نمط حياة متوازن يشمل الجسد والعقل معاً، واعتماد عادات صغيرة مؤثرة وقادرة على إحداث فرق حقيقي وملموس في حياتنا.
أولاً: مرحلة ما قبل التخطيط
الخطوة الأولى في أي خطة ناجحة هي التوقف قليلاً والنظر بعمق في المرحلة التي وصلنا إليها بالفعل، فقبل أن نرسم طريقاً جديداً لابد أن نفهم بوضوح الطريق الذي سرنا فيه خلال الشهور الماضية، هذا التأمل يمنحنا رؤية صادقة لحياتنا ويساعدنا على معاينة صحتنا الجسدية والنفسية بوضوح أكبر: كيف تعاملنا مع إرهاق العمل؟ كيف كان نومنا؟ هل حافظنا على علاقات متوازنة وداعمة؟ وهل منحنا أنفسنا وقتاً كافياً للراحة وإعادة الشحن؟
وقد نجد أن بعض الأهداف التي رغبنا بتحقيقها لم تتم ليس لعدم رغبتنا بل لغياب الوقت أو انشغال الذهن أو ضغوط الحياة اليومية، وإن هذه المراجعة ليست جلسة محاسبة أو جلد للذات بل فرصة لاكتشاف الذات من جديد، فعندما نفهم أين نقف الآن يصبح وضع الأهداف أكثر واقعية والخطوات أكثر وضوحًا والقرارات أقرب إلى تحقيق أثر حقيقي في حياتنا.
ثانياً: مرحلة التخطيط ووضع الأهداف
فالكثير يضع في بداية العام أهدافاً ضخمة بعضها مستوحى من توقعات المجتمع أو من رؤية مثالية يرغبون في الانسجام معها دون أن يلتفتوا لما يناسب واقعهم وإيقاع حياتهم وقدراتهم الفعلية، فالهدف الحقيقي هو وضع خطة واقعية تصلح للحياة كما نعيشها وليس كما نتخيلها، ولكي تكون الأهداف قابلة للتحقيق ينبغي أن تتصف بثلاث سمات أساسية:
واقعية: فالهدف الواقعي ليس هو الأصغر بل هو الأكثر قابلية للثبات فمثلاً: ممارسة الرياضة ثلاث مرات أسبوعياً هدف أكثر ثباتاً من قرار ممارسة الرياضة يومياً دون انقطاع.
قابلة للقياس: فالأهداف الغامضة مثل «سأهتم بصحتي أكثر» غير عملية، أما «سأقلل السكر المضاف إلى النصف» فهي أهداف يمكن قياسها ومتابعتها.
متدرجة: حيث أن التغيير الكبير يبدأ بخطوات وعادات صغيرة تُبنى فوق بعضها لتصنع في النهاية أثراً واضحاً ومستداماً.
ثالثاً: دمج الأهداف الصحية ضمن خطة العام الجديد
لا يمكن لأي خطة سنوية أن تكتمل دون مساحة واضحة تُعنى بالصحة، فالصحة ليست جانباً ثانوياً في حياتنا بل هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء آخر: فالنجاح في العمل، جودة العلاقات، القدرة على التفكير، وحتى الشعور بالسعادة جميعها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما نمنحه لأجسادنا وعقولنا من رعاية، ويمكن تقسيم الأهداف الصحية إلى ثلاثة محاور رئيسية تشكل معاً نمط حياة متوازن:
التغذية المتوازنة:
العادات الغذائية ليست مجرد خيارات يومية بل هي قرارات يظهر تُظهر أثرها على المدى البعيد، ومع ذلك لا يحتاج تحسين النمط الغذائي إلى تغييرات جذرية أو معقدة بل إلى خطوات ثابتة وصغيرة مثل: زيادة تناول الخضروات والفواكه في الوجبات اليومية، تقليل السكريات والمشروبات المحلاة تدريجياً، وشرب كمية كافية من الماء على مدار اليوم.
ممارسة الرياضة:
ليس مطلوباً أن نمارس الرياضة لساعات حتى نشعر بالفائدة، فتخصيص 30 دقيقة من الحركة اليومية كفيلة بإحداث فرق كبير في الصحة على المدى الطويل والتي يمكن ان تكون على شكل: المشي السريع، تمارين بسيطة في المنزل، تمارين المرونة والشد أو اليوغا، السباحة أو ركوب الدراجة.
الصحة النفسية … أولوية لا يمكن تأجيلها:
من الضروري ادراج الصحة النفسية ضمن أهداف العام الجديد عبر تبني ممارسات بسيطة لكنها فعّالة مثل: تخصيص بضع دقائق يومياً للتأمل أو التنفس العميق، وضع حدود واضحة في العلاقات والعمل لحماية التوازن النفسي، ممارسة الهوايات واختيار نشاط يُشعر بالمتعة سواء قراءة، زراعة، رسم، أو غيرها، وطلب المساعدة الطبية عند الحاجة دون تردد فالصحة النفسية ليست رفاهية بل ضرورة وإن الاهتمام بها ينعكس مباشرة على الإنتاجية، وعلى طريقة تعاملنا مع الضغوط، وحتى على مدى قدرتنا على الالتزام بالأهداف الأخرى.
رابعاً: كتابة الخطة
تُظهر الدراسات أن الأشخاص الذين يكتبون أهدافهم يزيد احتمال تحقيقهم لها مقارنة بمن يحتفظون بها في الذهن فقط، فالكتابة تمنح الهدف وضوحًا، وتحوّل النية إلى التزام، والخطوات إلى برنامج يمكن متابعته، كما ويفضّل تقسيم الخطة إلى مستويات واضحة:
أهداف سنوية: وهي الرؤية العامة والاتجاه الكبير مثل تحسين اللياقة البدنية، أو تعزيز الصحة النفسية وتقليل التوتر.
أهداف شهرية: وهي خطوات عملية قابلة للتقييم مثل: تخصيص يوم لأي نشاط يعزز الصحة النفسية أو قراءة كتاب واحد خلال الشهر.
أهداف أسبوعية: وهي مهام صغيرة متكررة مثل ممارسة الرياضة ثلاث مرات أسبوعياً، أو إعداد وجبتين صحيتين في المنزل خلال الأسبوع.
أهداف يومية: وهي أساس التغيير المستدام مثل: النوم في موعد معين يومياً، أو تناول حصة من الفاكهة أو الخضار مع كل وجبة.
خامساً: القبول … ومساحة للمرونة
الحياة بطبيعتها متغيرة ولذلك قد نحقق بعض الأهداف بسرعة ونؤجل أخرى، وقد نغيّر بعضها تماماً وهذا لا يعني فشلاً بل هو جزء من طبيعة النمو، فالتخطيط ليس التزاماً صارماً بل بوصلة توجهنا، ومع كل يوم جديد نملك فرصة للعودة إلى المسار بلطف لإعادة تشكيل حياتنا واختيار مسار أكثر صحة وتوازناً، فالصحة ليست قراراً… إنها أسلوب حياة يبدأ بخطوة صغيرة تُؤخذ اليوم وتستمر كل يوم.
الدكتورة بدرية الحرمي، استشارية الصحة العامة










