تُعدّ اللوجستيات إحدى أهمّ الركائز التي تستند إليها الكفاءة القتالية والجاهزية العملياتية في المؤسسات العسكرية، وهي لا تعد مجرد نشاط تقني أو آلي لتأمين العتاد والمؤن والذخائر ووسائل النقل، بل هي منظومة متكاملة تشمل إدارة الموارد وتوزيعها تحقيقاً لإدامة الأنشطة والعمليات.

بعد نهاية الحرب الباردة، وإثر بروز بيئات عملياتية معقدة ومتغيرة، أصبحت الحاجة إلى إدخال مفهوم ضمان الأداء بوصفه وظيفة من الوظائف الفرعية بالغةِ الأهمية. تهدف عملية ضمان الأداء للمنظومات اللوجستية إلى ضمان تحقيق الأنظمة، والمعدات والمورّدين لمستويات أداء محددة قابلة للقياس، وتتجاوز تنفيذ مهام التوريد إلى مراقبة الموثوقية (الاعتمادية)، والتوفر availability (وهو مقياس لقدرة المنظومة على العمل عند الطلب دون تأخير أو تعطيل، ويُعبّر عنه عادةً بنسبة مئوية تمثل العلاقة بين الزمن الفعلي والزمن المخطط)، وسرعة الاستجابة. ومن هذا المنطلق، أصبح «ضمان الأداء» يشكّل محوراً أساسياً في سياسات الدفاع الحديثة، بوصفه ركيزة من ركائز منظومة إدارة الجودة والتحسين المستمر التي تهدف إلى رفع الكفاءة وتعزيز الموثوقية التشغيلية عبر دورة حياة المنظومة الدفاعية.
مفهوم ضمان الأداء
يمكن تعريف ضمان الأداء في المؤسسات العسكرية – وفقاً لمرجع جامعة الاستحواذ الأمريكية Performance-based logistics (PBL) guidebook – بأنه المنظومة التي توفّر درجة الثقة بأن الانشطة اللوجستية تحقق الأهداف المطلوبة من حيث الفاعلية والكفاءة والموثوقية. يتقاطع ضمان الأداء مع إدارة الجودة في محاور ولكنه يختلف عنها في الغاية والمنهج، فبينما تركز الجودة على مطابقة المواصفات، يسعى ضمان الأداء إلى تحقيق النتائج التشغيلية الفعلية عبر المتابعة والتحليل والتحسين المستمر. اعتمدت وزارة الدفاع البريطانية هذا المفهوم ضمن إطارها الثلاثي (الحوكمة Governance – ضمان الأداء Assurance – التحسينImprovement ) الذي نصّت عليه سياسة الجودة JSP 940، وضحت هذه السياسة أن وظيفة ضمان الأداء تمثل «الآلية التي تكفل أن الحوكمة تحقق غاياتها، كما تكفل ترجمة التحسين المستمر إلى نتائج واقعية في الأداء». من ثم، إن ضمان الأداء لا يُعد مجرد وظيفة فنية أو تنفيذية، بل يمثل عنصراً حوكمياً واستراتيجياً يسهم في تعزيز منظومة الرقابة المؤسسية، ويحوّل الخبرات التشغيلية المتراكمة إلى معرفة تنظيمية قابلة للتطبيق تُستخدم في تطوير السياسات وتحسين كفاءة الأداء عبر المستويات المختلفة للمؤسسة العسكرية.

ضمان الأداء كوظيفة فرعية من وظيفة الإمداد
عادةً ما تتألف منظومة الإمداد العسكري من وظائف أساسية تشمل: التخطيط، الشراء، النقل، الصيانة، وضمان الأداء. يتميّز ضمان الأداء بأنه وظيفة أفقية تربط جميع المراحل السابقة عبر نظام مراقبة وتحليل أداء متكامل. فهو يضع معايير الأداء منذ مرحلة التخطيط (كأن يحدد معدل الجاهزية المطلوب للأسطول)، ويراقب التنفيذ أثناء عمليات النقل والتوريد، ويقوّم نتائج الصيانة ومؤشرات الأعطال ضمن دورة الحياة التشغيلية.
تعتمد المؤسسات العسكرية الحديثة على أطر مرجعية دولية وعسكرية لتنظيم وظيفة ضمان الأداء، تأتي في مقدمتها المعايير الدولية للجودة، مثل ISO 9001:2015 التي تبين متطلبات نظام إدارة الجودة على أساس نهج العملياتProcess Approach والتحسين المستمر، وهو ما يمثل الأساس المدني الذي استندت إليه المؤسسات العسكرية لتطوير أنظمة الجودة لديها. أما ISO 10005 فتحدد مبادئ إعداد خطط الجودة، والتي تُستخدم في المشاريع العسكرية لتوثيق خطط ضمان الأداء.
يُعدّ حلف الناتو نموذجاً بارزاً في توحيد معايير الجودة وضمان الأداء بين الدول الأعضاء، من خلال منظومة المواصفات المعروفة باسم Allied Quality Assurance Publications التي تشكّل المرجعية الموحدة للصناعات الدفاعية المشتركة. ويبرز ضمنها المعيار NATO AQAP 2110 الذي يُلزم الموردين بتطبيق نظام جودة شامل لضمان الأداء في مراحل التصميم والتطوير والإنتاج، فيما يحدّد STANAG 4107 مبدأ القبول المتبادل لنتائج الضمان الحكومي بين الدول الأعضاء، مما يعزز الثقة ويحدّ من الازدواجية ويدعم التكامل اللوجستي داخل الحلف.
من زاوية اخرى، أوضحت سياسة الجودة البريطانية أن السعي نحو التحسين المستمر، يُعدّ أمراً جوهرياً في مفهوم الجودة. ما يعني الاستمرار في إزالة المشكلات التي تمنع أيّ عملية أو منتج أو خدمة من تجاوز توقعات العميل. فالتحسين المستمر تغيير تدريجي لا ينتهي ويهدف إلى زيادة فعالية وكفاءة المنظمة في تحقيق سياستها وأهدافها. تُلزم تلك السياسة كل قطاع دفاعي بإنشاء آليات مراجعة دورية لتقييم فعالية أنظمة الدعم والإمداد.
آليات ضمان الأداء
تتطلب وظيفة ضمان الأداء مجموعة من العمليات والأنشطة المتكاملة التي تعمل ضمن دورة مستمرة من التخطيط، المراقبة، والتحسين. فهي تبدأ بالتخطيط المسبق للأداء منذ مرحلة التصميم، حيث تُحدَّد مؤشرات الأداء المستهدفة وتُدرج خطط القياس ضمن العقود والمواصفات الفنية لضمان وضوح المعايير منذ البداية. كما تشمل العملية التحقق والتدقيق الدوريين، إذ تنفّذ فرق التدقيق – مثل Government Quality Assurance Teams وفق النموذج البريطاني – مراجعات ميدانية منتظمة على الموردين والمستودعات وأنظمة الإمداد، للتأكد من التزامها بمستويات الأداء المحددة.
إلى جانب ذلك، تعتمد منظومة ضمان الأداء على أدوات تحليل وتحسين متقدمة، أبرزها تحليل الأسباب الجذرية (Root Cause Analysis)، الذي يُستخدم عند انخفاض الجاهزية أو ارتفاع معدلات الأعطال لتحديد الأسباب الجذرية كضعف التدريب، سوء المورِّد أو تقادم المعدات، مما يتيح معالجة جذور المشكلات لا الأعراض المصاحبة فقط. ومن تلك الإجراءات الرقابية التحكم الإحصائي في العمليات (Statistical Process Control)، الذي يمكّن من تتبع تغيرات الأداء في خطوط الصيانة والإمداد وتحليل البيانات التشغيلية بشكل مستمر، بما يسمح بالتدخل المبكر قبل أن تتحول المؤشرات المتدنية إلى أعطال تشغيلية تؤثر على الجاهزية.
وأخيراً، من أبرز الإجراءات الرقابية إدارة المخاطر المبنية على الأداء (Risk-Based Assurance)، التي تربط مستوى المراقبة بدرجة خطورة النظام لضمان تركيز الجهود على المعدات الحرجة، مما يحقق توازناً بين الكفاءة التشغيلية وحسن استثمار الموارد. ويؤدي دمج التخطيط والتدقيق والتحسين إلى تحويل ضمان الأداء من رقابة تقليدية إلى نظام استباقي يركّز على الوقاية ورفع الكفاءة طوال دورة حياة النظام اللوجستي.
تجربة وزارة الدفاع البريطانية
تُعتبر التجربة البريطانية من التجارب المتطورة في دمج ضمان الأداء داخل نظام الإمداد. فمنذ عام 2015، تم توحيد سياسات الجودة والإمداد تحت إطار سياسة الجودة -التي سبق ذكرها- الذي يربط بين الجودة والتحسين المؤسسي. لأغراض التوضيح ووفق ما ورد في تقرير MOD QA An nual Review 2024، أدّى تطبيق نموذج «الحوكمة / ضمان الأداء / التحسين»، إلى تحسين الجاهزية التشغيلية (العملياتية) بنسبة 11 % في برامج الطائرات دون طيار خلال ثلاث سنوات. كما أدى إلى تقليص حالات «عدم المطابقة -أي مخالفة المواصفات» – بنسبة 22 % في مشاريع الدعم اللوجستي. يضاف إلى ذلك، أدى ذلك إلى تعزيز ثقة القيادة العليا في مؤشرات الأداء، مما ساعد على اتخاذ قرارات تمويل أدق وأكثر فعالية.
تميزت التجربة البريطانية بدمج التحسين المستمر في الثقافة المؤسسية عبر ما يُعرف بـ Self-Assurance Model، الذي يمنح الوحدات حرية تقييم أدائها الذاتي وفق معايير محددة، قبل أن تخضع لتدقيق مستقل من فرق مختصة. جعل هذا التكامل بين التقييم الذاتي والتدقيق الخارجي ضمان الأداء جزءاً من دورة الحياة اليومية للمنظومة اللوجستية.

تحديات ضمان الأداء وحلول الذكاء الاصطناعي
على الرغم من النتائج الإيجابية المتوقعة، تواجه وظيفة ضمان الأداء بشكل عام عدة تحديات، تنطبق تلك التحديات على كافة الوظائف في المؤسسة العسكرية وفي مقدمتها الإمداد. تأتي درجة التعقيد البيروقراطي في مقدمة تلك التحديات، فتعدد الجهات الرقابية قد يؤدي إلى تكرار عمليات المراجعة وتضارب الصلاحيات. كما يعتبر نقص الكفاءات التحليلية من أبرز التحديات، فنجاح ضمان الأداء يعتمد على خبراء قادرين على تحليل البيانات ومؤشرات الأداء بدقة. من زاوية مغايرة، من المتوقع أن تؤدي تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى بلورة نموذج متقدّم لضمان الأداء يُعرف بـ»Smart Assurance»، يعتمد على التحليل التنبؤي والبيانات الآنية لرفع درجة الثقة بأن الأنشطة اللوجستية والتشغيلية تحقق الأهداف المطلوبة من حيث الجاهزية والفاعلية والكفاءة والموثوقية. في الممارسة يتجلّى ذلك عبر عدد من قدراتٍ رئيسية كالصيانة التنبؤية (Predictive Maintenance) التي توفّر تنبؤات مبكرة عن أعطال المعدات اعتماداً على بيانات حساسات الاهتزاز والحرارة والضغط، والجدولة الآنية (real-time scheduling) التي تعيد ترتيب أولويات الإمداد ومسارات التوريد تلقائياً استجابةً لتغيرات الساحة، ولوحات قيادة ذكيّة لمراقبة مؤشرات الجاهزية باستمرار، إضافةً إلى اعتماد التوأمة الرقمية (Digital Twins) لمحاكاة سيناريوهات الصيانة والإمداد وتقدير أثرها على الجاهزية قبل تنفيذها ميدانياً.
عند دمج تقنيات البلوكشينBlockchain مع Smart Assurance تتحقق شفافية قابلة للتدقيق في سلسلة الإمداد، بتوفير سجل موزع غير قابل للتلاعب تتبّعاً كاملاً لتسلسل الأجزاء وعمليات الصيانة والامتثال لاتفاقيات مستوى الخدمة (Service Level Agreements)، ما يسهم في إثبات أسباب القرارات التصحيحية وموثوقية بيانات الأداء. وقد بدأت بعض الجيوش تتجه عملياً إلى إنشاء أطر مؤسسية لتشغيل هذه الأفكار، فثمة تقارير وسياسات رسمية من وزارة الدفاع البريطانية والبرلمان البريطاني تشير إلى جهود موحدة لاعتماد حوكمة واعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي في الدفاع، كما تضمنت استراتيجية وزارة الدفاع الكندية للذكاء الاصطناعي توجيهات لاستخدام التحليلات المتقدمة، وتسعى كلتا الدولتين إلى إنشاء مراكز متخصّصة — يُشار إليها أحياناً بـ Performance Assurance Cells — مهمتها مراقبة مؤشرات الجاهزية بتقنيات الذكاء الاصطناعي وترجمة التوصيات التشغيلية إلى إجراءات إصلاحية أو جداول صيانة معدّلة. ورغم الإمكانات الكبيرة، يستلزم التنفيذ الناجح تدابير داعمة مثل حوكمة بيانات صارمة لضمان جودة ونزاهة البيانات، أمن سيبراني محكم لحماية نماذج التحليل وسجلات الـBlockchain، متطلبات شفافية وقابلية شرح (explainability) للنماذج لضمان المساءلة، وإجراءات اختبارات مضادة (adversarial testing) للتعامل مع محاولات التلاعب بالبيانات. كما ينبغي تصميم نماذج تشغيل هجينة تحفظ دور الإنسان في الحلقة (human-in-the-loop) لاتخاذ القرارات الحاسمة خصوصاً في حالات المخاطر العالية. إضافة لما تقدم، يتطلب تطبيق هذه المنظومة أيضاً مشاريع قصيرة المدى لإثبات المفاهيم، بناء وحدات تجريبية ومراكز أداء رقمية، وتطوير أطر قانونية وتشغيلية تتيح تحويل نتائج الذكاء الاصطناعي وشفافية سلسلة الإمداد إلى سياسات وعمليات قابلة للتنفيذ في ساحات العمليات.
خاتمة
من الواضح أن ضمان الأداء لم يعد نشاطاً ثانوياً، لكنه يستلزم إعداد برامج تدريبية متخصصة لتأهيل المعنيين بمراقبة وضمان الأداء، بما يضمن امتلاكهم المهارات التحليلية والتقنية اللازمة لمتابعة مؤشرات الكفاءة والجاهزية. كما يتطلب ذلك تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات في مجال الضمان بين الحلفاء والشركاء الدفاعيين، بما يتيح تبنّي أفضل الممارسات وتطوير المعايير المشتركة. ويُعدّ الاستثمار في البنية الرقمية للتحليل التنبؤي ومراقبة الأداء في الزمن الحقيقي بالاستعانة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ركيزة أساسية لدعم هذه الجهود، من خلال تمكين القيادة من اتخاذ قرارات دقيقة واستباقية. نستخلص مما تقدم، أن ضمان الأداء يُعدّ حجر الأساس لبناء منظومة إمداد ذكية، مرنة، ومستدامة، تواكب تطورات الحرب الحديثة وتدعم التفوق العملياتي على المدى الطويل.
لواء م/ خالد علي السميطي










