تحتل مملكة ماليزيا موقعاً استراتيجياً في قلب جنوب شرق آسيا، يمنحها دوراً محورياً في معادلات الأمن العالمي، ويجعلها لاعباً فاعلاً في منظومة الاستقرار الآسيوي.
وتنتهج ماليزيا سياسة خارجية تتيح لها بناء علاقات دفاعية متوازنة مع قوى كبرى وإقليمية، وقد عززت هذا التوجه عبر تحديث قدرات قواتها المسلحة، والاستثمار في التكنولوجيا البحرية والجوية والبرية، والمشاركة في عمليات حفظ السلام.
كما تضطلع كوالالمبور بدور مهم داخل منظومة رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، حيث تسهم في مبادرات الأمن الجماعي، ومكافحة الإرهاب والقرصنة، وتعزيز أمن سلاسل الإمداد، بما يرسّخ موقعها كحلقة وصل بين الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية.
الصناعات الدفاعية الماليزية… من الاستيراد إلى بناء القدرات
شهد قطاع الصناعات الدفاعية في ماليزيا نمواً متدرجاً خلال العقود الأخيرة، مدفوعاً برؤية وطنية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاكتفاء الذاتي في المجالات الحيوية. وركّزت الدولة على نقل التكنولوجيا، وبناء شراكات استراتيجية مع شركات عالمية، وتطوير قاعدة صناعية قادرة على إنتاج وصيانة وتحديث منظومات عسكرية متنوعة في المجالات البرية والبحرية والجوية.

ولا تقتصر أهمية هذه الصناعات على الجانب العسكري، بل تمتد إلى كونها رافعة اقتصادية وتكنولوجية، حيث تخلق وظائف نوعية عالية المهارة، وتدعم البحث والتطوير، وتؤهل كوادر وطنية في مجالات الهندسة المتقدمة، والأنظمة الإلكترونية، والبرمجيات الدفاعية، وتعزز السيادة الاستراتيجية من خلال تقليل هشاشة سلاسل التوريد في أوقات الأزمات والاضطرابات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، تبرز المعارض الدفاعية الكبرى كأداة مكملة لبناء الصناعة الوطنية، إذ تمثل منصات عملية لجذب الاستثمارات، وتعزيز فرص التصدير، وتسريع نقل المعرفة، وتحفيز التكامل بين القطاعين العام والخاص.
المساهمة في تشكيل مستقبل تقنيات الدفاع والقدرات الأمنية
تتجسد مكانة ماليزيا الدفاعية والصناعية في استضافتها لحدثين متكاملين يشكلان إحدى أهم منصات الدفاع والأمن في آسيا وهما: معرض خدمات الدفاع الآسيوي – Defence Services Asia، ومعرض الأمن القومي الآسيوي .NATSEC
ويقام الحدثان معاً خلال الفترة من 20 إلى 23 أبريل 2026 في مركز ماليزيا الدولي للتجارة والمعارض – Malaysia International Trade and Exhibition Centre (MITEC) في العاصمة كوالالمبور.

ويشرف على تنظيم المعرضين كل من وزارة الدفاع الماليزية (MINDEF)، والقوات المسلحة الماليزية، والشرطة الملكية الماليزية، إلى جانب إدارة الهجرة والجمارك الملكية، والمجلس الماليزي للصناعات الدفاعية والتنفيذية والأمنية (MIDES)، بما يعكس التنسيق الكامل بين مؤسسات الدولة وقطاع الصناعة الدفاعية والأمنية لضمان أعلى مستويات الاحترافية والكفاءة.
كما يقام الحدثان في صيغة تكاملية تعكس الترابط بين مفهومي الدفاع الخارجي والأمن الداخلي، وتؤكد أن الأمن المعاصر لم يعد يُختزل في الحدود العسكرية التقليدية، بل أصبح منظومة شاملة متعددة الأبعاد، تشمل الابتكار التكنولوجي، وحماية البنية التحتية، والاستدامة البيئية، والحروب الإلكترونية.
ويمثل المعرضان منصة عالمية تجمع قادة الصناعة وصناع السياسات وخبراء الدفاع لتبادل الأفكار، وتشكيل مستقبل تقنيات الدفاع والقدرات الأمنية، مع التركيز على التعاون الإقليمي ومواجهة التحديات الأمنية المعاصرة.
معرض خدمات الدفاع الآسيوي (DSA)… إرث عريق وفرص استراتيجية
انطلق معرض خدمات الدفاع الآسيوي عام 1988، وأصبح اليوم في دورته التاسعة عشرة أحد أعرق وأكبر معارض الدفاع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويصنف ضمن أكبر 5 معارض دفاع في العالم.
وبفضل هذا الإرث الطويل، يجمع المعرض كبار المسؤولين وصنّاع القرار من مختلف دول العالم، ويوفر وصولاً مباشراً إلى وزراء الدفاع، وقادة الأركان، وكبار المسؤولين العسكريين، فضلاً عن ممثلي الشركات والمنظمات العالمية.
وتتميز دورة 2026 بحجم مشاركة واسع، فمن المتوقع أن تشمل أكثر من 1,400 شركة عارضة من أكثر من 60 دولة، مع نحو 500 وفد رسمي رفيع المستوى من 40 دولة، وأكثر من 50 ألف زائر تجاري من 114 دولة، ضمن مساحة عرض تتجاوز 48 ألف متر مربع.
ويغطي المعرض طيفاً واسعاً من التقنيات الدفاعية الحديثة، بدءاً من الأنظمة المسيرة والدفاع السيبراني، وصولاً إلى الابتكارات الخاصة بالطيران والفضاء، وحلول الأمن البحري، والروبوتات القتالية، والطب العسكري، والمعدات الخاصة للتعامل مع الكوارث الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية.
ويقدم قطاع الأسلحة والمعدات التكتيكية في هذا الحدث الدفاعي أحدث الأسلحة الصغيرة، ومعدات الحماية الشخصية، والمعدات التكتيكية للقوات المسلحة، وأجهزة إنفاذ القانون، وعمليات المهام الخاصة، بهدف تعزيز الكفاءة التشغيلية والاستعداد للمهام المتنوعة.
أما منصة CBRNE فهي مساحة متكاملة مخصصة للمواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمتفجرات، تجمع الشركات العالمية والجهات الحكومية ومقدمي الحلول، لتعرض أحدث التقنيات، وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون الاستراتيجي في هذا القطاع الحيوي.
وفي الوقت نفسه، يسلط برنامج المساعدة الإنسانية وإغاثة الكوارث (HADR) الضوء على حلول الاستجابة للطوارئ، وإدارة الأزمات، والتعافي بعد الكوارث، من خلال جمع المنظمات العالمية والمزودين المتخصصين لتعزيز القدرة على الصمود وحماية الأرواح أثناء الكوارث والأزمات الإنسانية.
كما يقدم المعرض فرصاً فريدة لتشكيل شراكات استراتيجية ومشاريع تعاون بين محترفي صناعة الدفاع، من خلال جلسات التواصل، والاجتماعات الثنائية المنظمة مسبقاً، وبرامج مطابقة الأعمال (Business Matching) التي تربط العارضين بالمشترين المحتملين وتتيح توسيع السوق، بما يعزز الابتكار ويدعم النمو المتبادل في قطاع الدفاع.
كما تتضمن فعاليات المعرض العروض التقنية والمنتجات الحية (Technical Talks & Product Demos)، التي توفر منصة لتعلّم أحدث التقنيات ومشاهدة التطبيقات الحية والتفاعلية، ما يتيح للمشاركين الاطلاع على قدرات الأنظمة الحديثة مباشرة.
ويشكل المعرض أيضاً سوقاً فعّالاً لتأمين صفقات الدفاع والأمن من خلال توقيع العقود ومذكرات التفاهم (Contracts & MoU Signings)، حيث سجلت الدورات السابقة صفقات بقيمة تصل إلى 9.4 مليار رينغيت ماليزي، مؤكدة أهميته كمنصة تجارية استراتيجية.
ويتيح DSA NATSEC Asia TV تغطية يومية للفعاليات، ومقابلات حصرية مع قادة الصناعة والوفود، بينما يقدّم برنامج MY Defence Security Innovation Pavilion مبادرة لدعم المنتجات والحلول الدفاعية والأمنية الماليزية والابتكارات الوطنية، مانحاً الشركات المحلية فرصة لإبراز قدراتها على المستوى العالمي.
معرض الأمن القومي الآسيوي (NATSEC)
يُعقد معرض الأمن القومي الآسيوي (NATSEC) في دورته الرابعة بالتزامن مع DSA، ليعكس التحولات العميقة في طبيعة التهديدات، بما في ذلك الأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية، وإدارة الأزمات والكوارث، وأنظمة المراقبة الذكية، وتقنيات إنفاذ القانون.
ويستقطب المعرض مشاركة دولية واسعة من المهتمين بمجال الأمن وصناعات الدفاع، ما يعزز الحوار وتبادل المعرفة على مستوى عالمي.
ويُظهر الجمع بين DSA وNATSEC فهم ماليزيا لأهمية الدمج بين الدفاع الخارجي والأمن الداخلي، ويقدم منصة شاملة للتعاون الإقليمي والعالمي، مع تأكيد الالتزام بممارسات الدفاع المستدامة، وتبني حلول صديقة للبيئة، واستخدام الطاقة المتجددة في قطاع الدفاع.
الشمولية والابتكار
يمتاز الحدثان بشمولية تغطي جميع فروع القوات المسلحة والأمن الداخلي، من القوات البرية والبحرية والجوية، إلى أجهزة الأمن الداخلي والشرطة، والأنظمة الإلكترونية، والمراقبة، والطب العسكري، وحماية البيئة، والابتكار في حلول الطاقة والاستدامة. ويتيح ذلك للمشاركين الحصول على رؤية شاملة لأحدث الابتكارات والتقنيات المتقدمة، وفهم التكامل بين الأنظمة المختلفة وتأثيرها على الأمن الوطني والدولي، كما يوفر منصة لتبادل الخبرات وتطوير مشاريع مشتركة على المستوى الإقليمي والعالمي.
وفي هذا السياق، يتيح معمل الابتكار DSA & NATSEC Asia Lab للشركات الناشئة عرض تقنياتها، وتحقيق حضور عالمي، والتواصل مباشرة مع صناع القرار.
كما يعرض جناح CDIM قوة الصناعة الدفاعية الماليزية المحلية، ويتيح للشركات الوطنية التعاون واستعراض قدراتها لدعم أهداف النمو والاعتماد على الذات.
أما جناح الطائرات المسيرة والروبوتات (UAV, Drone & Robotic Pavilion)، فيعمل على إبراز أهم التطورات في تكنولوجيا الطائرات المسيرة والروبوتات في مجالي الدفاع والأمن.
فيما يركز قطاع Future Forces على الابتكار والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والبيانات التكتيكية، لتطوير العمليات متعددة المجالات والحروب القائمة على الشبكات، والدقة، والتخفي.
دبلوماسية دفاعية متقدمة
يستضيف هذا الحدث المهم برامج متعددة لكبار الشخصيات ووزراء دفاع، والقادة العسكريين، ورؤساء الأجهزة الأمنية من مختلف القارات، ضمن لقاءات ثنائية واجتماعات رسمية، ليصبح الحدث منصة دبلوماسية دفاعية حقيقية.
كما يُعزز هذا الحدث فرص التعاون في التدريب، ونقل التكنولوجيا، والمشاريع العملياتية المشتركة، ويحوّل المعرضين إلى ملتقى استراتيجي لتطوير شراكات طويلة الأمد بين الدول والشركات.
منصة محورية لإعادة تحديد أولويات الأمن والدفاع
لا يقتصر تأثير المعرضين على الجانب التجاري، بل يمتد ليشكل مؤشراً عالمياً على الاتجاهات التقنية والاستراتيجية في مجال الدفاع والأمن، بما يشمل الأنظمة الذكية، والروبوتات، والطائرات المسيرة، والحلول السيبرانية، والدفاع البحري والجوي، والتكامل بين القطاعين العسكري والمدني.
ويؤكد الحدثان قدرة ماليزيا على الجمع بين الابتكار، والتكنولوجيا، والاستدامة، والتعاون الدولي، لتكون منصة مركزية لإعادة رسم خرائط الأمن والدفاع في المنطقة.
وقد باتت ماليزيا تمثل نموذج الدولة التي نجحت في توظيف جغرافيتها واستراتيجيتها الدفاعية وصناعاتها المتقدمة، فمن خلال عقيدة دفاعية متوازنة وصناعة دفاعية نامية، واستضافة معرضي DSA وNATSEC، أصبحت منصة متكاملة تجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار، مقدمة فرصاً متميزة للتعاون الدولي، وبناء الثقة، واستكشاف أحدث الاتجاهات في جميع فروع القوات المسلحة والأمن الداخلي.
ومما لا شك فيه أن دورة 2026 تعكس وعياً عميقاً بالتحديات الأمنية في القرن الحادي والعشرين، مؤكدة أن المعارض الدفاعية لم تعد مجرد ساحات عرض، بل أدوات استراتيجية لإعادة رسم مسار التعاون الأمني وبناء شراكات دائمة على المستوى العالمي، مع التركيز على الابتكار الشامل والاستدامة والتكامل بين الدفاع الخارجي والأمن الداخلي.
انفوجرافيك:
توقعات دورة 2026
أكثر من 1,400 شركة عارضة من أكثر من 60 دولة
500 وفد رسمي رفيع المستوى من 40 دولة
أكثر من 50 ألف زائر تجاري من 114 دولة
مساحة عرض تتجاوز 48 ألف متر مربع










