071201-F-9999J-034

B-2 SPIRIT.. سلاح الهيمنة العسكرية الصامتة

مع تطور العقائد العسكرية في نهايات الحرب الباردة، وتنامي الحاجة إلى قدرات هجومية تستطيع اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة للخصوم المحتملين، لم تعد القاذفات التقليدية قادرة على تلبية متطلبات المعركة الحديثة، فأنظمة الرادار أصبحت أكثر دقة وتنوعاً، وصواريخ الدفاع الجوي باتت أسرع وأطول مدى، وتحوّلت الأجواء المعادية إلى بيئات مشبعة بالتهديدات، يصعب اختراقها دون خسائر كبيرة.

وفي هذا السياق، ظهرت الحاجة إلى منصة جوية استراتيجية جديدة، لا تقيس قوتها فقط بكمية القنابل التي تحملها، بل بقدرتها على الاختراق الصامت والدقيق، طائرة قادرة على التحليق آلاف الكيلومترات، وتوجيه ضربة مدمّرة في قلب الخصم، ثم العودة دون أن تُكتشف أو تُلاحق.

وقد جاء الجواب الأمريكي على هذا التحدي في هيئة هندسية غير مألوفة وذلك بمنصة جوية ثورية تتحدى المفاهيم التقليدية للطيران العسكري، حملت اسم «بي 2 سبيرت» B-2 Spirit.

لكن B-2 لم تكن مجرد طائرة جديدة، بل ولادة لعقيدة قتالية حديثة، تعيد تعريف مفهوم السيطرة الجوية والاستهداف الاستراتيجي. فهي تُمثل، في بنيتها ووظيفتها، تجسيداً ملموساً للدمج بين الفيزياء، والهندسة، والكمبيوتر، والعقيدة العسكرية.

فمن خلال تقنيات التخفي المتقدمة، والمواد المركبة ذات الخصائص المانعة لانعكاس الموجات الرادارية، والتصميم الانسيابي الخالي من الزعانف العمودية، استطاعت B-2 أن تتجاوز منطق «الهجوم بالقوة» إلى «الهجوم بالصمت الراداري».

وقد أدرك الخبراء العسكريون منذ البداية أن مثل هذه الطائرة لن تكون مجرد أداة هجومية، بل رمزاً ردعياً وسياسياً يعكس مدى التقدم الأمريكي في الصناعات الدفاعية. ولهذا السبب، كانت B-2 من أوائل الأدوات التي يُعاد نشرها عند كل أزمة استراتيجية كبرى، حيث باتت تشكل أحد أركان «الثالوث النووي الأمريكي» (إلى جانب الصواريخ العابرة للقارات والغواصات النووية).

واليوم، بعد أكثر من 30 عاماً على ولادتها، لا تزال B-2 Spirit تمثل رأس الحربة في القوة الجوية الأمريكية بعيدة المدى، وأيقونة حقيقية في تاريخ الطيران العسكري الحديث. فهي لا تكتفي بكونها سلاحاً تكتيكياً فائق التطور، بل تُمثّل أيضاً رسالة صامتة للقوى المعادية بأن الردع لا يُقاس بالصوت، بل بالقدرة على الوصول في الظل، والضرب من دون سابق إنذار.

«ثورة هندسية صامتة»

مع اشتداد المنافسة التقنية والعسكرية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال سبعينات القرن الماضي، بدأت القيادة العسكرية الأمريكية تدرك أن الجيل القادم من الدفاعات الجوية المعادية — بما فيها أنظمة SAM بعيدة المدى والرادارات متعددة النطاقات — قد يجعل القاذفات الاستراتيجية التقليدية، مثل B-52 وB-1، أكثر عرضة للاعتراض، وأقل قدرة على تنفيذ مهام اختراق العمق في النزاعات المستقبلية.

ومن هنا، وُلدت فكرة إنشاء قاذفة استراتيجية جديدة تعتمد على مفهوم التخفي بدلاً من السرعة أو الارتفاع، بحيث تتفادى اكتشافها منذ لحظة دخولها المجال الجوي المعادي وحتى تنفيذها لضربتها. وقد أُطلق على هذا التوجه مشروع «Advanced Technology Bomber» (ATB)، وهو مشروع تميّز منذ بدايته بالسرية الفائقة والتمويل الكبير، ليُشكّل ما يُعرف لاحقاً بـ«الثورة الصامتة» في هندسة الطيران العسكري.

وفي عام 1981، منح «البنتاغون» عقد التطوير الرئيسي لشركة Northrop، لما تملكه من خبرة مبكرة في تقنيات الأجنحة الطائرة، وبالتعاون مع Boeing كشريك رئيسي في الإنتاج والأنظمة. وقد استند المشروع إلى مزيج من المبادئ الفيزيائية غير التقليدية، والتقنيات الحاسوبية الناشئة في تلك الفترة، لتوليد شكل هيكلي يُقلّص البصمة الرادارية إلى أقصى حد ممكن، من دون التضحية بالمدى أو الحمولة.

استغرق المشروع أكثر من عقد من الزمن بين الاختبارات والمحاكاة والتصميمات الأولية، قبل أن يتم الكشف العلني عن أول نموذج من B-2 في نوفمبر 1988، خلال حفل رسمي بقاعدة «بالمديل» الجوية في كاليفورنيا، أثار اهتماماً عالمياً غير مسبوق، كونه يمثل أول ظهور علني لطائرة حربية بتصميم «جناح طائر» كامل بدون ذيل أو أسطح تحكم تقليدية.

ودخلت أولى طائرات B-2 الخدمة التشغيلية الفعلية في يناير 1997 لدى الجناح القتالي 509 في قاعدة «وايتمان» الجوية بولاية ميزوري. ورغم أن الخطط الأصلية كانت تتوقع تصنيع 132 طائرة، إلا أن الكلفة الباهظة للبرنامج — والتي قاربت 2.2 مليار دولار للطائرة الواحدة شاملة التطوير — دفعت الكونغرس إلى تقليص العدد إلى 21 طائرة فقط. وقد فُقدت إحداها لاحقاً في حادث تحطّم عام 2008 في قاعدة «غوام»، ليبقى عدد الطائرات العاملة حالياً 20 قاذفة فقط.

وعلى الرغم من عددها المحدود، أثبتت B-2 خلال العقود الثلاثة الماضية أنها استثمار استراتيجي بالغ القيمة، كونها تحتفظ بقدرة استثنائية على تنفيذ ضربات دقيقة في بيئات شديدة التعقيد، من دون أن ترصدها الدفاعات الجوية المعادية.

التصميم وتقنيات التخفي والأداء التشغيلي

تتميّز B-2 Spirit بتصميم فريد على هيئة «جناح طائر» متكامل، يخلو من الهيكل التقليدي أو الزعانف العمودية، وهو شكل هندسي يهدف بالدرجة الأولى إلى تقليص البصمة الرادارية إلى أدنى حد ممكن.

ويعزز هذا التصميم الانسيابي استخدام مواد خاصة ذات خصائص كهرومغناطيسية تقلل انعكاسات موجات الرادار، إلى جانب توزيع دقيق لعوادم المحركات وحرارتها بهدف تقليل البصمة الحرارية للطائرة.

كما أن المقصورة ومكونات التشغيل الداخلية خضعت لمعالجة صوتية وهندسية متقدمة تساهم في خفض البصمة الصوتية وجعل عملية اكتشاف الطائرة، حتى من مسافات قريبة، شديدة الصعوبة.

وبفضل هذا التكامل بين الشكل والمواد والتقنيات، تُقدّر البصمة الرادارية للطائرة بأقل من 0.0001 متر مربع، أي ما يعادل حجم كرة صغيرة معدنية، ما يجعل اكتشافها عبر الرادارات التقليدية أو الحديثة شبه مستحيل، حتى ضمن بيئات عملياتية عالية التهديد ومشبعة بوسائل الكشف.

أما من الناحية التقنية، يبلغ طول الطائرة نحو 21 متراً، في حين يمتد جناحاها إلى 52.12 متراً، ويصل وزنها الأقصى عند الإقلاع إلى نحو 152,634 كلغ.

وتعتمد هذه المقاتلة الأمريكية الشبحية في حركتها على أربعة محركات من نوع General Electric F118-GE-100، موضوعة ضمن تجاويف مدمجة في بدن الجناح للحد من الانبعاثات الحرارية والضوضاء.

وتبلغ سرعة الطائرة القصوى نحو 1,010 كيلومترات في الساعة، بينما يتجاوز مداها العملياتي 11,000 كيلومتر دون الحاجة للتزود بالوقود، مع إمكانية مضاعفة هذا الرقم باستخدام التزود بالوقود جواً، وبذلك تصبح عابرة للقارات.

وتحتوي الطائرة التي يبلغ ارتفاعها نحو 5.1 أمتار على منظومات طيران وملاحة متقدمة، تشمل نظام ملاحة بالقصور الذاتي مدعوماً بإشارات GPS مشفرة، إضافة إلى نظام تحكم طيران كهربائي (Fly-by-Wire) رباعي القنوات يتيح للطائرة الحفاظ على استقرارها ديناميكياً رغم تصميمها غير التقليدي.

وتُدار B-2 بواسطة طاقم مكون من طيارين فقط، بفضل الأتمتة العالية لمهام التوجيه والملاحة والتسليح.

التسليح والتكامل القتالي

تتميز طائرة B-2 Spirit بقدرتها على حمل تسليح متنوع داخل حجرتي أسلحة مدمجتين ضمن بدن الطائرة، الأمر الذي يتيح لها الحفاظ الكامل على خاصية التخفي أثناء تنفيذ المهام القتالية.

وتبلغ الحمولة القتالية الإجمالية للطائرة أكثر من 18,144 كيلوغراماً، موزعة بما يضمن المرونة في التخطيط والتكامل العملياتي مع متطلبات المهمة.

وتشمل ترسانة B-2 ذخائر نووية مثل قنابل B61 وB83  القابلة للتعديل من حيث الشدة والانفجار، إلى جانب ذخائر موجهة تقليدية عالية الدقة من نوع JDAM وJASSM، بالإضافة إلى القنبلة الخارقة للتحصينات GBU-57A/B MOP التي تزن أكثر من 13 طناً، والمخصصة لاختراق المنشآت تحت الأرض مثل مراكز القيادة أو المواقع النووية المحصنة.

ويمنح هذا التنوع B-2 قدرة هجومية مرنة تتيح لها التعامل مع طيف واسع من الأهداف، بدءًا من البنى التحتية العسكرية الاستراتيجية، مروراً بمواقع الدفاع الجوي ومراكز القيادة والسيطرة، وانتهاءً بأكثر المواقع تحصيناً تحت الأرض، ما يجعلها عنصراً محورياً في المهام التي تتطلب الضربة الأولى الصامتة والدقيقة.

الأدوار العملياتية والاستخدام القتالي

منذ دخولها الخدمة في عام 1997، أثبتت B-2 Spirit فعاليتها كقاذفة استراتيجية قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة وعميقة في عمق أراضي العدو، متجاوزة أنظمة الدفاع الجوي المعقدة بفضل خصائصها الشبحية الفريدة. وقد استُخدمت الطائرة في عدد من العمليات الكبرى، بدءًا من حملة كوسوفو عام 1999، مروراً بأفغانستان في 2001 والعراق في 2003، حيث لعبت دوراً رئيسياً في الضربات الافتتاحية، وصولاً إلى تدخلها في ليبيا عام 2011 لتدمير الدفاعات الجوية ومراكز القيادة.

وفي يونيو 2025، سجلت الطائرة أحدث مشاركاتها القتالية ضمن عملية Midnight Hammer، حيث نفذت ضربة استراتيجية ضد منشآت نووية محصنة داخل إيران، في مهمة جوية استمرت 37 ساعة انطلقت من الولايات المتحدة، وشاركت فيها عدة طائرات B‑2 مدعومة بغطاء واسع من وسائل الدعم الجوي.

وقد أظهرت العملية مجدداً قدرة B‑2 على تنفيذ مهام فائقة الدقة في بيئات عالية التهديد، دون أن ترصد أو تُعترض.

تمثل B-2 Spirit تجسيداً فريداً لقوة الردع الجوية في القرن الحادي والعشرين، حيث تجمع بين القوة التدميرية العالية، والدقة الفائقة في الاستهداف، والقدرة على التغلغل في أعماق المجال الجوي المعادي دون أن تُكتشف.

وعلى الرغم من عمرها التشغيلي الذي تجاوز ربع قرن، فإن الطائرة ما تزال تحتفظ بتفوقها النوعي بفضل سلسلة من التحديثات المستمرة، التي تشمل إدخال رادارات حديثة، وتطوير أنظمة الاتصالات بالأقمار الصناعية، وتحسين تقنيات التخفي والطلاء الشبحي، إلى جانب دمج عناصر الذكاء الاصطناعي لتعزيز الوعي الظرفي وسرعة اتخاذ القرار في البيئات العملياتية المعقدة.

وقد أثبتت B-2 عبر مختلف ساحات القتال قدرتها على الحسم الصامت والفعال، وكرست مكانتها كمنصة هجومية فائقة المرونة والدقة.

وبينما تستعد الولايات المتحدة لاستقبال الجيل الجديد من القاذفات (B-21 Raider)، تبقى B-2 Spirit واحدة من أكثر الطائرات رهبة وتأثيراً في تاريخ الطيران العسكري الحديث.

إنفوجرافيك:

B-2 Spirit

الوظيفة الأساسية: قاذفة شبحية استراتيجية متعددة المهام

الطول: 20.9 متراً

الارتفاع: 5.1 متر

عرض الجناحين: 52.12 متراً

الوزن الفارغ: 72,575 كيلوغراماً

أقصى وزن للإقلاع: 152,634 كيلوغراماً

سعة الوقود: 75,750 كيلوغراماً

أقصى ارتفاع (سقف الطيران): 15,240 متراً

السرعة القصوى: أقل من سرعة الصوت (High Subsonic)

المدى العملياتي: عابر للقارات

الحمولة والتسليح:

حمولة داخلية تصل إلى 18,144 كيلوغراماً

قادرة على حمل ذخائر تقليدية دقيقة (JDAM، JASSM، MOP) أو ذخائر نووية مثل B61 وB83

الطاقم: طياران

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض