شهد عام 2024 تطورات لافتة في استعراض حاملات الطائرات الصينية، ففي أكتوبر الماضي، جمعت الصين لأول مرة بين حاملتي الطائرات «لياونينغ» و«شاندونغ» لإجراء مناورات «حاملات الطائرات المزدوجة»، كما أجرت أحدث حاملة طائرات صينية وأكثرها تقدماً «فوجيان» تجارب متتالية في العام ذاته. وقد عكست هذه المناورات لحاملات الطائرات الصينية رسائل ضمنية تتعلق بالقدرات المتنامية لبكين، خاصةً وأنها تمثل الطريقة ذاتها التي تتبعها الولايات المتحدة في استعراض قدراتها العسكرية البحرية، لا سيما من خلال جمع حاملات الطائرات، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات بشأن الدور الذي يمكن أن تشكله حاملات الطائرات في مستقبل التنافس الأمريكي – الصيني.
تعد حاملات الطائرات أداة فعالة لإبراز القوة البحرية، حيث تتيح إمكانية نشر القوات الجوية في عرض البحر وبعيداً عن القواعد البرية، خاصةً في حال رفض بعض الدول منح استخدام قواعدها للقيام بعمليات ضد دول أخرى، وهو ما يوفر ميزة استراتيجية في النزاعات التي يصعب فيها الوصول إلى تحقيق الأهداف العسكرية المرجوة. ويعود تاريخ حاملات الطائرات إلى مطلع القرن العشرين، وذلك من خلال تجربة وضع الطائرات على متن السفن «يو إس إس برمنغهام» عام 1910، قبل أن يتم بناء أول حاملة طائرات مخصصة عام 1918، وهي البريطانية «إتش إم إس أرجوس»، أعقب ذلك قيام الولايات المتحدة واليابان بتطوير تصميماتهما الخاصة بحاملات الطائرات، الأمر الذي شكل تحولاً جوهرياً في التكتيكات البحرية، وخلال الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية ازداد الاهتمام بتطوير حاملات الطائرات، بسبب تركيز القوى البحرية على السيطرة على المحيطات. ورغم ذلك ظلت البوارج هي المسيطرة على البحر باعتبارها رمزاً لمكانة القوى العظمى في البحار، وذلك حتى معركة ميدواي عام 1942، حيث أثبتت حاملات الطائرات فاعليتها في الصراع البحري، لتتراجع أهمية البوارج بشكل تدريجي، بينما تحولت حاملات الطائرات لأداة رئيسية للقوة البحرية.
وقد ازدادت أهمية حاملات الطائرات بشكل كبير خلال حقبة الحرب الباردة، كعنصر رئيسي للمنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فقد استخدمتها واشنطن كأداة رئيسية لاستعراض قوتها والاستجابة للأزمات والصراعات حول العالم، ما سمح لها بالحفاظ على هيمنتها البحرية، بينما ركز الاتحاد السوفييتي على تطوير استراتيجيات دفاعية تعتمد على الغواصات والصواريخ المضادة للسفن.
وتتباين حاملات الطائرات من حيث الحجم والإزاحة وعدد المركبات الجوية التي تستطيع حملها ونوع الدفع، فهناك حاملات الطائرات العملاقة التي تصل إزاحتها حتى 100 ألف طن، وتعمل هذه الحاملات غالباً بالطاقة النووية، مع قدرة على حمل قرابة 90 طائرة، وهناك حاملات الطائرات المتوسطة، بقوة إزاحة تتراوح بين 40 ألفاً وحتى 70 ألف طن، وهي تعمل غالباً بالمحركات التقلدية، بسعة تبلغ 30-50 طائرة، بالإضافة لذلك هناك حاملات الطائرات الخفيفة التي تترواح إزاحتها بين 20 – 30 ألف طن، وقدرة على حمل 10-20 طائرة، مع تركيز أكبر على تشغيل المروحيات وطائرات الإقلاع العمودي.
ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر أسطول من حاملات الطائرات في العالم، هناك عدة دول أخرى تمتلك حاملات طائرات حديثة، لكنها أقل قدرة من مثيلتها الأمريكية، منها بريطانيا التي تشغل حاملتي طائرات من فئة الملكة إلزابيث، وفرنسا وإيطاليا وروسيا، تمتلك كل منها حاملة طائرات واحدة، في المقابل تمتلك الصين ثلاث حاملات طائرات وتعمل حالياً على تطوير حاملة جديدة، وربما يعزى العدد المحدود لحاملات الطائرات في العالم لتكلفتها الهائلة وتقنيتها المتقدمة.
تطور حاملات الطائرات الصينية
تطور برنامج حاملات الطائرات الصيني من مرحلة شراء حاملات الطائرات الأجنبية إلى ابتكار التصاميم الخاصة بها، وبحلول عام 2025 لم تصبح البحرية الصينية متفوقة فقط على البحرية الأمريكية من حيث العدد، بل بدأت تتحول بشكل متسارع لتشكل ثاني أكبر مشغل لحاملات الطائرات في العالم. فقد اشترت بكين في عام 1985 حاملة الطائرات (HMAS Melbourne) المخرجة من الخدمة من أستراليا لتستخدمها بكين لأغراض الدراسة، كما اشترت الصين من أوكرانيا حاملة الطائرات السوفييتية السابقة «فارياج»، وعمدت إلى تحديثها خلال فترة التسعينات ومطلع الألفية الثانية قبل أن تعيد إدخالها للخدمة كأول حاملة طائرات صينية عاملة في عام 2012، والتي أطلقت عليها اسم «لياونينغ». وفي عام 2017 أطلقت الصين حاملة الطائرات الثانية لديها (شاندونغ)، والتي دخلت الخدمة عام 2019، وكانت أول حاملة طائرات تُبنى محلياً. وفي عام 2022، أطلقت الصين حاملة طائرات ثالثة، تسمى فوجيان، بإزاحة حمولة كاملة تبلغ 85 ألف طن.
بالتالي، شرعت الصين خلال السنوات الأخيرة في بناء أسطول من حاملات الطائرات، الأمر الذي مكنها من تحقيق قفزات تكنولوجية بوتيرة متسارعة. وقد شكلت أحدث حاملات الطائرات الصينية «فوجيان» قفزة نوعية في قدراتها البحرية، من خلال امتلاكها قدرات وتحسينات هائلة مقارنة بأول حاملتين طائرات صينية «لياونينغ» و«شاندونغ»، وهي تشكل أكبر وأحدث حاملة طائرات في الأسطول الصيني حتى الآن، كما أنها تعد الثانية في العالم التي تعمل بالمنجنيق الكهرومغناطيسي ونظام (CATOBAR)، الأمر الذي يمكن البحرية الصينية من إطلاق طائرات ثابتة الجناح أكبر حجماً وأثقل وزناً وبحمولات وقود وأسلحة أكبر. وتتمتع «فوجيان» بجناح جوي أكبر، بالإضافة لسطح طيران مجهز بنظام إطلاق كهرومغناطيسي يشبه حاملات الطائرات الأمريكية، بدلاً من منحدر القفز التزلجي المميز في حاملتي الطائرات الصينية «شاندونغ» و«لياونينغ». وهو ما يتسق مع مساعي بكين لبناء أسطول بحري قادر على العمل والانتشار في المياه العميقة، حيث تشكل هذه الحاملات محدداً رئيسياً في مساعي الصين لإبراز نفوذها كقوة عظمى.
وقد حققت حاملات الطائرات الثلاث التابعة للبحرية الصينية إنجازات هائلة بدايةً من عام 2024، حتى أنها اتخذت خطوات طموحة نحو المياه الزرقاء، حيث بدأت حاملة الطائرات الثالثة «فوجيان» في مرحلة التجارب البحرية، منذ مايو من العام ذاته، حيث تم اختبار أنظمة الدفع والكهرباء وغيرها من القدرات.
كذلك، شهد عام 2024 أول مناورة لمجموعة حاملات الطائرات المزدوجة الصينية في بحر الصين الجنوبي، ففي أكتوبر الماضي، أجرت تشكيلات حاملات الطائرات الصينية «لياونينغ» و«شاندونغ» مناورة مزدوجة، عكست إمكانية مشاركة بعض قوات الدفاع والاستطلاع الخاص بالحاملتين، فضلاً عن قدرة كل حاملة على التركيز على أدوار أكثر تحديداً، فبينما يمكن أن تركز حاملة على الهجوم البري، تستطيع الأخرى الاهتمام بالدفاع والتفوق الجوي.
تجدر الإشارة إلى أن حاملات الطائرات تعد أدوات مفيدة بالنسبة للصين يمكن من خلالها معالجة مجموعة متنوعة من القضايا الاستراتيجية والأمنية، كما عكست قدرات حاملة الطائرات الصينية الأحدث مساعي بكين لتجاوز الحدود التكنولوجية، ومن ثم قدرتها على تطوير ونشر قدراتها بشكل أسرع مقارنةً بمنافسيها. وتستهدف الصين بناء ونشر ست حاملات طائرات بحلول عام 2035، وهو ما يتماشى مع رؤية الصين الطموحة والتي تسعى لتحديث كامل جيشها بحلول عام 2027، والتحول لجيش من الطراز العالمي بحلول عام 2049.
لذا تشكل حاملات الطائرات محدداً حاسماً لتحقيق رؤية بكين، فمن خلالها سيكون بمقدور الصين إبراز قوتها ونفوذها في بحري الصين الشرقي والجنوبي، وصولاً إلى غرب المحيط الهادئ وحتى المحيط الهندي، بل وربما في مناطق جغرافية أبعد من ذلك، وهو ما سيعزز قدرات الصين كوسيط في تلك المناطق الواسعة، إذ إن انتشار حاملات الطائرات الصينية لن يعزز فقط قدرات بكين العسكرية، بل سيسهم أيضاً في دعم الدور الدبلوماسي والإغاثي لها، ومن ثم ترسيخ مكانتها كقوة عظمى في النظام الدولي، وذلك من خلال مشاركتها في تأمين الممرات البحرية للاتصالات والتجارة، والمساعدة في وضع الصين في موقع إيجابي في العديد من المناطق الحيوية، وتحدي الهيمنة الأمريكية كضامن للتجارة العالمية في هذه المناطق.
الصين وتحدي هيمنة حاملات الطائرات الأمريكية
على الرغم من التحركات الصينية الحثيثة لتطوير حاملات طائرات حديثة، فإن الولايات المتحدة لا تزال متفوقة في هذا المجال، حيث تمتلك الولايات المتحدة إحدى عشرة حاملة طائرات عملاقة تعمل جميعها بالطاقة النووية (10 منها من فئة نيميتز وواحدة فقط من فئة بوش)، قادرة على العمل كقواعد جوية عائمة وإطلاق عشرات الطائرات المقاتلة بسرعة، يصل طول كل منها لأكثر من ثلاثة ملاعب كرة قدم، وتعد «يو إس إس جيرالد ر. فورد» أكبر حاملات الطائرات الأمريكية وأكثرها تطوراً، وهي تستطيع استيعاب 75 طائرة.
في المقابل، عمدت الصين إلى دراسة مقومات هيمنة الولايات المتحدة على حاملات الطائرات، وبدأت تعمل بحماسة لبناء حاملات طائراتها الخاصة، حتى أضحت أحواض بناء السفن الصينية قادرة الآن على إنتاج حاملات طائرات أكثر حداثة، بل وتستعد بكين حالياً لبناء حاملة طائرات رابعة تعمل بالطاقة النووية، فقد أشارت بعض التقارير الغربية إلى أن بكين نجحت في بناء مفاعل أولي لسفينة حربية كبيرة يعتقد أنه يشكل بداية لاتجاه الصين نحو تطوير حاملات طائرات تعمل بالدفع النووي.
لكن تواجه الصين العديد من المخاوف التقنية والعملياتية التي ستحتاج للتغلب عليها حال أرادت التفوق على الولايات المتحدة كقوة عالمية مهيمنة في مجال حاملات الطائرات، حيث لا تزال بكين في حاجة لتطوير المقاتلات المناسبة لحاملاتها، ويتوقع أن تسعى الصين خلال الفترة المقبلة لإدخال مقاتلتها J-35 للعمل انطلاقاً من حاملة طائراتها، كما ستحتاج الصين لتطوير طائراتها الهجومية الإلكترونية وطائرات الإنذار المبكر المحمولة جواً.
وقد أجرت إحدى الدراسات الغربية تحليلاً افتراضياً لمواجهة مباشرة بين حاملتي الطائرات الصينية «شاندونج» والأمريكية «يو إس إس نيميتز» التي تعمل بالطاقة النووية، ورغم توقع الدارسة أن تتمكن حاملة الطائرات الأمريكية من تدمير نظيرتها الصينية في أي مواجهة مستقبلية، خاصةً وأن «شاندونج» لا تعد حاملة الطائرات الأكثر تطوراً التي تمتلكها بكين حالياً، بيد أن توازن القوى الذي بات في صالح الصين في منطقة الإندوباسيفيك سيجعل حاملة الطائرات الأمريكية تحت التهديد الصيني المباشر، إذ يتوقع أن تدور هذه المواجهة المحتملة على مقربة من الشواطئ الصينية، أو المناطق المأهولة بأنظمة منع الوصول والحرمان من الدخول (AD / A2). وبالتالي ستواجه حاملة الطائرات «نيميتز» تهديداً كبيراً، وستحتاج إلى التعامل مع أعداد هائلة من القوات الصينية مع دعم محدود، كما أن أي هجوم من قبل الصين على القوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ سينبئ بضربة ضخمة على مجموعات الأقمار الصناعية الأمريكية، بالإضافة لاضطرابات هائلة لواشنطن في الفضاء الإلكتروني وعبر الطيف الكهرومغناطيسي، مع إعاقة قدرة القوات البحرية الأمريكية على تنسيق الدفاع ضد الهجمات الصينية، كما يرجح أن تبقي الطائرات الصينية المسيرة والصواريخ والأسلحة الأسرع من الصوت حاملة الطائرات الأمريكية «نيميتز» بعيداً عن الأفق لتجنب تدميرها. وبالتالي يمكن للصين جعل القوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ معزولة تماماً، بل وربما إغراق دفاعاتها بتكتيكات الهجوم المكثف، الأمر الذي سيعني في النهاية خسارة حاملة الطائرات «نيميتز».
كذلك، أجرت دراسة أخرى مقارنة بين حاملة الطائرات الصينية «فوجيان» ونظيرتها الأحدث في الأسطول الأمريكي «يو إس إس جيرالد ر. فورد»، وقد توصلت الدراسة إلى وجود كثير من نقاط التشابه بين الحاملتين، أبرزها استخدامهما لنظام (CATOBAR) واستخدام المنجنيقات بدلاً من منصات القفز التزلجي ومن ثم القدرة على إطلاق طائرات أثقل وزناً بحمولات أكبر، بالإضافة لاستخدامهما مقلاعات كهرومغناطيسية ومعدات إيقاف رغم اختلافهما نسبياً في التصميم، بيد أن الفجوة لا تزال كبيرة في القدرات لصالح فورد الأمريكية، أبرزها قوة الإزاحة الأكبر لفورد والتي تبلغ 100 ألف طن مقابل 85 ألف طن لفوجيان، ناهيك عن اعتماد الأخيرة على محركات تقليدية، بينما تعتمد محركات فورد على الطاقة النووية، غير أن «فوجيان» باعتبارها أول محاولة صينية لبناء حاملة طائرات حديثة شكلت قفزة نوعية للبحرية الأمريكية. من ناحية أخرى، ألمحت بعض التقارير الغربية إلى أنه اعتباراً من مارس 2025، باتت البحرية الأمريكية تمتلك فقط أربع حاملات طائرات جاهزة للانتشار، وهو ما يتماشى مع تقارير أخرى كشفت عن بعض الضعف الذي بدأ يهيمن على حاملات الطائرات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، وأن هذه الحاملات تتمتع حالياً بدفاعات محدودة ضد الصواريخ الأسرع من الصوت. لذا تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تأكيد تفوقها البحري، وزيادة القوة البحرية الأمريكية في عدة جبهات، فرغم أن الولايات المتحدة لا تزال تهيمن عسكرياً على البحار، فإنها باتت أضعف في عدة قطاعات بحرية، مثل الشحن التجاري وبناء السفن وغيرهما.
وتجدر الإشارة إلى أن مقاربة الصين وطريقة استخدامها لحاملات الطائرات تختلف كثيراً عن الولايات المتحدة، فبينما تعد هذه الحاملات مجرد أداة واحدة بالنسبة لواشنطن تستخدمها لإنشاء شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء من خلال دمج حاملات الطائرات مع القواعد الأمريكية ومراكز اللوجستيات والمنشآت العسكرية في دول أخرى، في المقابل، ترتبط حاملات الطائرات الصينية بشكل مباشر بمساعي بكين في أن تصبح قوة عظمى رائدة.
وعلى الرغم من فرق الخبرة بين حاملات الطائرات الصينية والأمريكية، حيث تتمتع الأخيرة بخبرة أطول بكثير ممتدة لعقود وقدرة على إجراء عمليات معقدة متعددة الحاملات، بيد أن التطوير المتسارع في القدرات البحرية الصينية يظهر نية الأخيرة الواضح لتطوير قدرات حاملات الطائرات، على الرغم من التحديات التي يمكن أن تواجه الصين في هذا السياق، بما في ذلك التكاليف الهائلة لبناء حاملات الطائرات المتقدمة، لا سيما وأن هذه التكاليف كانت أحد العوامل الرئيسية لتراجع اهتمام الاتحاد السوفييتي بحاملات الطائرات، كما أن نقص الميزانية شكل محدداً رئيسياً لتراجع القوة البحرية الأمريكية، لكن يبدو أن الصين تعطي أولوية لبناء قدراتها العسكرية، لا سيما القوة البحرية بما في ذلك حاملات الطائرات، الأمر الذي سيجعلها مستعدة لتخصيص ميزانيات كبيرة لتحقيق هذا الهدف.
تطور القدرات الصينية في استهداف حاملات الطائرات
لطالما شكلت حاملات الطائرات الأمريكية محدداً رئيسياً في هيمنة الولايات المتحدة البحرية خلال العقود الماضية، ومنصة رئيسية لاستعراض القوة البحرية الأمريكية، بيد أن هذه الحاملات باتت الآن أكثر عرضة للخطر، في ظل التطورات الهائلة والمتسارعة في قطاع الدفاع الصيني. وقد أجرت الصين خلال السنوات الأخيرة العديد من التدريبات العسكرية التي تحاكي حصار تايوان، لكنها تدرك أيضاً أن حاملات الطائرات الأمريكية والمدمرات ستكون حاسمة للبحرية الأمريكية لاختراق هذ الحصار، لذا ركزت بكين بشكل مكثف على تطوير بعض الأسلحة التي قد تعيق البحرية الأمريكية، حيث ترتكز استراتيجيتها لمنع دخول القوات الأمريكية لغرب المحيط الهادئ على هذه الأسلحة، وقد باتت الصين تمتلك حالياً مخزوناً هائلاً من الصواريخ الباليستية المضادة للسفن (معروفة أيضاً باسم قاتلة حاملات الطائرات)، على غرار صواريخ DF-21 وDF-26 وYJ-12 وYJ-18 وYJ-83. بالإضافة لامتلاكها صواريخ YJ-21 وYJ-27 الأسرع من الصوت والقادرة على ضرب حاملات الطائرات الأمريكية. وقد أشارت بعض التقارير الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة إذا لم تطور أساليب جديدة لإضعاف استراتيجية الصين في منع الوصول والحرمان من الدخول، فإن أي مواجهة بين الطرفين ستكون محسومة للصين.
ويتسق هذا الطرح مع تصريحات سابقه لوزير الدفاع الأمريكي الحالي، بيت هيغسيث، في نوفمبر الماضي قبل توليه منصبه الحالي، والتي أشار فيها إلى أن الصواريخ الصينية الأسرع من الصوت تستطيع إغراق جميع حاملات الطائرات الأمريكية خلال 20 دقيقة فقط، ورغم إشارة بعض التقديرات إلى أن هذه التصريحات بها مبالغة في تقدير المدة الزمنية، لكنها تعكس مدى تقدم قدرات الصين في استهداف حاملات الطائرات الأمريكية.
كذا، لم تعد الصواريخ وحدها هي ما تطوره الصين لإغراق حاملات الطائرات الأمريكية، فقد كشفت جامعة «بوليتكنيك» شمال غرب الصين، بالتعاون مع مركز الصين لبحوث وتطوير الديناميكا الهوائية، عن نجاحها في تطوير أسراب من الطائرات المسيرة المخصصة لتدمير حاملات الطائرات، حيث يتم إطلاق هذه الطائرات من الغواصات الصينية لتشكل سرباً في الهواء وتقوم بعدها بشن هجمات مفاجئة على حاملات الطائرات، مما يؤدي إلى غمر أنظمتها الدفاعية وهبوطها إلى قاع البحر. وقد أجرت بكين رحالات تجريبية لهذه الأسراب، وعلى عكس الطائرات المسيرة البحرية التي تقوم الولايات المتحدة حالياً بتطويرها، والتي تشير التقديرات إلى أنها لا تزال تعاني من عيوب جوهرية ولا تتمتع بقدرة على المناورة تحت الماء، فإن الأسراب التي طورتها الصين مؤخراً تتمتع بقدرة أعلى على المناورة كما أنها قادرة على العودة مرةً أخرى إلى الغواصة التي أطلقتها ومن ثم صعوبة استهدافها، وهو ما تفتقره المسيرات الأمريكية.
حاملات الطائرات ومستقبل الحروب البحرية
تعد حاملات الطائرات رمزاً للقدرات العسكرية للدول، فمن خلال قدرتها على استيعاب آلاف القوات وعشرات الطائرات المقاتلة مع احاطتها بعدد من السفن الحربية الأخرى ذات القدرات الخاصة، يمكن لحاملات الطائرات ذات القمم المسطحة أن تمثل نفوذاً واسعاً لأي دولة، ورمزاً للمكانة والنفوذ وعنصراً حاسماً في الحروب البحرية المستقبلية.
وقد كشفت بعض التقارير الأمريكية عن اتجاه الصين لتطوير حاملة طائرات ضخمة، أكبر من «فوجيان» ستعمل بالطاقة النووية وستنافس أكبر حاملات الطائرات الأمريكية. وقد أشارت بعض التقديرات الغربية إلى أن حاملات الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية يمكنها أن ترسخ مكانة الصين كقوة بحرية من الدرجة الأولى، وهي المجموعة التي تقتصر حالياً على الولايات المتحدة وفرنسا.
وتشير صور الأقمار الصناعية لمنشأة بناء السفن الصينية في «داليان» بشمال شرق الصين، إلى أن حاملات الطائرات الصينية الرابعة ستكون من الجيل التالي وستمتلك تصميم جديد يسمح لها بإطلاق الطائرات المقاتلة من أربعة أجزاء من سطح السفينة، على عكس الحاملات الثلاث التي تمتلكها بكين حالياً والتي تسمح بإطلاق المقاتلات من ثلاث أجزاء فقط. وبالتالي يتوقع أن تزود حاملة الطائرات الصينية الجديدة بأربعة منجنيقات ومواكبة حاملات الطائرات الأمريكية، على غرار «يو إس إس جيرالد ر. فورد» والتي تعد أكبر حاملة طائرات في البحرية الأمريكية وأكثرها تطوراً.
في المقابل، شككت تقارير أمريكية أخرى في مدى قدرة الصين على تطوير حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية، معتبرةً أن تطوير هذه الحاملات يعد أكثر تعقيداً مقارنةً بتطوير حاملات الطائرات التقليدية، كما أن الصين تفتقر للخبرة في هذه المجالات، وبالتالي ألمحت هذه التقارير إلى أن حلم الصين بامتلاك حاملة طائرات نووية يبدو احتمالاً مستبعداً في المدى المنظور. لكن ربما يدحض هذا الطرح أن الصين تمكنت فعلياً من تطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية، رغم الاختلاف بين تشغيل الغواصات وحاملات الطائرات.
وفي هذا السياق، تتعدد الخيارات أمام الصين فيما يتعلق بحاملات الطائرات الصينية ودورها في الحروب المستقبلية، يتمثل أبرزها في مواصلة تطوير وتوسيع الأسطول الصيني من حاملات الطائرات التقليدية، أما الخيار الثاني فيتمثل في الدفع نحو تطوير حاملات طائرات نووية إلى جانب حاملات الطائرات التقليدية، بالإضافة لذلك يمكن أن تعمل الصين على تطوير الأسلحة القادرة على إغراق حاملات الطائرات، من خلال مضاعفة جهودها في تطوير الصواريخ والطائرات المسيرة والغواصات والقدرات السيبرانية التي ستمكنها من تحييد حاملات الطائرات الأمريكية، ويبدو أن بكين تتجه نحو تبني مقاربة هجينة تركز على مختلف الخيارات.
بالتالي، بينما تمكنت البحرية الصينية من تحقيق التفوق الكمي على نظيرتها الأمريكية، فإنها تسعي حالياً لتضييق الفجوة التكنولوجية مع واشنطن، وذلك من خلال تزويد أسطولها بسفن قادرة على العمل لسنوات دون الحاجة للتزود بالوقود، الأمر الذي قد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية في المحيط الهادئ مع تعزيز الوجود العسكري الصيني بعيداً عن سواحلها. وسيشكل تطوير الصين لحاملات الطائرات الصينية، حال تمكنت بكين من ذلك، تحولاً استراتيجياً كبيراً، حيث ستتمكن الصين من نشر أسطولها خارج مياهها الإقليمية مع إجراء عمليات مطولة دون قيود لوجستية.
ولأول مرةً منذ 80 عاماً، باتت الولايات المتحدة تواجه تحدياً يتعلق بهيمنتها على حاملات الطائرات، فخلال 13 عاماً فقط تمكنت الصين من بناء ثلاث حاملات طائرات، مع تطلعات لبناء مزيد من الحاملات الأكثر تطوراً والتي تعمل بالطاقة النووية، وهو الأمر الذي يهدد الهيمنة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ، وربما يفضي إلى انتزاع الصين لهذه الهيمنة خلال أي حرب مستقبلية.
وفي الختام، رغم أن حاملات الطائرات الصينية يرجح أن يكون لها تأثير محدود على نتيجة أي صراع مباشر مستقبلي بين مع الولايات المتحدة، بيد أن هناك العديد من المحددات الرئيسية التي تدفع بكين نحو الاستثمار بكثافة في تطوير قدراتها في هذا المجال، بل وبوتيرة متسارعة، لعل أبرزها ما يتعلق بطموحات بكين في تعزيز وصولها إلى المياه الزرقاء والتحول لقوة عظمى رائدة. ورغم الخبرة المحدودة نسبياً للصين في هذا المجال مقارنة بالخبرة الأمريكية الطويلة، فإن الصين أثبتت في كثير من الأحيان قدرتها على تجاوز الفجوات الكبيرة مع منافسيها في العديد من المجالات، وبالتالي لا يستبعد أن تتمكن الصين خلال السنوات القليلة المقبلة من التحول لند قوي لواشنطن فيما يتعلق بحاملات الطائرات الأكثر تقدماً، الأمر الذي ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل الحروب المستقبلية، ليس فقط في منطقة الإندوباسيفيك، لكن في كثير من المناطق الحيوية حول العالم.
عدنان موسى
مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة