الموضوع الديني 619

معركة مرج دابق.. عندما انتصر العثمانيون على المماليك

شهد التاريخ عدة غزوات وحروب، كانت نتائجها حاسمة في تغيير مجراه، وسنتناول على صفحات “الجندي” بعضاً من هذه المعارك الفاصلة.

شكلت معركة مرج دابق نقطة تحول مهمة في مسيرة الدولة العثمانية، حيث ساهمت بشكل فعلي في القضاء على دولة المماليك، ونقل عاصمة الخلافة الإسلامية إلى إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية آنذاك.

يوم 24 أغسطس/آب، وقعت معركة مرج دابق “قرب حلب في سوريا” بين قوات الدولة العثمانية وقوات المماليك، الذين كانوا يحكمون مصر وبلاد الشام والحجاز، ويسيطرون فعلياً على خليفة المسلمين في بغداد.

قاد العثمانيين السلطان سليم الأول وقاد المماليك قانصوة الغوري، تمزق جيش المماليك بسبب الخيانة وبسبب المدافع العثمانية التي لم يهتم المماليك بإدخالها في جيوشهم، وبسبب الفارق العددي البشري بين الجيشين. ساءت العلاقة بين العثمانيين والمماليك، وفشلت محاولات الغوري في عقد الصلح مع السلطان العثماني، سليم الأول، وإبرام معاهدة للسلام، فاحتكما إلى السيف، والتقى الفريقان عند مرج دابق.

أسباب المعركة

اندلعت معركة مرج دابق بسبب الصراع على قيادة العالم الإسلامي وتوحيده تحت راية واحدة، في زمن كانت تكثر به هجمات البرتغاليين البحرية التي تستهدف المناطق والمقدسات الإسلامية على طول البحر الأحمر وبحر العرب، فضلاً عن تحالف المماليك سراً مع الصفويين الذين تلقوا هزيمة نكراء من العثمانيين في معركة جالديران عام 1514 ضد الدولة العثمانية.

قبل المعركة

كانت العلاقة بين الدولتين العثمانية والمملوكية في بداية الأمر علاقة مودة وتحالف، ويظهر ذلك في اشتراك الأسطولين العثماني والمملوكي في حرب البرتغاليين، وبدأت الخلافات تطفو على السطح مع بدء المواجهة بين السلطان سليم والشاه إسماعيل الصفوي سلطان فارس، حيث سعى كل منهما للتحالف مع المماليك لمواجهة الطرف الآخر. وأرسل كل منهما السفارة تلو السفارة  للسلطان قانصوة الغوري طالبين منه التحالف، فأما الشاه إسماعيل فقد حذر قانصوة من خطورة سليم الأول على ملكه، وبين له أن عدم تحالفهم سيمكن السلطان سليم من الاستفراد بالواحد تلو الآخر والقضاء عليه، خصوصاً مع توقيعه للهدنة مع الأوروبيين، بينما حث السلطان سليم السلطان قانصوة على التحالف ضد أعداء الدين من المرتدين الشيعة محذراً إياه من طموح الصفويين نحو حلب والشام، ولما لم يلقَ استجابة من قانصوة لجأ إلى تحذيره من مستقبل الصفويين كتهديد مبطن له. وعند مسيرة السلطان سليم نحو بلاد فارس راسل علاء الدولة أمير سلالة ذا القدر التركمانية طالباً منه مساعدته في حرب الصفويين فاعتذر منه علاء الدولة متعللاً بكبر سنه ووقوعه تحت حماية المماليك، لكن بعد انصراف الجيش العثماني هاجمت قوات علاء الدولة مؤخرة الجيش العثماني (اختلف المؤرخون حول وقع ذلك بأمر من قانصوة أم لا) على أن قانصوة أرسل رسالة شكر لعلاء الدولة يطالبه فيها بالاستمرار في مناوشة السلطان سليم. رد السلطان سليم على ذلك بكتاب أرسله للسلطان قانصوة يعلمه فيها بفعلة علاء الدولة فرد عليه السلطان قانصوة بأن علاء الدولة عاص. من حينها تربص السلطان سليم بالسلطنة المملوكية، وأيقن الناس أن كلاهما يضمر للآخر شراً. حاول قانصوة تهدئة الأمر بينه وبين السلطان سليم بعد انتصاره الحاسم في معركة جالديران، فعرض عليه التوسط في الصلح بينه وبين الشاه إسماعيل، إلا أن السلطان سليم أغلظ معاملة الرسل ووبخهم. جمع السلطان سليم وزراءه وقادة جيشه وذكرهم بفعلة علاء الدولة الخاضع للمماليك ورفْض المماليك التعاون معهم في حرب الصفويين، لذلك استقر رأيه على إعلان الحرب على المماليك، على أن يرسل رسالة إلى السلطان قانصوة يعرض عليه الدخول في طوع السلطان سليم، وكان الغرض من الرسالة جر قانصوة الغوري إلى الحرب. ارتكب حينها السلطان قانصوة غلطة سياسية كبيرة بأن أغلظ معاملة الوفد وأهانهم انتقاماً منه لما حدث مع وفده سابقاً بدلاً من أن يحاول إصلاح العلاقة بينه وبين سليم. وخرج السلطان قانصوه بجيش كبير من مصر لتفقد قواته الموجودة في سوريا وليكون على استعداد لأي تحرك عثماني، بينما خرج السلطان سليم على رأس جيشه من إسطنبول قاصداً بلاد الشام. بعد أن علم قانصوه بخروج سليم لملاقاته، أرسل رسالة إلى جان بردي الغزالي والي حمص أن يجمع قواته ومعه أمراء الشوف ولبنان ويوافيه عند سهل مرج دابق، فاستجاب له وتجمع بقواته هناك، كما تجمع لديه جيش من دمشق بقيادة سيباي، وكان والي حلب خاير بك  على اتصال بالعثمانيين وأقنعوه بخيانة قانصوة، على وعد بحكم مصر، وعلى الرغم من تلقى قانصوة التحذير مرتين من خيانة خاير بك (أحد التحذيرات كان من الأمير سيباي حاكم دمشق شخصياً) إلا أنه (واحتكاماً لرأي جان بردي الغزالي صديق خاير بك القديم) رفض عقابه حتى لا يشتت قلوب الأمراء قبل المعركة.

ميزان القوى

العثمانيون: خرج العثمانيون بجيش ضخم يضم 125 ألف مقاتل على وجه التقريب ومعهم 300 مدفع وعدد كبير من حملة القربينات (بنادق بدائية) وترك سليم ابنَه سليمان نائباً عنه في إسطنبول.

المماليك: عدد قوات المماليك غير محدد، وإن كانت تقدر بخمسة آلاف مقاتل من مصر بالإضافة لجيوش إمارات الشام (من 10 إلى 20 ألفاً على أقصى تقدير). وترك قانصوة ابن أخيه طومان باي نائباً له على مصر.

أحداث المعركة

اصطف الجيشان وبدأت المناوشات بينهما، وما لبث أن قام فرسان المماليك بهجوم خاطف على الجنود العثمانيين، فزلزلوهم واضطربت صفوفهم، حيث هاجم رماة السهام من فرسان المماليك حملة البيارق من العثمانيين، واستبسل الجنود المماليك وأظهروا الشجاعة حتى فكر سليم الأول في تجديد الهدنة بعد الخسائر الفادحة التي نزلت بجيشه. إلا أن ضربات المدفعية القوية قد أذهبت هجمات المماليك أدراج الرياح. كان قانصوة الغوري يقود الجيش من على فرسه حينما انحاز فجأة خائر بك والي حلب وقائد الميسرة للعثمانيين، ولم يكتف بذلك بل ادعى أن السلطان قانصوة الغوري قد قُتل. فاهتز المماليك بعد انكشاف صفوفهم وقلة عددهم وانهيار معنوياتهم بعد إشاعة مقتل السلطان وانتهاء هجمات المماليك إلى لا شيء. وكثف العثمانيون من قصفهم للمماليك بالمدافع التي لم يهتم المماليك بإدخالها في جيوشهم مثلما اهتم بذلك العثمانيون. فزادت الخسائر في صفوف المماليك وبدأ الجنود في التخاذل والهرب. فانفك الجيش وانتصر العثمانيون وقَتلوا أعداداً كبيرة من الجنود المماليك وقُتل قانصوة الغوري أثناء انسحابه.

حَكَمَ المماليك العالم الإسلامي في مصر والشام فضلاً عن الأماكن المقدسة في مكة والمدينة المنورة والقدس لمدة تزيد على 250 عاماً، وذلك بعدما استولوا على السلطة في مصر من سلالة صلاح الدين الأيوبي عام 1250، إلا أنه في بداية القرن السادس عشر بدأ حكمهم في الأفول رويداً رويداً خصوصاً مع تزايد النزاعات الداخلية بين قادة الجيش والأمراء. ولهذا، كان جيش المماليك المتوجه إلى مرج دابق أقل كفاءةً وتنظيماً من الجيش العثماني الذي كان أكثر عدداً وعدة.

نتائج المعركة

فتح الانتصار للعثمانيين في هذه المعركة الباب لدخول دمشق فدخلها سليم الأول بسهولة. وبدأ بالتجهيز لفتح مصر والقضاء على الدولة المملوكية بعد أن أحكم سيطرته على الشام. وفي مصر قام المماليك بتنصيب طومان باي سلطاناً وبدأوا في التجهيز لصد العثمانيين. إلا أن تكاسلهم وتقاعسهم وخيانة بعضهم كان كفيلاً بسقوط الدولة وهزيمتهم في معركة الريدانية ومن ثم استيلاء العثمانيين على مصر.

انتهت السلطنة المملوكية بعد فترة قصيرة من معركة مرج دابق وضم بلاد الشام إلى الأراضي العثمانية، وما رافقها لاحقاً من انتصار العثمانيين في معركتي غزة والريدانية على القوات المملوكية بقيادة طومان باي، آخر سلاطين المماليك في مصر، والتي نتج عنها ضم مصر تحت مظلة الحكم العثماني، وانتقال السيطرة على الحجاز والأماكن المقدسة هناك إلى العثمانيين.

وعلى إثر ذلك، أصبح السلطان العثماني، يافوز سلطان سليم (سليم الأول)، أول خلفاء المسلمين، وانتقلت الخلافة الإسلامية بذلك إلى إسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك.

وبعد هزيمة المماليك وانتهاء فترة حكمهم، انضمت اليمن أيضاً إلى مظلة الحكم العثماني، وذلك بعد أن قدم حاكم اليمن المملوكي آنذاك فروض الولاء والطاعة للسلطان سليم الأول.

إعداد: نادر نايف محمد

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض