كتاب العدد 588

القوة العسكرية وسياسة الطاقة بوتين والبحث عن «العظمة» الروسية

ثمَّة موضوعان يحظيان بحضور بارز في السياسة التي انتهجها بوتين على امتداد حكمه، إلى حد أنهما أفرزا خطوطاً فاصلة في غاية الأهمية، وحدَّدا المنحى الذي سلكته القضايا الأخرى في تطورها. أول هذين الموضوعين هو الأمن العسكري الذي صاغت له دوره الحيوي حرب الشيشان الثانية.

وثانيهما هو أمن الطاقة، الذي تعززت أولويته القصوى بفضل هيمنة قطاع النفط والغاز على الاقتصاد الروسي بصورة غير مسبوقة، ولكلٍّ من هذين الموضوعين منظوماته، وبناه الداخلية المعقدة، وكلاهما يجد القوة الدافعة له في المنطق الخاص به الذي يقف وراء كل منهما. ومع هذا، فثمة عامل مشترك يجمع بينهما، وهو أنهما يمثلان العنصرين الأساسيين لقوة روسيا التي يُسبَغ عليها تقليدياً مفهوم “العظمة”.

وإلى جانب هذا، فإن اقتران الدافع الموجود فعلاً بالتصميم المعلَن على إعادة إرساء أسس العظمة الروسية وبنائها من جديد، قد حدَّد معالم الموضوع الرئيسي الثالث من موضوعات سياسة بوتين. وعلى الرغم من ذلك، فإن الرغبة في استغلال قدرات روسيا النووية الاستراتيجية، لتأكيد موقعها بصفتها “قوة عظمى”، تبدو صادقة كولعها بتسييس صادراتها من ثروات الطاقة بقصد تحويل روسيا إلى “قوة عظمى في مجال الطاقة”. ومن هنا، فإن هذه الموضوعات قد ارتبطت فيما بينها ارتباطاً وثيقاً، ورسمت الملامح الجوهرية لـ”عصر” بوتين.

ويشخص هذا الكتاب القضايا الرئيسية التي تقع في دائرة التفاعل الدينامي بين هذه الموضوعات الثلاثة: اللجوء إلى القوة العسكرية، والاستفادة من ثروات الطاقة، وإعادة إرساء أسس “العظمة”، ثم الخروج بتقويم للتفاعلات القائمة فيما بينها. وهذا الهدف الثلاثي الأبعاد هو الذي يحدد هيكل هذا الكتاب الذي استهلَّ المؤلف قسمه الأول بثلاثة فصول تتضمن ثلاثة تقويمات مستقلة تركز كل منها على: وضعية القوات المسلحة، وتطوير قطاع الطاقة، وجوهر نيات استعادة “عظمة” روسيا في السنوات التي أمضاها بوتين برئاسة البلاد. ومن ثمَّ يُحَلَّل كل منها عن طريق تفحُّص السبل التي أمكن من خلالها للزيادة الضخمة في مدخولات الدولة (التي جلبها لها قطاع الطاقة) تيسير عملية بناء المؤسسة العسكرية (والحد منها في الوقت عينه)، وطبيعة التأثير الذي أحدثته القوة العسكرية (الفعلية و”الافتراضية”، على حد سواء) في مكانة روسيا وسلامتها الإقليمية، ونوعية تأثير التحولات التي أحدثتها عملية تطوير صناعات النفط والغاز غير المتجانسة، سواء في حضور روسيا على المستوى الدولي، أو في رؤيتها الذاتية لنفسها.

أمَّا القسم الثاني من الكتاب، فيتناول في فصوله الثلاثة أمن الطاقة في روسيا، فالافتراض القائل إن “المتاجرة” بمصادر الطاقة، وصادرات الموارد الهيدروكربونية تحديداً، ترتبطان ارتباطاً مباشراً بالأجندة الأمنية، يبدو في الواقع جديداً على الفكر السياسي الروسي، على الرغم من الصلة السببية المباشرة التي تجمع ما بين هبوط أسعار النفط أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وانهيار الاتحاد السوفييتي.

وكان تأجُّج الأزمتين المالية والسياسية في أغسطس 1998 قد أثبت أن انكماش عائدات الصادرات ما فتئ يمثل تحدياً أمنياً كبيراً، بيد أنه لم يحدث إلا في عامي 2004 و2005 أن دفع الارتفاع المذهل في أسعار النفط بروسيا إلى التوجُّه نحو توظيف مصادر الطاقة توظيفاً احترازياً. وعلى الرغم من أن صافي الكميات التي صدَّرتها روسيا من هذه المصادر لم يزدد بصورة كبيرة، فإنه بدا من الممكن حقاً أمام عائدات هذه الصادرات صوغ مفهوم “سلاح الطاقة”، واستخدامه.

ويركز القسم الثالث من الكتاب بفصوله الثلاثة على القوة العسكرية، بوصفها الدليل النهائي على “العظمة”، ففي العقيدة الأمنية الروسية عُدَّت النظرية القائلة إن القوة العسكرية مكوِّناً بالغ الأهمية من مكونات قوة الدولة، وشرط مسبق لا بد منه لكسب النفوذ داخل منظومة العلاقات الدولية القائمة على القوة، وأداة أساسية لمواجهة الضغوط الخارجية المعادية -حقيقة بدَهية كُوِّنت عبر مئات السنين من تاريخ هذه الدولة، ولعل مقولة ألكسندر الثالث المأثورة “إن روسيا ليس لها من حلفاء حقيقيين سوى اثنين: الجيش والبحرية”، باتت مقبولة كخلاصة للحكمة التي يرتكز عليها فن إدارة شؤون الدولة وحكمها. كما أن الاستنتاج القائل “بلد يعجز عن إطعام جيشه سوف يُرغَم على إطعام جيش أجنبي” يكتسب الشرعية التي تؤهله ليكون منطقاً سياسياً تجمع عليه عامة الناس. وقد ذكر فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، في خطابه أمام البرلمان في مايو/أيار 2006، أن الولايات المتحدة الأمريكية تنفق في موازنتها العسكرية أكثر مما تنفق روسيا خمسة وعشرين ضعفاً.

وعاد بوتين في خطاب له، في ميونيخ عام 2007، ليشدِّد على أن “روسيا بلد يمتد تاريخه إلى أكثر من ألف سنة، ولطالما كان لها من الناحية العملية امتياز تطبيق سياسة خارجية مستقلة”، غير أن المشكلة الوحيدة التي تعترض تعظيم القوة العسكرية على هذا النحو هي أن روسيا ليس بحوزتها إلا القليل جداً من هذه القوة لتسند بها مطالبتها بـ”العظمة” لنفسها.

ويناقش القسم الرابع بفصوله الثلاثة أيضاً قوة الطاقة في روسيا، والبحث عن “العظمة”، فربما باتت المهمة الرئيسية المتعلقة بإدارة كلٍّ من إنتاج موارد الطاقة وإمداداتها، والجهود الحثيثة التي تُبذَل بحماسة واضحة بحثاً عن “عظمة” روسيا، تأخذ مسارين مختلفين كلياً. وفي حقيقة الأمر، فإن القيادة السوفييتية كانت في حقبة الحرب الباردة قد حرصت على جعل عملية صنع القرارات الخاصة بموارد الطاقة معزولة تماماً عن مخططات “الصراع المصيري المدمِّر مع الإمبريالية”. ومن المؤكَّد أن القرارات ذات الصلة بتصدير النفط والغاز وتسعيرهما كانت ترتبط بالأهداف الرامية إلى إبقاء الدول التي تدور في الفلك السوفييتي تحت الهيمنة القوية، وإلى إضعاف أواصر التلاحم داخل “معسكر الأعداء”، غير أن تأمل أحداث الماضي وتفهمها يكشفان عن أن العقلية التجارية كانت هي السمة الأكثر طغياناً على الاستراتيجية السوفييتية الخاصة بالطاقة من النيات الخفية التي يُراد منها تحويل النفط والغاز إلى “سلاحين” سياسيين. ولكنَّ فلاديمير بوتين استطاع بجرأة واضحة تخطِّي هذه العزلة، وتحويل الطاقة ليس إلى وسيلة لبلوغ “العظمة” الروسية فحسب، بل إلى ركن جوهري من أركان هذه المهمة المحيِّرة.

وقد أوجز المفهوم الذي وضعه “للقوة العظمى في مجال الطاقة” هذا المزيج الذي يجمع بين الطاقة بصفتها أداة تجارية، وسياسات القوة معًا، الذي قد لا يمكن فيه التمييز بين الغايات الرامية إلى جني أقصى قدر من الأرباح، وبناء أوضاع القوة. بل إن القيمة السوقية لشركة غازبروم أضحت الدالة الرئيسية لمكانة روسيا على الصعيد الدولي. وكما جرى بحثه في القسم الثالث، فعن طريق توظيف ثلاث مزايا مختلفة “للعظمة”، أي: “القوة العظمى”، و”الإمبراطورية”، و”الحضارة”، يغدو بالإمكان تقويم مدى فاعلية استغلال شتَّى أنواع ثروات الطاقة من أجل دفع عجلة مشروعات سياسية محدَّدة إلى أمام.

معلومات المؤلف: بافل باييف، كاتب ومفكر سياسي روسي، محلل بمعهد السلام في العاصمة النرويجية أوسلو

معلومات الكتاب: القوة العسكرية وسياسة الطاقة.. بوتين والبحث عن “العظمة” الروسية

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، سنة النشر: 2010

Youtube
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض